الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
[كَانَتْ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَامْتِحَانُ الْمُعْتَصِمِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: كَانَتْ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ [بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ] . وَفِي رَمَضَانَ [مِنْ] هَذِهِ السَّنَةِ امْتَحَنَ الْمُعْتَصِمُ أَحْمَدَ [بْنَ حَنْبَلٍ] فَضَرَبَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ بَعْدَ أَنْ حَبَسَهُ مُدَّةً ، وَوَطَّنَ أَحْمَدُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَتْلِ ، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ عُرِضْتَ عَلَى الْقَتْلِ تُجِيبُ قَالَ: لَا . وَلَقِيَهُ خَالِدٌ الْحَدَّادُ فَشَجَّعَهُ ، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي ضُرِبْتُ فِي غَيْرِ اللَّهِ فَصَبَرْتُ ، فَاصْبِرْ أَنْتَ إِنْ ضُرِبْتَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَكَانَ خَالِدٌ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِصَبْرِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْمُتَوَكِّلُ: مَا بَلَغَ مِنْ جَلَدِكَ؟ فَقَالَ: أَمُلِئَ لِي جِرَابُ عَقَارِبَ ، ثُمَّ أُدْخِلَ يَدِي فِيهِ ، وَإِنَّهُ لَيُؤْلِمُنِي مَا يُؤْلِمُكَ ، وَأَجِدُ لِآخِرِ سَوْطٍ مِنَ الْأَلَمِ مَا أَجِدُ لِأَوَّلِ سَوْطٍ ، وَلَوْ وُضِعَتْ فِي فَمِي خِرْقَةٌ وَأَنَا أُضْرَبُ لَاحْتَرَقَتْ مِنْ حَرَارَةِ مَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِي ، وَلَكِنِّي وَطَّنْتُ نَفْسِي عَلَى الصَّبْرِ ، فَقَالَ لَهُ الْفَتْحُ: وَيْحَكَ! مَعَ هَذَا اللِّسَانِ وَالْعَقْلِ ، مَا يَدْعُوكَ إِلَى مَا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْبَاطِلِ؟! قَالَ: أُحِبُّ الرِّئَاسَةَ ، فَقَالَ الْمُتَوَكِّلُ: وَنَحْنُ خَلِيفَةٌ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا خَالِدُ ، مَا أَنْتُمْ لُحُومٌ وَدِمَاءٌ فَيُؤْلِمُكُمُ الضَّرْبُ؟ قَالَ: بَلَى ، يُؤْلِمُنَا وَلَكِنْ مَعَنَا عَزِيمَةُ صَبْرٍ لَيْسَتْ مَعَكُمْ . وَقَالَ دَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَمَّا قُدِمَ بِخَالِدٍ اشْتَهَيْتُ أَنْ أَرَاهُ ، فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ جَالِسًا غَيْرَ مُمْكِنٍ لِذَهَابِ [لَحْمِ] إِلْيَتَيْهِ مِنَ الضَّرْبِ ، وَإِذَا حَوَّلَهُ فِتْيَانٌ ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ ضُرِبَ فُلَانٌ وَفُعِلَ بِفُلَانٍ ، فَقَالَ: لِمَ تَتَحَدَّثُونَ عَنْ غَيْرِكُمْ؟! افْعَلُوا أَنْتُمْ حَتَّى يُتَحَدَّثَ عَنْكُمْ . قِصَّةُ ضَرْبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ ، أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْكَاتِبُ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْقَسْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ الْأُصْبُعِ قَالَ: كُنْتُ بِبَغْدَادَ فَسَمِعْتُ ضَجَّةً ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يُمْتَحَنُ ، فَدَخَلْتُ فَلَمَّا ضُرِبَ سَوْطًا ، قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ ، فَلَمَّا ضُرِبَ الثَّانِي قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ، فَلَمَّا ضُرِبَ الثَّالِثَ قَالَ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، فَلَمَّا ضُرِبَ الرَّابِعَ قَالَ: لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ، فَضُرِبَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ سَوْطًا [وَكَانَتْ تِكَّةُ أَحْمَدَ حَاشِيَةَ ثَوْبٍ ، فَانْقَطَعَتْ ، فَنَزَلَ السَّرَاوِيلُ إِلَى عَانَتِهِ] فَرَمَى أَحْمَدُ بِطَرْفِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، وَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ ، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ بَقِيَ السَّرَاوِيلُ [كَأَنْ] لَمْ يَنْزِلْ ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ بَعْدَ سَبْعَةِ أَيَّامٍ ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، رَأَيْتُكَ تُحَرِّكُ شَفَتَيْكَ ، فَأَيُّ شَيْءٍ قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي مَلَأْتَ بِهِ الْعَرْشَ ، إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي عَلَى الصَّوَابِ فَلَا تَهْتِكْ لِي سِتْرًا . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهُ ضُرِبَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَوْطًا . وَفِي رِوَايَةٍ: ثَمَانِينَ سَوْطًا . وَلَمَّا بَالَغُوا فِي ضَرْبِهِ وَلَمْ يُجِبْ أَظْهَرُوا أَنَّهُ قَدْ عُفِيَ عَنْهُ وَتُرِكَ . أَخْبَرَنَا ابْنُ نَاصِرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَاهِينَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ رَبِّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيَّ يَقُولُ: أَحَلَّ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ مَنْ حَضَرَ ضَرْبَهُ وَكُلَّ مَنْ شَايَعَ فِيهِ وَالْمُعْتَصِمَ ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ ابْنَ أَبِي دُوَادَ دَاعِيَةٌ لَأَحْلَلْتُهُ . وَحَجَّ بِالنَّاسِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ: صَالِحُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية