الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                      جزء صفحة
                                                                                      الدَّاوُدِيُّ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ ، الْوَرِعُ ، الْقُدْوَةُ ، جَمَالُ الْإِسْلَامِ ، مُسْنِدُ الْوَقْتِ أَبُو الْحَسَنِ ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُعَاذٍ الدَّاوُدِيُّ ، الْبُوشَنْجِيُّ . مَوْلِدُهُ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . وَسَمِعَ " الصَّحِيحَ " وَ " مُسْنَدَ " عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَتَفْسِيرَهُ ، وَ " مُسْنَدَ " أَبِي مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيِّ مِنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَمُّوَيْهِ السَّرَخْسِيِّ بِبُوشَنْجَ ، وَتَفَرَّدَ فِي الدُّنْيَا بِعُلُوِّ ذَلِكَ ، وَسَمِعَ بِهَرَاةَ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي شُرَيْحٍ ، وَبِنَيْسَابُورَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ ، وَابْنِ يُوسُفَ ، وَابْنِ مَحْمِشٍ ، وَبِبَغْدَادَ مِنِ ابْنِ الصَّلْتِ الْمُجْبِرِ ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ الْفَارِسِيِّ ، وَعَلِيِّ بْنِ عُمَرَ التَّمَّارِ . وَكَانَ مَجِيئُهُ إِلَى بَغْدَادَ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، فَأَقَامَ بِهَا أَعْوَامًا ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي حَامِدٍ ، وَعَلَى أَبِي الطَّيِّبِ الصُّعْلُوكِيِّ ، وَأَبِي بَكْرٍ الْقَفَّالِ ، وَابْنِ مَحْمِشٍ . وَقِيلَ : إِنَّهُ كَانَ يَتَقَوَّتُ بِمَا يُحْمَلُ إِلَيْهِ مِنْ مِلْكٍ لَهُ بِبُوشَنْجَ ، وَيُبَالِغُ فِي الْوَرَعِ ، وَمَحَاسِنُهُ جَمَّةٌ . قَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ : كَانَ وَجْهَ مَشَايِخِ خُرَاسَانَ فَضْلًا عَنْ نَاحِيَتِهِ ، وَالْمَعْرُوفَ فِي أَصْلِهِ وَفَضْلِهِ وَطَرِيقَتِهِ ، لَهُ قَدَمٌ فِي التَّقْوَى رَاسِخٌ ، يَسْتَحِقُّ أَنْ يُطْوَى لِلتَّبَرُّكِ بِهِ فَرَاسِخُ ، فَضْلُهُ فِي الْفُنُونِ مَشْهُورٌ ، وَذِكْرُهُ فِي الْكُتُبِ مَسْطُورٌ ، وَأَيَّامُهُ غُرَرٌ ، وَكَلَامُهُ دُرَرٌ . قَرَأَ الْأَدَبَ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الْفَنْجُكِرْدِيِّ . وَالْفِقْهَ عَلَى عِدَّةٍ ، كَانَ مَا يَأْكُلُهُ يُحْمَلُ مِنْ بُوشَنْجَ إِلَى بَغْدَادَ احْتِيَاطًا ، صَحِبَ أَبَا عَلِيٍّ الدَّقَّاقَ ، وَأَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ بِنَيْسَابُورَ ، وَصَحِبَ فَاخِرًا السِّجْزِيَّ بِبُسْتَ فِي رِحْلَتِهِ إِلَى غَزْنَةَ وَلَقِيَ يَحْيَى بْنَ عَمَّارٍ الْوَاعِظَ . إِلَى أَنْ قَالَ : وَأَخَذَ فِي مَجْلِسِ التَّذْكِيرِ وَالْفَتْوَى ، وَالتَّدْرِيسِ وَالتَّصْنِيفِ ، وَكَانَ ذَا حَظٍّ مِنَ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ . حَدَّثَنَا عَنْهُ مُسَافِرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَخُوهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو الْمَحَاسِنِ أَسْعَدُ بْنُ زِيَادٍ الْمَالِينِيُّ ، وَأَبُو الْوَقْتِ عَبَدُ الْأَوَّلِ السِّجْزِيُّ ، وَعَائِشَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْبُوشَنْجِيَّةُ . وَسَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ فَارُوَا الْأَنْدَلُسِيَّ ، سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيَّ يَقُولُ : كَانَ أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ : سَمِعْتُ " الصَّحِيحَ " مِنْ أَبِي سَهْلٍ الْحَفْصِيِّ ، وَأَجَازَهُ لِي الدَّاوُدِيُّ ، وَإِجَازَةُ الدَّاوُدِيِّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ السَّمَاعِ مِنَ الْحَفْصِيِّ . وَسَمِعَتْ أَسْعَدَ بْنَ زِيَادٍ يَقُولُ : كَانَ شَيْخُنَا الدَّاوُدِيُّ بَقِيَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَا يَأْكُلُ لَحْمًا ، وَقْتَ تَشْوِيشِ التُّرْكُمَانِ وَاخْتِلَاطِ النَّهْبِ ، فَأَضَّرَ بِهِ ، فَكَانَ يَأْكُلُ السَّمَكَ ، وَيُصْطَادُ لَهُ مِنْ نَهْرٍ كَبِيرٍ ، فَحُكِيَ لَهُ أَنَّ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ أَكَلَ عَلَى حَافَّةِ ذَلِكَ النَّهْرِ وَنُفِضَتْ سُفْرَتُهُ وَمَا فَضَلَ فِي النَّهْرِ ، فَمَا أَكَلَ السَّمَكَ بَعْدُ . وَسَمِعْتُ مَحْمُودَ بْنَ زِيَادٍ الْحَنَفِيَّ ، سَمِعْتُ الْمُخْتَارَ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبُوشَنْجِيَّ يَقُولُ : صَلَّى أَبُو الْحَسَنِ الدَّاوُدِيُّ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَيَدُهُ خَارِجَةٌ مِنْ كُمِّهِ اسْتِعْمَالًا لِلسُّنَّةِ ، وَاحْتِيَاطًا لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي وَضْعِ الْيَدَيْنِ وَهُمَا مَكْشُوفَتَانِ حَالَةَ السُّجُودِ . قَالَ السِّلَفِيُّ : سَأَلْتُ الْمُؤْتَمَنَ عَنِ الدَّاوُدِيِّ ، فَقَالَ : كَانَ مِنْ سَادَاتِ رِجَالِ خُرَاسَانَ ، تَرَكَ أَكْلَ الْحَيَوَانَاتِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا مُنْذُ دَخَلَ التُّرْكُمَانُ دِيَارَهُمْ . تَفَقَّهَ بِسَهْلٍ الصُّعْلُوكِيِّ ، وَبِأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ . قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ : كَانَ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ فِي الْمَذْهَبِ ، ثِقَةً ، عَابِدًا ، مُحَقِّقًا ، دَرَّسَ وَأَفْتَى ، وَصَنَّفَ وَوَعَظَ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ ; أَخُو نِظَامِ الْمُلْكِ : كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الدَّاوُدِيُّ لَا تَسْكُنُ شَفَتُهُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ، فَحُكِيَ أَنَّ مُزَيِّنًا أَرَادَ قَصَّ شَارِبِهِ ، فَقَالَ : سَكِّنْ شَفَتَيْكَ . قَالَ : قُلْ لِلزَّمَانِ حَتَّى يَسْكُنَ . وَدَخَلَ أَخِي نِظَامُ الْمُلْكِ عَلَيْهِ ، فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَتَوَاضَعَ لَهُ ، فَقَالَ لِأَخِي : أَيُّهَا الرَّجُلُ ! إِنَّكَ سَلَّطَكَ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ ، فَانْظُرْ كَيْفَ تُجِيبُهُ إِذَا سَأَلَكَ عَنْهُمْ . وَمِنْ شِعْرِهِ : رَبِّ تَقَبَّلْ عَمَلِي وَلَا تُخَيِّبْ أَمَلِي أَصْلِحْ أُمُورِي كُلَّهَا قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَلَهُ : يَا شَارِبَ الْخَمْرِ اغْتَنِمْ تَوْبَةً قَبْلَ الْتِفَافِ السَّاقِ بِالسَّاقِ الْمَوْتُ سُلْطَانٌ لَهُ سَطْوةٌ يَأْتِي عَلَى الْمَسْقِيِّ وَالسَّاقِي قَالَ عَبْدُ الْغَافِرِ فِي " تَارِيخِهِ " : وُلِدَ الدَّاوُدِيُّ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . وَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُتُبِيُّ : تُوُفِّيَ بِبُوشَنْجَ فِي شَوَّالٍ ، سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . وَبُوشَنْجُ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ - وَقِيلَ : أَوَّلُهُ فَاءٌ - : بَلْدَةٌ عَلَى سَبْعَةِ فَرَاسِخَ مِنْ هَرَاةَ . وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ . أَنْشَدَنَا ابْنِ الْيُونِينِيِّ ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ ، أَخْبَرَنَا السِّلَفِيُّ ، أَنْشَدَنَا أَبُو السَّمْحِ الْحَافِظُ بِتُسْتَرَ ، أَنْشَدَنَا الدَّاوُدِيُّ بِبُوشَنْجَ لِنَفْسِهِ : كَانَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ فِيمَا مَضَى يُورِثُ الْبَهْجَةَ وَالسَّلْوَهْ فَانْقَلَبَ الْأَمْرُ إِلَى ضِدِّهِ فَصَارَتِ السَّلْوَةُ فِي الْخَلْوَهْ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ الْإِبْرَاهِيمِيُّ : أَنْشَدَنَا الدَّاوُدِيُّ لِنَفْسِهِ : كَانَ فِي الِاجْتِمَاعِ مِنْ قَبْلُ نُورٌ فَمَضَى النُّورُ وَادْلَهَمَّ الظَّلَامُ فَسَدَ النَّاسُ وَالزَّمَانُ جَمِيعًا فَعَلَى النَّاسِ وَالزَّمَانِ السَّلَامُ

                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                      الخدمات العلمية