الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مسند أحمد 16722 7416 - (17174) - (4\130 - 131) عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ يَنْثَنِي شَبْعَانًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ، وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، أَلَا وَلَا لُقَطَةٌ مِنْ مَالِ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُمْ ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُمْ، فَلَهُمْ أَنْ يُعْقِبُوهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُمْ " . حاشية مسند أحمد * قَوْلُهُ : " أَلَا": حَرْفُ تَنْبِيهٍ . * "الْكِتَابَ ": الْقُرْآنَ. * "وَمِثْلَهُ ": - بِالنَّصْبِ - : عَطْفٌ عَلَى الْكِتَابِ. * "مَعَهُ ": حَالٌ مِنَ الْمِثْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ "مِثْلُهُ " - بِالرَّفْعِ - مُبْتَدَأٌ، وَ"مَعَهُ " خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ، وَالْمُمَاثَلَةُ إِمَّا فِي الْقَدْرِ، أَوْ فِي وُجُوبِ الطَّاعَةِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ; فَإِنَّ وُجُوبَ الطَّاعَةِ يُفْهَمُ مِنَ الْمَعِيَّةِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الْوَحْيِ الْبَاطِنِ غَيْرِ الْمَتْلُوِّ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مِنَ الظَّاهِرِ، أَوْ أُوتِيَ الْكِتَابَ وَحْيًا يُتْلَى، وَأُوتِيَ مِثْلَهُ مِنَ الْبَيَانِ; أَيْ: أُذِنَ لَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا فِي الْكِتَابِ، فَيَعُمَّ وَيَخُصَّ، وَأَنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ، فَيَشْرَعَ مَا لَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْكِتَابِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْحُكْمِ وَلُزُومِ الْعَمَلِ بِهِ كَالظَّاهِرِ الْمَتْلُوِّ مِنَ الْقُرْآنِ . * "شَبْعَانًا": هَكَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ مُنَوَّنًا، وَقَدْ جَاءَ فِي مُؤَنَّثِهِ شَبْعَى وَشَبْعَاءَ، قِيلَ: وَصَفَهُ بِذَلِكَ; لِأَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إِمَّا الْبَلَادَةُ وَسُوءُ الْفَهْمِ، وَمِنْ أَسْبَابِهِ كَثْرَةُ الْأَكْلِ، وَإِمَّا الْبَطَرُ وَالْحَمَاقَةُ، وَمِنْ مُوجِبَاتِهِ التَّنَعُّمُ وَالْغُرُورُ بِالْمَالِ وَالْجَاهِ، وَالشِّبَعُ يُكْنَى بِهِ عَنْ ذَلِكَ . * "عَلَى أَرِيكَتِهِ ": أَيْ: جَالِسًا عَلَى سَرِيرِهِ الْمُزَيَّنِ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَرَادَ بِهِ أَصْحَابَ التَّرَفُّهِ وَالدَّعَةِ، الَّذِينَ لَزِمُوا الْبُيُوتَ، وَلَمْ يَطْلُبُوا الْعِلْمَ بِالْأَسْفَارِ مِنْ أَهْلِهِ . * "يَقُولُ: عَلَيْكُمْ. . . إِلَخْ ": قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يُحَذِّرُ بِذَلِكَ مُخَالَفَةَ السُّنَنِ الَّتِي سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; مِمَّا لَيْسَ لَهُ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرٌ; عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْخَوَارِجُ وَالرَّوَافِضُ; فَإِنَّهُمْ تَعَلَّقُوا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَتَرَكُوا السُّنَنَ الَّتِي قَدْ ضَمِنَتْ بَيَانَ الْكِتَابِ، فَانْحَرَفُوا وَضَلُّوا . قَالَ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِالْحَدِيثِ إِلَى أَنْ يُعْرَضَ عَلَى الْكِتَابِ، وَأَنَّهُ مَهْمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ حُجَّةً بِنَفْسِهِ . قُلْتُ: كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْعَرْضَ لِقَصْدِ رَدِّ الْحَدِيثِ بِمُجَرَّدِ أَنَّهُ ذُكِرَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ، وَإِلَّا فَالْعَرْضُ لِقَصْدِ الْفَهْمِ وَالْجَمْعِ وَالتَّثَبُّتِ لَازِمٌ . ثُمَّ قَالَ: وَحَدِيثُ: "إِذَا جَاءَكُمُ الْحَدِيثُ، فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ، فَخُذُوهُ " حَدِيثٌ بَاطِلٌ، لَا أَصْلَ لَهُ، رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ . * "أَلَا لَا يَحِلُّ ": بَيَانُ مَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ، لَكِنْ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لَا التَّحْدِيدِ، وَمِنْهُ يَفْهَمُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ [النَّحْلِ: 8]، لَيْسَ لِإِفَادَةِ تَحْرِيمِ الْخَيْلِ وَغَيْرِهِ فِي الْكِتَابِ كَمَا قِيلَ، فَتَأَمَّلْ . * "مَعَاهَدٌ": ذِمِّيٌّ أَوْ مُسْتَأْمَنٌ، وَتَخْصِيصُهُ لِزِيَادَةِ الِاهْتِمَامِ; لِأَنَّهُ لِكُفْرِهِ يُتَوَهَّمُ حِلُّ لُقَطَتِهِ، أَوِ الْمُرَادُ: غَيْرُ الْحَرْبِيِّ، فَيَشْمَلُ الْمُسْلِمَ أَيْضًا . * "إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا": وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ "عَلَيْهَا" بِمَعْنَى: عَنْهَا; أَيْ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَقِيرًا لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ عَادَةً . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِلَّا أَنْ يَتْرُكَهَا صَاحِبُهَا لِمَنْ أَخَذَ اسْتِغْنَاءً عَنْهَا . قُلْتُ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْقَلِيلُ إِلَّا بَعْدَ عِلْمِ صَاحِبِهِ وَتَرْكِهِ، إِلَّا أَنْ يُقَالَ: يُسْتَدَلُّ بِحَقَارَتِهِ عَلَى تَرْكِهِ عَادَةً . * "أَنْ يَقْرُوهُ ": بِفَتْحِ الْيَاءِ - ، قِيلَ: الْمُرَادُ: مِنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ سُكَّانِ الْبَوَادِي، فَعَلَيْهِمُ الضِّيَافَةُ إِذَا وَضَعَ عَلَيْهِمُ الْإِمَامُ ضِيَافَةَ الْمُسْلِمِ الْمَارِّ بِهِمْ، أَوْ هُوَ فِي حَقِّ الضَّيْفِ الْمُضْطَرِّ، أَوْ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ . قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَيْهِمْ سُنَّةً وَاسْتِحْبَابًا، لَا فَرْضًا وَإِيجَابًا; فَإِنَّ قِرَى الضَّيْفِ غَيْرُ وَاجِبٍ قَطْعًا; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَوَابِ الْأَعْرَابِيِّ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ: "لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ " . قُلْتُ: وَهَذَا مِمَّا يَأْبَاهُ اللَّفْظُ أَوَّلًا كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَا يُوَافِقُهُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ ثَانِيًا; ضَرُورَةَ وُجُوبِ الصَّوْمِ الْمَنْذُورِ وَالصَّلَاةِ الْمَنْذُورَةِ وَضِيَافَةِ الْمُضْطَرِّ قَطْعًا، فَالْوَجْهُ أَنَّ حَدِيثَ الْأَعْرَابِيِّ فِي بَيَانِ الْوَاجِبَاتِ الْمُعْتَادَةِ بِلَا ظُهُورِ سَبَبٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ الضَّيْفِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضِّيَافَةِ، كَالِاسْتِئْجَارِ وَالشِّرَاءِ سَبَبَانِ لِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ وَالثَّمَنِ . * "أَنْ يُعْقِبُوهُمْ ": مِنْ أَعْقَبَ، أَوْ عَقَّبَ - بِالتَّشْدِيدِ - ; أَيْ: يُجَازُوهُمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . * * *

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية