الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
اختيار هذا الخط
الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.
174 حدثنا nindex.php?page=showalam&ids=16526عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا nindex.php?page=showalam&ids=17104أبي حدثنا nindex.php?page=showalam&ids=16102شعبة عن nindex.php?page=showalam&ids=11814سليمان الشيباني سمع nindex.php?page=showalam&ids=15916زر بن حبيش عن nindex.php?page=showalam&ids=10عبد الله nindex.php?page=hadith&LINKID=657263قال nindex.php?page=tafseer&surano=53&ayano=18لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال nindex.php?page=treesubj&link=30625_29024_29753رأى جبريل في صورته له ست مائة جناح
[ ص: 380 ] [ ص: 381 ] قوله ( عن nindex.php?page=showalam&ids=16872مالك بن مغول عن nindex.php?page=showalam&ids=14414الزبير بن عدي عن طلحة عن مرة ) أما ( مغول ) فبكسر الميم وإسكان الغين المعجمة وفتح الواو ، nindex.php?page=showalam&ids=16258وطلحة هو ابن مصرف ، وهؤلاء الثلاثة أعني الزبير وطلحة ومرة تابعيون كوفيون .
قوله : ( انتهى به إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة ) كذا هو في جميع الأصول ( السادسة ) وقد تقدم في الروايات الأخر من حديث أنس أنها فوق السماء السابعة . قال القاضي : كونها في السابعة هو الأصح . وقول الأكثرين وهو الذي يقتضيه المعنى ، وتسميتها بالمنتهى .
قلت : ويمكن أن يجمع بينهما فيكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة فقد علم أنها في نهاية من العظم . وقد قال الخليل - رحمه الله - : هي سدرة في السماء السابعة قد أظلت السموات والجنة . وقد تقدم ما حكيناه عن القاضي عياض - رحمه الله - في قوله : إن مقتضى خروج النهرين الظاهرين النيل والفرات من أصل سدرة المنتهى أن يكون أصلها في الأرض فإن سلم له هذا أمكن حمله على ما ذكرناه . والله أعلم .
قوله : ( وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات ) هو بضم الميم وإسكان القاف وكسر [ ص: 382 ] الحاء ، ومعناه : الذنوب العظام الكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار وتقحمهم إياها ، والتقحم : الوقوع في المهالك .
ومعنى الكلام : nindex.php?page=treesubj&link=28656من مات من هذه الأمة غير مشرك بالله غفر له المقحمات والمراد ، والله أعلم ، بغفرانها أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين ، وليس المراد أنه لا يعذب أصلا فقد تقررت نصوص الشرع وإجماع أهل السنة على nindex.php?page=treesubj&link=28652إثبات عذاب بعض العصاة من الموحدين . ويحتمل أن يكون المراد بهذا خصوصا من الأمة أي : يغفر لبعض الأمة المقحمات ، وهذا يظهر على مذهب من يقول : إن لفظة ( من ) لا تقتضي العموم مطلقا ، وعلى مذهب من يقول : لا تقتضيه في الإخبار وإن اقتضته في الأمر والنهي ، ويمكن تصحيحه على المذهب المختار وهو كونها للعموم مطلقا لأنه قد قام دليل على إرادة الخصوص وهو ما ذكرناه من النصوص والإجماع . والله أعلم .
قال القاضي عياض - رحمه الله - : اختلف السلف والخلف هل رأى نبينا - صلى الله عليه وسلم - ربه ليلة الإسراء ؟ فأنكرته عائشة رضي الله عنها كما وقع هنا في صحيح مسلم ، وجاء مثله عن nindex.php?page=showalam&ids=3أبي هريرة وجماعة وهو المشهور عن ابن مسعود ، وإليه ذهب جماعة من المحدثين والمتكلمين ، وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه رآه بعينه ، ومثله عن أبي ذر وكعب - رضي الله عنهما - والحسن - رحمه الله - وكان يحلف على ذلك ، وحكي مثله عن ابن مسعود nindex.php?page=showalam&ids=3وأبي هريرة nindex.php?page=showalam&ids=12251وأحمد بن حنبل ، وحكى أصحاب المقالات عن nindex.php?page=showalam&ids=13711أبي الحسن الأشعري ، وجماعة من أصحابه أنه رآه ، ووقف بعض مشايخنا في هذا ، وقال : ليس عليه [ ص: 383 ] دليل واضح ولكنه جائز ، nindex.php?page=treesubj&link=28725ورؤية الله تعالى في الدنيا جائزة وسؤال موسى إياها دليل على جوازها إذ لا يجهل نبي ما يجوز أو يمتنع على ربه ، وقد اختلفوا في رؤية موسى - صلى الله عليه وسلم - ربه ، وفي مقتضى الآية ورؤية الجبل ، ففي جواب القاضي أبي بكر ما يقتضي أنهما رأياه وكذلك اختلفوا في أن نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - هل كلم ربه سبحانه وتعالى ليلة الإسراء بغير واسطة أم لا ؟ فحكي عن الأشعري وقوم من المتكلمين أنه كلمه ، وعزا بعضهم هذا إلى nindex.php?page=showalam&ids=15639جعفر بن محمد nindex.php?page=showalam&ids=10وابن مسعود nindex.php?page=showalam&ids=11وابن عباس - رضي الله عنهما - ، وكذلك اختلفوا في قوله تعالى nindex.php?page=tafseer&surano=53&ayano=8ثم دنا فتدلى فالأكثرون على أن هذا الدنو والتدلي منقسم ما بين جبريل والنبي - صلى الله عليه وسلم - أو مختص بأحدهما من الآخر ومن السدرة المنتهى . وذكر عن ابن عباس والحسن nindex.php?page=showalam&ids=14980ومحمد بن كعب وجعفر بن محمد وغيرهم أنه دنو من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ربه سبحانه وتعالى أو من الله تعالى ، وعلى هذا القول يكون الدنو والتدلي متأولا ليس على وجهه بل كما قال nindex.php?page=showalam&ids=15639جعفر بن محمد : الدنو من الله تعالى لا حد له ومن العباد بالحدود ، فيكون معنى دنو النبي - صلى الله عليه وسلم - من ربه سبحانه وتعالى وقربه منه ظهور عظيم منزلته لديه ، وإشراق أنوار معرفته عليه ، وإطلاعه من غيبه وأسرار ملكوته على ما لم يطلع سواه عليه .
والدنو من الله سبحانه له إظهار ذلك له وعظيم بره وفضله العظيم لديه ، ويكون قوله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=53&ayano=9قاب قوسين أو أدنى على هذا عبارة عن لطف المحل وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من نبينا - صلى الله عليه وسلم - ومن الله إجابة الرغبة وإبانة المنزلة ويتأول في ذلك ما يتأول في قوله - صلى الله عليه وسلم - عن ربه عز وجل : " nindex.php?page=hadith&LINKID=754476من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا . . . الحديث " هذا كلام القاضي .
وأما صاحب التحرير فإنه اختار إثبات الرؤية . قال : والحجج في هذه المسألة وإن كانت كثيرة لكنا لا نتمسك إلا بالأقوى منها وهو حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - ( nindex.php?page=hadith&LINKID=3504390أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ) وعن عكرمة سأل ابن عباس - رضي الله عنهما - هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه ؟ قال : نعم . وقد روي بإسناد لا بأس به عن شعبة عن قتادة عن أنس - رضي الله عنه - قال : رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه . وكان الحسن يحلف لقد رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه . والأصل في الباب حديث ابن عباس حبر الأمة والمرجوع إليه في المعضلات ، وقد راجعه ابن عمر - رضي الله عنهم - في هذه المسألة وراسله هل رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - ربه ؟ فأخبره أنه رآه . ولا يقدح في هذا حديث عائشة رضي الله عنها لأن عائشة لم تخبر أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : لم أر ربي ، وإنما ذكرت متأولة لقول الله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=51وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ولقول الله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=103لا تدركه الأبصار والصحابي إذا قال قولا وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجة .
وإذا صحت الروايات عن ابن عباس في إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها فإنها ليست مما يدرك بالعقل ، ويؤخذ بالظن ، وإنما يتلقى بالسماع ولا يستجيز أحد أن يظن nindex.php?page=showalam&ids=11بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد . وقد قال nindex.php?page=showalam&ids=17124معمر بن راشد حين ذكر اختلاف [ ص: 384 ] عائشة nindex.php?page=showalam&ids=11وابن عباس : ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس ، ثم إن ابن عباس أثبت شيئا نفاه والمثبت مقدم على النافي ، هذا كلام صاحب التحرير ، فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه بعيني رأسه ليلة الإسراء لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم . وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه .
ثم إن عائشة رضي الله عنها لم تنف الرؤية بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو كان معها فيه حديث لذكرته ، وإنما اعتمدت الاستنباط من الآيات وسنوضح الجواب عنها .
فأما احتجاج عائشة بقول الله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=6&ayano=103لا تدركه الأبصار فجوابه ظاهر ، فإن الإدراك هو الإحاطة والله تعالى لا يحاط به ، وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة ، وأجيب عن الآية بأجوبة أخرى لا حاجة إليها مع ما ذكرناه ; فإنه في نهاية من الحسن مع اختصاره .
الثالث ما قاله بعض العلماء أن المراد بالوحي الكلام من غير واسطة ، وهذا الذي قاله هذا القائل وإن كان محتملا ولكن الجمهور على أن المراد بالوحي هنا الإلهام والرؤية في المنام وكلاهما يسمى وحيا .
وأما قوله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=42&ayano=51أو من وراء حجاب فقال الواحدي وغيره : معناه غير مجاهر لهم بالكلام بل يسمعون كلامه - سبحانه وتعالى - من حيث لا يرونه ، وليس المراد أن هناك حجابا يفصل موضعا من موضع ويدل على تحديد المحجوب فهو بمنزلة ما يسمع من وراء الحجاب حيث لم ير المتكلم . والله أعلم .
قوله : ( وحدثني أبو الربيع الزهراني ) هو بفتح الزاي وإسكان الهاء واسمه سليمان بن داود .
قول مسلم - رحمه الله - : ( حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا nindex.php?page=showalam&ids=15730حفص بن غياث عن الشيباني عن زر عن عبد الله ) هذا الإسناد كله كوفيون . و ( غياث ) بالغين المعجمة . و ( الشيباني ) هو أبو إسحاق واسمه سليمان بن فيروز ، وقيل : ابن خاقان ، وقيل : ابن عمرو وهو تابعي . وأما ( زر ) فبكسر الزاي ، وحبيش بضم الحاء وفتح الموحدة وآخره الشين المعجمة وهو من المعمرين زاد على مائة وعشرين سنة وهو من كبار التابعين .
قوله : ( عن nindex.php?page=showalam&ids=10عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في قوله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=53&ayano=11ما كذب الفؤاد ما رأى قال : رأى جبريل له ستمائة جناح ) هذا الذي قاله عبد الله - رضي الله عنه - هو مذهبه في الآية ، وذهب الجمهور من المفسرين إلى أن المراد أنه رأى ربه سبحانه وتعالى ، ثم اختلف هؤلاء فذهب جماعة إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى ربه بفؤاده دون عينيه ، وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينيه . قال الإمام nindex.php?page=showalam&ids=15466أبو الحسن الواحدي : قال المفسرون : هذا إخبار عن nindex.php?page=treesubj&link=28725رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - ربه عز وجل ليلة المعراج ، قال ابن عباس وأبو ذر nindex.php?page=showalam&ids=12402وإبراهيم التيمي : رآه بقلبه . قال : وعلى هذا رأى بقلبه ربه رؤية صحيحة وهو أن الله [ ص: 385 ] تعالى جعل بصره في فؤاده أو خلق لفؤاده بصرا حتى رأى ربه رؤية صحيحة كما يرى بالعين . قال : وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس وعكرمة والحسن والربيع . قال المبرد : ومعنى الآية أن الفؤاد رأى شيئا فصدق فيه و ( ما رأى ) في موضع نصب أي : ما كذب الفؤاد مرئيه ، وقرأ ابن عامر ( ما كذب ) بالتشديد . قال المبرد : معناه أنه رأى شيئا فقبله ، وهذا الذي قاله المبرد على أن الرؤية للفؤاد فإن جعلتها للبصر فظاهر أي : ما كذب الفؤاد ما رآه البصر . هذا آخر كلام الواحدي .
قوله : ( عن nindex.php?page=showalam&ids=10عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - في قول الله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=53&ayano=18لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال : رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح ) هذا الذي قاله عبد الله - رضي الله عنه - هو قول كثيرين من السلف ، وهو مروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - وابن زيد nindex.php?page=showalam&ids=14980ومحمد بن كعب nindex.php?page=showalam&ids=17132ومقاتل بن حيان . وقال الضحاك : المراد أنه رأى سدرة المنتهى ، وقيل : رأى رفرفا أخضر ، وفي الكبرى قولان للسلف منهم من يقول : نعت للآيات ، ويجوز نعت الجماعة بنعت الواحدة كقوله تعالى : nindex.php?page=tafseer&surano=20&ayano=18مآرب أخرى وقيل : هو صفة لمحذوف تقديره : رأى من آيات ربه الآية الكبرى .