الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَإِنْ قُلْتُ : فَأَقَلُّ الدَّرَجَاتِ فِي إِظْهَارِ الْبُغْضِ وَالْهَجْرِ وَالْإِعْرَاضُ وَقَطْعُ الرِّفْقِ وَالْإِعَانَةِ ، فَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ حَتَّى يَعْصِيَ الْعَبْدُ بِتَرْكِهِ . فَأَقُولُ : لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْعِلْمِ تَحْتَ التَّكْلِيفِ وَالْإِيجَابِ ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِينَ شَرِبُوا الْخَمْرَ وَتَعَاطَوُا الْفَوَاحِشَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ مَا كَانُوا يَهْجُرُونَ بِالْكُلِّيَّةِ بَلْ كَانُوا مُنْقَسِمِينَ فِيهِمْ إِلَى مَنْ يُغْلِظُ الْقَوْلَ عَلَيْهِ وَيُظْهِرُ الْبَعْضَ لَهُ وَإِلَى مَنْ يُعْرِضُ عَنْهُ وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهُ ، وَإِلَى مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَلَا يُؤَثِّرُ الْمُقَاطَعَةَ وَالتَّبَاعُدِ . فَهَذِهِ دَقَائِقُ دِينِيَّةٌ تَخْتَلِفُ فِيهَا طُرُقُ السَّالِكِينَ لِطَرِيقِ الْآخِرَةِ وَيَكُونُ عَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ وَوَقْتُهُ وَمُقْتَضَى الْأَحْوَالِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ إِمَّا مَكْرُوهَةٌ أَوْ مَنْدُوبَةٌ ، فَتَكُونُ فِي رُتْبَةِ الْفَضَائِلِ وَلَا تَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيمِ وَالْإِيجَابِ ، فَإِنَّ الدَّاخِلَ تَحْتَ التَّكْلِيفِ أَصْلُ الْمَعْرِفَةِ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَصْلُ الْحُبِّ وَذَلِكَ قَدْ لَا يَتَعَدَّى مِنَ الْمَحْبُوبِ إِلَى غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا الْمُتَعَدِّي إِفْرَاطُ الْحُبِّ وَاسْتِيلَاؤُهُ ، وَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي الْفَتْوَى وَتَحْتَ ظَاهِرِ التَّكْلِيفِ فِي حَقِّ عَوَامِّ الْخَلْقِ أَصْلًا . بَيَانُ مَرَاتِبِ الَّذِينَ يُبْغَضُونَ فِي اللَّهِ وَكَيْفِيَّةِ مُعَامَلَتِهِمْ . إتحاف السادة المتقين (فَإِنْ قُلْتُ: فَأَقَلُّ الدَّرَجَاتِ فِي إِظْهَارِ الْبُغْضِ الْهِجْرَةُ) أَيِ: الْمُهَاجَرَةُ وَبِتَرْكِ الْمُكَالَمَةِ (وَالْإِعْرَاضُ وَقَطْعُ الرِّفْقِ وَالْإِعَانَةِ، فَهَلْ يَجِبُ ذَلِكَ حَتَّى يَعْصِيَ الْعَبْدُ بِتَرْكِهِ) أَمْ لَا؟ (فَأَقُولُ: لَا يَدْخُلُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الْعِلْمِ تَحْتَ التَّكْلِيفِ وَالْإِيجَابِ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّ الَّذِينَ شَرِبُوا الْخَمْرَ وَتَعَاطَوُا الْفَوَاحِشَ) مِنَ الزِّنَا وَغَيْرِهِ (فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَفِي) زَمَنِ (الصَّحَابَةِ) - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ- (مَا كَانُوا يَهْجُرُونَ بِالْكُلِّيَّةِ) وَفِي الْكَلَامِ وَالْمُعَاشَرَةِ (بَلْ كَانُوا مُنْقَسِمِينَ فِيهِ إِلَى مَنْ يُغْلِظُ الْقَوْلَ عَلَيْهِ) وَيُشَدِّدُ فِي النَّكِيرِ (وَيُظْهِرُ الْبُغْضُ لَهُ وَإِلَى مَنْ يَرْضَى عَنْهُ وَلَا يَتَوَخَّى لَهُ، وَإِلَى مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَلَا يُؤَثِّرُ بِالْمُقَاطَعَةِ وَالتَّبَاعُدِ؛ فَهَذِهِ دَقَائِقُ دِينِيَّةٌ تَخْتَلِفُ فِيهَا طَرَائِقُ السَّالِكِينَ لِطَرِيقِ الْآخِرَةِ وَيَكُونُ عَمَلُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ حَالُهُ وَ) عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ (وَقْتُهُ) فَكَانُوا يَعْمَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ بِمُقْتَضَاهُ (وَمُقْتَضَى الْأَحْوَالِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ إِمَّا مَكْرُوهَةٌ وَإِمَّا مَنْدُوبَةٌ، فَتَكُونُ فِي رُتَبِهِ الْفَضَائِلُ وَلَا يَنْتَهِي إِلَى التَّحْرِيمِ وَالْإِيجَابِ، فَإِنَّ الدَّاخِلَ تَحْتَ التَّكْلِيفِ أَصْلُ الْمَعْرِفَةِ لِلَّهِ) تَعَالَى (وَأَصْلُ الْحُبِّ وَاسْتِيلَاؤُهُ) أَيْ: غَلَبَتُهُ حَتَّى يَمْلِكَ (وَذَلِكَ قَدْ لَا يَتَعَدَّى مِنَ الْمَحْبُوبِ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا الْمُتَعَدِّي إِفْرَاطُ الْحُبِّ وَاسْتِيلَاؤُهُ، وَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ فِي الْفَتْوَى تَحْتَ ظَاهِرِ التَّكْلِيفِ فِي حَقِّ عَوَامِّ الْخَلْقِ أَصْلًا) وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية