الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                    جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                    ( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ( 13 ) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ( 14 ) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ( 15 ) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ( 16 ) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ( 17 ) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ( 18 ) ) يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ نَفْخَةُ الْفَزَعِ ، ثُمَّ يَعْقُبُهَا نَفْخَةُ الصَّعْقِ حِينَ يُصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ بَعْدَهَا نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ ، وَهِيَ هَذِهِ النَّفْخَةُ . وَقَدْ أَكَّدَهَا هَاهُنَا بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ ، لِأَنَّ أَمْرَ اللَّهِ لَا يُخَالَفُ وَلَا يُمَانَعُ ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَكْرَارٍ وَتَأْكِيدٍ . وَقَالَ الرَّبِيعُ : هِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ . وَالظَّاهِرُ مَا قُلْنَاهُ ; وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ) أَيْ : فَمُدَّتْ مَدَّ الْأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ ، وَتَبَدَّلَتِ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ، ( فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ) أَيْ : قَامَتِ الْقِيَامَةُ . ( وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ) قَالَ سِمَاكٌ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : تَنْشَقُّ السَّمَاءُ مِنَ الْمَجَرَّةِ . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : هِيَ كَقَوْلِهِ : ( وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ) [ النَّبَأِ : 19 ] . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مُنْخَرِقَةٌ ، وَالْعَرْشُ بِحِذَائِهَا . ( وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ) الْمَلَكُ : اسْمُ جِنْسٍ ، أَيِ : الْمَلَائِكَةُ عَلَى أَرْجَاءِ السَّمَاءِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَلَى مَا لَمْ يَهِ مِنْهَا ، أَيْ : حَافَّتِهَا . وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْأَوْزَاعِيُّ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : أَطْرَافُهَا . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : أَبْوَابُهَا . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا ) يَقُولُ : عَلَى مَا اسْتَدَقَّ مِنَ السَّمَاءِ ، يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ . وَقَوْلُهُ : ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ الْعَرْشَ ثَمَانِيَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعَرْشِ الْعَرْشَ الْعَظِيمَ ، أَوِ : الْعَرْشَ الَّذِي يُوضَعُ فِي الْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ . وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرَةَ ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي ذِكْرِ حَمَلَةِ الْعَرْشِ أَنَّهُمْ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبَى حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ الْبَصْرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو قَبِيلٍ حُيَيُّ بْنُ هَانِئٍ : أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ : حَمَلَةُ الْعَرْشُ ثَمَانِيَةٌ ، مَا بَيْنَ مُوقِ أَحَدِهِمْ إِلَى مُؤَخَّرِ عَيْنِهِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ : حَدَّثَنِي أَبِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ عَنْ مَلَكٍ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ : بُعْدُ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَعُنُقِهِ بِخَفْقِ الطَّيْرِ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ " . وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ . وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ " السُّنَّةِ " مِنْ سُنَنِهِ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَفْصِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ : أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ " . هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ أَشْعَثَ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ) قَالَ : ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ . قَالَ : وَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ [ وَعِكْرِمَةَ ] وَالضَّحَّاكِ . وَابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلُ ذَلِكَ . وَكَذَا رَوَى السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ثَمَانِيَةُ صُفُوفٍ . وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنْهُ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الْكَرُوبِيُّونَ ثَمَانِيَةُ أَجْزَاءٍ ، كُلُّ جِنْسٍ مِنْهُمْ بِقَدْرِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْمَلَائِكَةِ . وَقَوْلُهُ : أَيْ تُعْرَضُونَ عَلَى عَالِمِ السِّرِّ وَالنَّجْوَى الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِكُمْ ، بَلْ هُوَ عَالِمٌ بِالظَّوَاهِرِ وَالسَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ) وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا : أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا ، فَإِنَّهُ أَخَفُّ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ : ( يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ) . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رَفَاعَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي ، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ " . وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ وَكِيعٍ بِهِ ، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ وَكِيعٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ يَزِيدَ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَيَّانَ ، عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْغَرِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ : عَرْضَتَانِ ، مَعَاذِيرُ وَخُصُومَاتٌ ، وَالْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي . وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا مِثْلَهُ .

                                                                                                                                                                                                    ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                    الخدمات العلمية