الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 3964 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ ، يُقَالُ لَهُ : ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ " فَقَالَ : عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ ! خَيْرٌ ; إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ كُنْتُ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ . فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى كَانَ الْغَدُ ، فَقَالَ لَهُ : " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ " فَقَالَ : عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ : إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ . فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ ، فَقَالَ لَهُ : " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ " فَقَالَ : عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ : إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَطْلَقُوا ثُمَامَةَ " فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَاغْتَسَلَ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، يَا مُحَمَّدُ ! وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ ، وَوَاللَّهِ مَا كَانَ بَلَدٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ . وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدَ الْعُمْرَةَ ، فَمَاذَا تَرَى ؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ ، أَصَبَوْتَ ؟ فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنَّى أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَاخْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ . مرقاة المفاتيح 3964 - ( وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : أَيْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ ( خَيْلًا : هُوَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ ; أَيْ فُرْسَانَ الْخَيْلِ ، وَفِي الْحَدِيثِ : يَا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي ; أَيْ يَا فُرْسَانَ خَيْلِ اللَّهِ ، أَوْ سُمِّيَتِ الْجَمَاعَةُ خَيْلًا ; لِأَنَّهُمْ تَجَرَّدُوا لِمَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِهَا كَمَا سُمِّيَتِ الرَّبِيئَةُ عَيْنًا ( قِبَلَ نَجْدٍ ) ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ; أَيْ : حِذَاءَهُ وَجَانِبَهُ . فِي الْقَامُوسِ : النَّجْدُ وَبِضَمِّ جِيمِهِ مُذَكَّرٌ وَهُوَ مَا خَالَفَ الْغَوْرَ ; أَيْ تِهَامَةَ ، أَعْلَاهُ تِهَامَةُ وَالْيَمَنُ ، وَأَسْفَلُهُ الْعِرَاقُ وَالشَّامُ أَوَّلُهُ مِنْ جِهَةِ الْحِجَازِ ذَاتُ عِرْقٍ ، ( فَجَاءَتْ ) : أَيِ الْخَيْلُ ( بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ ، يُقَالُ ، لَهُ : ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا ( سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ ) : فِي الْقَامُوسِ : هِيَ بِلَادُ الْجَوِّ مَنْسُوبَةٌ إِلَى جَارِيَةٍ زَرْقَاءَ كَانَتْ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَسُمِّيَتْ بِاسْمِهَا ، أَكْثَرُ نَخِيلًا مِنْ سَائِرِ الْحِجَازِ ، وَبِهَا تَنَبَّأَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ ، وَهِيَ دُونَ الْمَدِينَةِ فِي وَسَطِ الشَّرْقِ عَنْ مَكَّةَ عَلَى سِتَّ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً مِنَ الْبَصْرَةِ ، وَعَنِ الْكُوفَةِ نَحْوُهَا وَالنِّسْبَةُ يَمَامِيٌّ . ( فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ ) : أَيْ أُسْطُوَانَةٍ ( مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ) ; أَيِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ ( فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَاذَا عِنْدَكَ ) ؟ أَيْ مِنَ الظَّنِّ فِي أَنْ أَفْعَلَ بِكَ ( يَا ثُمَامَةُ ) ؟ قَالَ الطِّيبِيُّ : فِيهِ وَجْهَانِ أَنْ تَكُونَ مَا اسْتِفْهَامِيَّةً ، وَذَا مَوْصُولًا وَعِنْدَكَ صِلَتَهُ ; أَيْ : مَا الَّذِي اسْتَقَرَّ عِنْدَكَ مِنَ الظَّنِّ فِيمَا أَفْعَلُ بِكَ ( قَالَ : عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ ! خَيْرٌ ) ; لِأَنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ تَظْلِمُ بَلْ مِمَّنْ تُحْسِنُ وَتُنْعِمُ ، وَأَنْ يَكُونَ مَاذَا بِمَعْنَى " أَيُّ شَيْءٍ " مُبْتَدَأً وَعِنْدَكَ خَبَرَهُ ، وَقَوْلُهُ : ( إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ) ، تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ : خَيْرٌ ; لِأَنَّ فِعْلَ الشَّرْطِ إِذَا كُرِّرَ فِي الْجَزَاءِ دَلَّ عَلَى فَخَامَةِ الْأَمْرِ . قَالَ النَّوَوِيُّ ، قَوْلُهُ ذَا دَمٍ فِيهِ وُجُوهٌ : أَحَدُهَا : مَعْنَاهُ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ صَاحِبَ الدَّمِ ، لِدَمِهِ مَوْقِعٌ يَشْتَفِي بِقَتْلِهِ قَاتِلُهُ ، وَيُدْرِكُ قَاتِلَهُ بِثَأْرِهِ ; أَيْ لِرِيَاسَتِهِ وَفَضْلِهِ ، وَحُذِفَ هَذَا ; لِأَنَّهُمْ يَفْهَمُونَهُ فِي عُرْفِهِمْ ، وَثَانِيهَا : إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ مَنْ عَلَيْهِ دَمٌ مَطْلُوبٌ بِهِ ، وَهُوَ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا عَتْبَ عَلَيْكَ ، وَثَالِثُهَا ذَا ذَمٍّ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ ; أَيْ : ذَا ذِمَامٍ وَحُرْمَةٍ فِي قَوْمِهِ ، وَرَوَاهَا بَعْضُهُمْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ كَذَلِكَ : قَالَ الْقَاضِي : وَهِيَ ضَعِيفَةٌ ; لِأَنَّهَا تَقْلِبُ الْمَعْنَى ، فَإِنَّ احْتِرَامَهُ يَمْنَعُ الْقَتْلَ . قَالَ الشَّيْخُ : وَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ; أَيْ تَقْتُلْ رَجُلًا جَلِيلًا يَحْتَفِلُ قَاتِلُهُ بِقَتْلِهِ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَتَلَ حَقِيرًا مَهِينًا ، فَإِنَّهُ لَا فَضِيلَةَ وَلَا يُدْرِكُ بِهِ قَاتِلُهُ ثَأْرَهُ . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَاخْتَارَ الشَّيْخُ التُّورِبِشْتِيُّ ، الْوَجْهَ الثَّانِيَ ، حَيْثُ قَالَ : الْمَعْنَى إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِمَا أَصَابَهُ مِنْ دَمٍ ، وَرَآهُ أَوْجَهَ لِلْمُشَاكَلَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ : وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، ( وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ ) : بِالْهَمْزِ وَالنَّقْلِ ( تُعْطَ ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ ( مِنْهُ ) : أَيْ مِنَ الْمَالِ وَهُوَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ : ( مَا شِئْتَ . فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : أَيْ عَلَى حَالِهِ ( حَتَّى كَانَ ) : أَوْ وَقَعَ ( الْغَدُ ) ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ ; أَيْ كَانَ الزَّمَانُ الْغَدَ ( فَقَالَ لَهُ : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ : إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ . فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : اسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إِلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ حُكْمًا ; أَيْ : حَتَّى كَانَ مَا هُوَ عَلَيْهِ ثُمَامَةُ بَعْدَ الْغَدِ ( قَالَ لَهُ : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ : عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ : إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ ) : قَالَ الْأَشْرَفُ : فِي تَقْدِيمِ قَوْلِهِ : إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ عَلَى قِسْمَيْهِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ، وَتَوْسِيطِهِ بَيْنَهُمَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مَا يُرْشِدُ إِلَى حَذَاقَتِهِ وَحَدْسِهِ ، فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى غَضَبَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ قَدَّمَ فِيهِ الْقَتْلَ تَسْلِيَةً ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ رَجَا أَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ قَوْلَهُ : إِنْ تُنْعِمْ : قَالَ الطِّيبِيُّ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ لَمَّا نَفَى الظُّلْمَ عَنْ سَاحَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَظَرَ إِلَى اسْتِحْقَاقِهِ الْقَتْلَ قَدَّمَهُ ، وَحِينَ نَظَرَ إِلَى لُطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَّرَ الْقَتْلَ ، وَهَذَا أَدْعَى لِلِاسْتِعْطَافِ وَالْعَفْوِ كَمَا قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أَقُولُ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : الْمُنَاسِبُ لِلْمُجْرِمِ أَنْ يَعْتَرِفَ بِذَنْبِهِ ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ أَوَّلًا ، فَلِذَا قَدَّمَ الْقَتْلَ ، ثُمَّ يَطْلُبُ الْعَفْوَ وَلَا يَنْسَى الذَّنْبَ ، وَلِذَا أَخَّرَهُ فِيمَا بَعْدَهُ ، وَحَاصِلُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ أَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ كَانَ الْخَوْفُ غَالِبًا عَلَيْهِ ، وَفِي الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ كَانَ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الرَّجَاءُ ، وَالْإِنَاءُ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ ، وَهَذَا يُظْهِرُ وَجْهَ التَّنْظِيرِ بِقَوْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَإِنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ غَلَبَةِ الْخَوْفِ أَوَّلًا . أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا حَتَّى تَقُولَ الْأَنْبِيَاءُ : نَفْسِي نَفْسِي ، ثُمَّ لَهُمْ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَطْلِقُوا ) : أَيْ حُلُّوا ( ثُمَامَةَ ) : وَخَلُّوا سَبِيلَهُ ( فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ ) : بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجِيمِ ; أَيْ مَاءٍ قَلِيلِ النَّبْعِ ( قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ) . قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ : نَخْلٍ هَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَتَقْدِيرُهُ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ فِيهِ مَاءٌ فَاغْتَسَلَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : صَوَابُهُ نَجْلٍ بِالْجِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ الْمُنْبَعِثُ ، وَقِيلَ الْجَارِي . قُلْتُ : بَلِ الصَّوَابُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ صَحَّتْ بِهِ وَلَمْ تُرْوَ إِلَّا هَكَذَا . وَهُوَ صَحِيحٌ فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ ، ( ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ ! مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ ) : بِالنَّصْبِ ; أَيْ أَكْثَرَ مَبْغُوضًا ( مِنْ وَجْهِكَ ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ ) . قَالَ الطِّيبِيُّ : وَجْهٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ وَجْهٍ وَهُوَ اسْمُ كَانَ ، عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ خَبَرُهُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : أَحَبَّ الْوُجُوهِ خَبَرُ أَصْبَحَ قَطْعًا ، وَقَدْ قُوبِلَ بِهِ ، وَلِأَنَّ أَبْغَضَ فِي الْقَرِينَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَقَعَ خَبَرًا لِكَانَ ، وَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ الْوَجْهِ بِالْأَبْغَضِيَّةِ لَا أَنَّ وَجْهَهُ أَبْغَضُ كَائِنًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، فَإِذَا قُلْنَا : بِجَوَازِ وُقُوعِ الْحَالِ مِنِ اسْمِ كَانَ ، فَقَوْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَانَ صِفَةً لِقَوْلِهِ وَجْهٌ ، فَقُدِّمَ فَصَارَ حَالًا ، وَإِذَا مَنَعْنَاهُ قُلْنَا إِنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ لِيُؤْذِنَ فِي بَدْءِ الْحَالِ بِاهْتِمَامٍ فَصَارَ الْعُمُومُ وَالشُّمُولُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ ( وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ ، وَوَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ ) . يَعْنِي الْمَدِينَةَ ( فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهِ إِلَيَّ ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدَ الْعُمْرَةَ ) ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ ( فَمَاذَا تَرَى ) ؟ أَيْ مِنَ الرَّأْيِ فِي حَقِّي ( فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ; أَيْ بِمَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ بِالْإِسْلَامِ ، وَأَنَّهُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْآثَامِ ( وَأَمْرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ ، أَصَبَوْتَ ؟ ) : مِنَ الصَّبْوَةِ وَالصَّبْوُ الْمَيْلُ إِلَى الْجَهْلِ . كَذَا فِي تَاجِ الْمَصَادِرِ لِلْبَيْهَقِيِّ ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ : أَصَبَأْتَ وَهُوَ مَهْمُوزٌ فَفِي النِّهَايَةِ : صَبَأَ فُلَانٌ إِذَا خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى دِينِ غَيْرِهِ ، وَكَذَا فِي الْفَائِقِ . وَفِي الْمَشَارِقِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ . قَوْلُهُ : أَصَبَوْتَ هَكَذَا الرِّوَايَةُ ; أَيْ أَصَبَأْتَ ، وَقُرَيْشٌ كَانَتْ لَا تَهْمِزُ وَتُسَهِّلُ الْهَمْزَةَ ; أَيْ أَخْرَجْتَ عَنْ دِينِكَ ؟ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : أَصَبَوْتَ هَكَذَا فِي الْأُصُولِ أَصَبَوْتَ ، وَهِيَ لُغَةٌ وَالْمَشْهُورُ أَصَبَأْتَ بِالْهَمْزِ اهـ . وَفِيهِ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْأُصُولِ لَا وَجْهَ مَعَ ثُبُوتِهَا إِلَى الْعُدُولِ ، ثُمَّ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ " وَهِيَ لُغَةٌ " أَنَّهُ لُغَةٌ فِي صَبَأْتَ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ مَادَّةً وَمَعْنًى ، وَالْعَجَبُ مِنَ الطِّيبِي أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى صَبَأْتَ بِالْهَمْزِ ( فَقَالَ : لَا ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) ، فَإِنْ قُلْتَ : كَيْفَ قَالَ : لَا ، وَهُوَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ ؟ قُلْتُ : هُوَ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْحَكِيمِ كَأَنَّهُ قَالَ : مَا خَرَجْتُ مِنَ الدِّينِ ; لِأَنَّكُمْ لَسْتُمْ عَلَى دِينٍ فَأَخْرُجَ مِنْهُ ، بَلِ اسْتَحْدَثْتُ دِينَ اللَّهِ ، وَأَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . فَإِنْ قُلْتَ : مَعَ يَقْتَضِي إِحْدَاثَ الْمُصَاحَبَةِ ; لِأَنَّ مَعْنَى الْمَعِيَّةِ الْمُصَاحَبَةُ وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ ، وَقَدْ قِيلَ : الْفِعْلُ بِهَا فَيَجِبُ الِاشْتِرَاكُ فِيهِ ، كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْكَشَّافِ فِي الصَّافَّاتِ . قُلْتُ : لَا يَبْعُدُ ذَلِكَ ، فَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَافَقَهُ ، فَيَكُونُ مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ اسْتِدَامَةً وَمِنْهُ اسْتِحْدَاثًا : أَقُولُ : هَذَا لَا يَبْعُدُ عَقْلًا ، لَكِنْ يُسْتَبْعَدُ نَقْلًا ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَنُقِلَ فِيهِ ، أَوْ فِي غَيْرِهِ إِلَيْنَا ، وَفِي الْمَعِيَّةِ يُكْتَفَى بِالْمُشَارَكَةِ الْفِعْلِيَّةِ ، كَمَا فِي قَوْلِ بِلْقِيسَ : وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، ثُمَّ جَوَابُ سُؤَالِهِ الْأَوَّلِ مَبْنِيٌّ عَلَى نُسْخَةِ " صَبَأْتَ " لَا عَلَى " صَبَوْتَ " كَمَا لَا يَخْفَى ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ مِنْ صَبَأْتَ ; أَيْ مِنْ دِينِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ ، فَجَوَابُهُ بِلَا مُطَابِقٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَحَقِيقَةِ الْحَقِّ . ( وَلَا ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : لَا يَقْتَضِي مَنْفِيًّا وَالْوَاوُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ ; أَيْ لَا أُوَافِقُكُمْ فِي دِينِكُمْ . وَلَا أَرْفُقُ بِكُمْ فِي هَذِهِ السِّنِينَ الْمُجْدِبَةِ ، ثُمَّ أَقْسَمَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : ( وَاللَّهِ لَا تَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَاخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ ) . فِي الْهِدَايَةِ : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَاعَ السِّلَاحُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا حَضَرُوا مُسْتَأْمَنِينَ ، وَلَا يُجَهَّزَ إِلَيْهِمْ مَعَ التُّجَّارِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَحَمَلِهِ إِلَيْهِمْ . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : الْمَعْرُوفُ مَا فِي سِيَرِ الْبَيْهَقِيِّ ، وَمُسْنَدِ الْبَزَّارِ ، وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الصَّوَابُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ . قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ : وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الطَّعَامِ ; أَيِ الْقِيَاسُ فِيهِ أَنْ يُمْنَعَ مِنْ حَمْلِهِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ ; لِأَنَّهُ بِهِ التَّقَوِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، وَالْمَقْصُودُ إِضْعَافُهُمْ إِلَّا أَنَّا عَرَفْنَا نَقْلَ الطَّعَامِ إِلَيْهِمْ بِالنَّصِّ يَعْنِي حَدِيثَ ثُمَامَةَ ، وَحَدِيثَ أُسَامَةَ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَذَكَرَ قِصَّةَ إِسْلَامِ ثُمَامَةَ . وَفِي آخِرِهِ قَوْلُهُ لِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ : صَبَوْتَ . فَقَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا صَبَوْتُ ، وَلَكِنِّي أَسَلَّمْتُ وَصَدَّقْتُ مُحَمَّدًا وَآمَنْتُ بِهِ ، وَايْمُ اللَّهِ الَّذِي نَفْسُ ثُمَامَةَ بِيَدِهِ لَا تَأْتِيكُمْ حَبَّةٌ مِنَ الْيَمَامَةِ ، وَكَانَتْ قَرِيبَ مَكَّةَ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا مُحَمَّدٌ ، فَانْصَرَفَ إِلَى بَلَدِهِ ، وَمَنَعَ الْحَمْلَ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى جَهَدَتْ قُرَيْشٌ ، فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْأَلُونَهُ بِأَرْحَامِهِمْ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى ثُمَامَةَ يَحْمِلُ إِلَيْهِمُ الطَّعَامَ ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي آخِرِ السِّيَرِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ قَالُوا : أَصَبَأْتَ ؟ فَقَالَ : لَا وَاللَّهِ وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُ خَيْرَ الدِّينِ دِينِ مُحَمَّدٍ ، وَاللَّهِ لَا تَصِلُ إِلَيْكُمْ حَبَّةٌ مِنَ الْيَمَامَةِ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى أَنْ قَالَ : فَكَتَبُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَإِنَّكَ قَدْ قَطَعْتَ أَرْحَامَنَا ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَمْلِ . وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْمَنِّ عَلَى الْكَافِرِ وَإِطْلَاقِهِ بِغَيْرِ مَالٍ . قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ : وَلَا يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَى الْأُسَارَى ، وَهُوَ أَنْ يُطْلِقَهُمْ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ بِغَيْرِ شَيْءٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ ، وَبِقَوْلِنَا قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً وَلِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَنَّ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ مِنْهُمُ الْعَاصِ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ عَلَى مَا سَيَأْتِي ، وَأَجَابَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " فَإِنَّهَا تَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ الْمَنِّ وَهِيَ آخَرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ فِي هَذَا الشَّأْنِ ، وَقِصَّةُ بَدْرٍ كَانَتْ سَابِقَةً عَلَيْهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِ جَوَازُ رَبْطِ الْأَسِيرِ وَحَبْسِهِ وَإِدْخَالِ الْكَافِرِ الْمَسْجِدَ ، وَفِيهِ إِذَا أَرَادَ الْكَافِرُ الْإِسْلَامَ يُبَادِرُ بِهِ ، وَلَا يُؤَخِّرْهُ لِلِاغْتِسَالِ ، وَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي تَأْخِيرِهِ ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّ اغْتِسَالَهُ وَاجِبٌ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ فِي الشِّرْكِ ، سَوَاءٌ كَانَ اغْتَسِلْ مِنْهَا أَمْ لَا . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : إِنِ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَنَابَةٌ فَالْغَسْلُ مُسْتَحَبٌّ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَآخَرُونَ : يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ ، وَفِي تَكْرِيرِ سُؤَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تَأْلِيفٌ لِقَلْبِهِ ، وَمُلَاطَفَةٌ لِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الْأُسَارَى الَّذِينَ يَتْبَعُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية