مشكاة المصابيح
466 - وعن نافع ، قال : انطلقت مع ابن عمر في حاجة ، فقضى ابن عمر حاجته ، وكان من حديثه يومئذ أن قال : مر رجل في سكة من السكك ، فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خرج من غائط أو بول ، فسلم عليه فلم يرد عليه ، حتى إذا كاد الرجل أن يتوارى في السكة ، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه على الحائط ، ومسح بهما وجهه ، ثم ضرب ضربة أخرى ، فمسح ذراعيه ، ثم رد على الرجل السلام ، وقال : " إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر ) . رواه أبو داود .
مرقاة المفاتيح
466 - ( وعن نافع ) : أي : مولى ابن عمر ( قال : انطلقت ) : أي : ذهبت ( مع ابن عمر ) أي : عبد الله ( في حاجة ) : حال من المضاف إليه أي : في شأن حاجة له ، والتنكر فيها للشيوع ، ولعل ما بعدها يقيدها بقضاء الحاجة ( فقضى ابن عمر حاجته ) : أي : الإنسانية ، وهي التبرز على ما هو الظاهر من سياق الحديث المتعلق بقضاء حاجته عليه الصلاة والسلام ، ويحتمل أن المراد بها حاجة أخرى ، وأنه ذكر ما يأتي استطرادا ، ( وكان من حديثه ) : أي : من جملة حديث ابن عمر الذي حدثه ( يومئذ أن قال ) أي : ابن عمر ، وأن مع مدخوله في تأويل المصدر أي : كان من جملة قوله في ذلك الوقت قوله : ( مر رجل ) : قيل هو المهاجر بن قنفذ بن عبد المطلب ( في سكة من السكك ) : أي : الطرق ( فلقي ) : أي الرجل ( رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد خرج ) : أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من غائط أو بول ) : أي : فرغ ; لأن الخروج بعد الفراغ أو خرج من محلهما ( فسلم ) : أي : الرجل ( عليه ) : عليه الصلاة والسلام ( فلم يرد ) : أي : النبي ( عليه ) : أي : على الرجل ، وفي نسخة : السلام ( حتى إذا كاد ) : أي ( قارب الرجل أن يتوارى ) : أي : يختفي ويغيب شخصه ( في السكة ، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : جواب إذا ، وحتى هي الداخلة على الجملة الشرطية ( بيديه على الحائط ) : قال الطيبي : ولعله علاه الغبار ، وليصح به التيمم عند الشافعي ، وإلا فهو صحيح عند أبي حنيفة ا هـ . وفي آخر كلامه حزازة لا تخفى ، ( ومسح بهما وجهه ، ثم ضرب ضربة أخرى ، فمسح ذراعيه ، ثم رد على الرجل السلام ) : قال في شرح السنة : فيه أن رد السلام وإن كان واجبا ، فالمسلم على الرجل في هذه الحالة مضيع حظ نفسه ، فلا يستحق الجواب ، وفيه دليل على كراهية الكلام على قضاء الحاجة ، وعلى أن التيمم في الحضر لرد السلام مشروع ا هـ .
وفيه بحثان : أما أولا : فقوله : فلا يستحق الجواب مدفوع بأنه استحق الجواب ، ولهذا أجاب ، والفصل اليسير بين السلام ورده لا يضره ، وأما ثانيا فلأن السلام والكلام كلاهما وقع بعد الفراغ ، ثم رأيت ابن حجر تعقب الشارح بمثل ما ذكرته . ( وقال : " إنه " ) أي : الشأن ( " لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر " ) : قال بعض الشراح : هذا الحديث يدل على استحباب ذكر الله بالوضوء أو التيمم ; لأن السلام من أسماء الله تعالى
[ ص: 443 ] أي : في الأصل ، فإن المراد هنا السلامة . قال ابن الملك : والتوفيق بين هذا وحديث علي أنه صلى الله عليه وسلم كان يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن ; أنه صلى الله عليه وسلم أخذ في ذلك بالرخصة تيسيرا على الأمة ، وفي هذا بالعزيمة ; أي : تعليما لهم بالأفضل . وقال المظهر : فيه دليل على أن من قصر في رد جواب السلام بعذر يستحب أن يعتذر عنه حتى لا ينسب إلى الكبر أو العداوة ، وعلى وجوب رد السلام ; لأن تأخيره للعذر يؤذن بوجوبه .
قلت : وفي الحديث دليل على جواز التيمم ; لخوف فوت ما يفوت لا إلى خلف كصلاة الجنازة والعيد ، ولم أر من استدل به من علمائنا . ( رواه أبو داود ) : من حديث محمد بن ثابت العبدي ، عن نافع ، عن ابن عمر ، وقد أنكر البخاري رفع هذا الحديث على محمد بن ثابت . قال البيهقي : رفعه غير منكر ، وقال الخطابي : حديث ابن عمر لا يصح ; لأن محمد بن ثابت العبدي ضعيف جدا لا يحتج به ، نقله السيد عن التخريج ، فقول ابن حجر : وسنده حسن غير مستحسن إلا أن يقال - مراده حسن لغيره .


