الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                              سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد

                                                                                                                                                                                                                              الصالحي - محمد بن يوسف الصالحي الشامي

                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              ذِكْرُ اعْتِرَافِ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ كَبِيرِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَغَيْرِهِ بِصِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا عَادَ نَبَّاشٌ إِلَى قَوْمِهِ ، وَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ ، قَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ : يَا مَعْشَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَاللَّهِ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ مِنَ الْأَمْرِ مَا تَرَوْنَ وَإِنِّي عَارِضٌ عَلَيْكُمْ خِلَالًا ثَلَاثًا ، فَخُذُوا مَا شِئْتُمْ مِنْهَا ، قَالُوا : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : نُتَابِعُ هَذَا الرَّجُلَ وَنُصَدِّقُهُ . فَوَ اللَّهِ لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَأَنَّهُ الَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ فَتَأْمَنُونَ بِهِ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ ، وَمَا مَنَعَنَا مِنَ الدُّخُولِ مَعَهُ إِلَّا الْحَسَدُ لِلْعَرَبِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَهُوَ حَيْثُ جَعَلَهُ اللَّهُ ، وَلَقَدْ كُنْتُ كَارِهًا لِنَقْضِ الْعَهْدِ وَالْعَقْدِ وَلَكِنَّ الْبَلَاءَ وَالشُّؤْمَ مِنْ هَذَا الْجَالِسِ - يَعْنِي حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ - وَلَقَدْ كَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي حِصْنِهِمْ حِينَ رَجَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ ، وَفَاءً لكَعْبِ بْنِ أَسَدٍ ، بِمَا كَانَ عَاهَدَهُ عَلَيْهِ - أَتَذْكُرُونَ مَا قَالَ لَكُمُ ابْنُ جَوَّاسٍ حِينَ قَدِمَ عَلَيْكُمْ : تَرَكْتُ الْخَمْرَ وَالْخَمِيرَ وَالتَّمِيرَ ، وَأَجْئِتُ إِلَى السِّقَاءِ وَالتَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، قَالُوا : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : إِنَّهُ يَخْرُجُ بِهَذِهِ الْقَرْيَةِ نَبِيٌّ ، فَإِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا حَيٌّ أَتَّبِعْهُ وَأَنْصُرْهُ ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْدِي ، فَإِيَّاكُمْ أَنْ تَخْدَعُوا عَنْهُ ، وَاتَّبِعُوهُ ، فَكُونُوا أَنْصَارَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ ، وَقَدْ آمَنْتُمْ بِالْكِتَابَيْنِ ، كِلَيْهِمَا الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ ، وَأَقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلَامَ ، وَأَخْبِرُوهُ أَنِّي مُصَدِّقٌ بِهِ . قَالَ كَعْبٌ : فَتَعَالَوْا فَلْنُتَابِعْهُ وَنُصَدِّقْهُ ، فَقَالُوا : لَا نُفَارِقُ حُكْمَ التَّوْرَاةِ أَبَدًا ، وَلَا نَسْتَبْدِلُ بِهِ غَيْرَهُ ، قَالَ : فَإِذَا أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ، ثُمَّ نَخْرُجُ إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ رِجَالًا مُصْلِتِينَ السُّيُوفَ وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا ثِقْلًا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ ، فَإِنْ نَهْلِكْ نَهْلِكُ ، وَلَمْ نَتْرُكْ وَرَاءَنَا نَسْلًا نَخْشَى عَلَيْهِ ، إِنْ نَظْهَرْ فَلَعَمْرِي لَنَجِدَنَّ النِّسَاءَ وَالْأَبْنَاءَ . قَالُوا : أَنَقْتُلُ هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِينَ ؟ ! فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ ؟ قَالَ : فَإِنْ أَبَيْتُمْ عَلَيَّ هَذِهِ فَإِنَّ اللَّيْلَةَ لَيْلَةُ السَّبْتِ ، وَأَنَّهُ عَسَى وَأَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَمِنُوا فِيهَا فَانْزِلُوا ، لَعَلَّنَا نُصِيبُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غِرَّةً ، قَالُوا : نُفْسِدُ سَبْتَنَا وَنُحْدِثُ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا إِلَّا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ فَأَصَابَهُ مَا لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ مِنَ الْمَسْخِ! فَقَالَ : مَا بَاتَ رَجُلٌ مِنْكُمْ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ لَيْلَةً وَاحِدَةً مِنَ الدَّهْرِ حَازِمًا ، فَقَالَ ثَعْلَبَةُ وَأُسَيْدٌ ابْنَا سَعْيَةَ ، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ابْنُ عَمِّهِمْ ، وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ هُذَيْلٍ لَيْسُوا مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَلَا النَّضِيرِ ، نَسَبُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ وَهُمْ بَنُو عَمِّ الْقَوْمِ : يَا مَعْشَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، وَأَنَّ صِفَتَهُ عِنْدَنَا ، وَحَدَّثَنَا بِهَا عُلَمَاؤُنَا وَعُلَمَاءُ بَنِي النَّضِيرِ ، هَذَا أَوَّلُهُمْ : يَعْنِي حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ مَعَ جُبَيْرِ بْنِ الْهَيِّبَانِ - أَنَّهُ أَصْدَقُ النَّاسِ عِنْدَنَا ، هُوَ خَبَّرَنَا بِصِفَتِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ . قَالُوا : لَا نُفَارِقُ التَّوْرَاةَ . فَلَمَّا رَأَى هَؤُلَاءِ النَّفَرُ إِبَاءَهُمْ نَزَلُوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي فِي صُبْحِهَا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ فَأَسْلَمُوا وَأَمِنُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ سُعْدَى : يَا مَعْشَرَ يَهُودَ ، إِنَّكُمْ قَدْ حَالَفْتُمْ مُحَمَّدًا عَلَى مَا حَالَفْتُمُوهُ عَلَيْهِ ، فَنَقَضْتُمْ عَهْدَهُ الَّذِي كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ، فَلَمْ أَدْخُلْ فِيهِ ، وَلَمْ أَشْرَكْكُمْ فِي غَدْرِكُمْ ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا مَعَهُ فَاثْبُتُوا عَلَى الْيَهُودِيَّةِ وَأَعْطُوا الْجِزْيَةَ فَوَ اللَّهِ مَا أَدْرِي يَقْبَلُهَا أَمْ لَا ، قَالُوا : فَنَحْنُ لَا نُقِرُّ لِلْعَرَبِ بِخَرْجٍ فِي رِقَابِنَا يَأْخُذُونَهُ ، الْقَتْلُ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : فَإِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ . وَخَرَجَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مَعَ ابْنَيْ سَعْيَةَ ، فَمَرَّ بِحَرَسِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : عَمْرُو بْنُ سُعْدَى ، قَالَ مُحَمَّدٌ : مَرَّ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمُنِي إِقَالَةَ عَثَرَاتِ الْكِرَامِ ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ ، وَخَرَجَ حَتَّى أَتَى مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَاتَ بِهِ حَتَّى أَصْبَحَ فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا فَلَمْ يُدْرَ أَنَّى هُوَ حَتَّى السَّاعَةِ فَذُكِرَ شَأْنُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَ : «ذَاكَ رَجُلٌ نَجَّاهُ اللَّهُ بِوَفَائِهِ» .

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية