الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الحديث الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ ، وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْإِسْلَامُ : أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا " . قَالَ : صَدَقْتَ ، قَالَ : فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ . قَالَ : " أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " . قَالَ : صَدَقْتَ . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ ، قَالَ : " أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ " . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ ؟ . قَالَ : " مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ " . قَالَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا ؟ . قَالَ : " أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا ، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ " . ثُمَّ انْطَلَقَ ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ، ثُمَّ قَالَ لِي : " يَا عُمَرُ ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ ؟ . قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ " . رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَأَمَّا الْإِيمَانُ ، فَقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِنَةِ ، فَقَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ . وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْإِيمَانَ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ فِي مَوَاضِعَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ( الْبَقَرَةِ : 285 ) . وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ الْآيَةَ ( الْبَقَرَةِ : 277 ) ، وَقَالَ تَعَالَى : الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( الْبَقَرَةِ : 3 - 4 ) . وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، وَالْأَنْبِيَاءِ ، وَالْكِتَابِ وَالْبَعْثِ ، وَالْقَدَرِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَفَاصِيلِ مَا أَخْبَرُوا بِهِ ، مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَصِفَاتِ الْيَوْمِ الْآخِرِ كَالْمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ ، وَالْجَنَّةِ ، وَالنَّارِ . وَقَدْ أَدْخَلَ فِي الْإِيمَانِ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ رَوَى ابْنُ عُمَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مُحْتَجًّا بِهِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْقَدَرَ ، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ : يَعْنِي أَنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ سَابِقُ قَدَرٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَقَدْ غَلَّظَ ابْنُ عُمَرَ عَلَيْهِمْ وَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ أَعْمَالُهُمْ بِدُونِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ . وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ عَلَى دَرَجَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مَا يَعْمَلُهُ الْعِبَادُ مِنْ خَيْرٍ ، وَشَرٍّ ، وَطَاعَةٍ ، وَمَعْصِيَةٍ ، قَبْلَ خَلْقِهِمْ وَإِيجَادِهِمْ ، وَمَنْ هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَمَنْ هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَأَعَدَّ لَهُمُ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ جَزَاءً لِأَعْمَالِهِمْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ وَتَكْوِينِهِمْ ، وَأَنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَأَحْصَاهُ ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تَجْرِي عَلَى مَا سَبَقَ فِي عَمَلِهِ وَكِتَابِهِ . وَالدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَفْعَالَ الْعِبَادِ كُلَّهَا مِنَ الْكُفْرِ ، وَالْإِيمَانِ ، وَالطَّاعَةِ ، وَالْعِصْيَانِ ، وَشَاءَهَا مِنْهُمْ ، فَهَذِهِ الدَّرَجَةُ يُثْبِتُهَا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَيُنْكِرُهَا الْقَدَرِيَّةُ ، وَالدَّرَجَةُ الْأُولَى أَثْبَتَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ ، وَنَفَاهَا غُلَاتُهُمْ ، كَمَعْبَدٍ الْجَهْنَيِّ ، الَّذِي سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ ، عَنْ مَقَالَتِهِ ، وَكَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِ . وَقَدْ قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ : نَاظِرُوا الْقَدَرِيَّةَ بِالْعِلْمِ ، فَإِنْ أَقَرُّوا بِهِ خُصِمُوا ، وَإِنْ جَحَدُوهُ فَقَدْ كَفَرُوا ، يُرِيدُونَ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ الْعِلْمَ الْقَدِيمَ السَّابِقَ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَّمَهُمْ قَبْلَ خَلْقِهِمْ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ ، وَكَتَبَ ذَلِكَ عِنْدَهُ فِي كِتَابٍ حَفِيظٍ ، فَقَدْ كَذَّبَ بِالْقُرْآنِ ، فَيَكْفُرُ بِذَلِكَ ، وَإِنْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ ، وَأَنْكَرُوا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَفْعَالَ عِبَادِهِ ، وَشَاءَهَا ، وَأَرَادَهَا مِنْهُمْ إِرَادَةً كَوْنِيَّةً قَدَرِيَّةً ، فَقَدْ خُصِمُوا ، لِأَنَّ مَا أَقَرُّوا بِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَنْكَرُوهُ . وَفِي تَكْفِيرِ هَؤُلَاءِ نِزَاعٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ . وَأَمَّا مَنْ أَنْكَرَ الْعِلْمَ الْقَدِيمَ ، فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ عَلَى تَكْفِيرِهِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ فَرَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ ، وَجَعَلَ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا مِنَ الْإِسْلَامِ ، لَا مِنَ الْإِيمَانِ ، وَالْمَشْهُورُ عَنِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِيمَانَ : قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ . وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكَهُمْ . وَأَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الْأَعْمَالَ مِنَ الْإِيمَانِ إِنْكَارًا شَدِيدًا . وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ ، وَجَعَلَهُ قَوْلًا مُحْدَثًا : سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَقَتَادَةُ ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، وَغَيْرُهُمْ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : هُوَ رَأْيٌ مُحْدَثٌ ، أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى غَيْرِهِ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : كَانَ مَنْ مَضَى مِمَّنْ سَلَفَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ . وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَهْلِ الْأَمْصَارِ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ فَرَائِضُ وَشَرَائِعُ [ وَحُدُودٌ ] وَسُنَنٌ ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا ، اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ . وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا ، لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ ، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " . قِيلَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى دُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ( الْأَنْفَالِ : 2 - 4 ) . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ : آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ : الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً ، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ . وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ . فَلَوْلَا أَنَّ تَرْكَ هَذِهِ الْكَبَائِرِ مِنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ ، لَمَا انْتَفَى اسْمُ الْإِيمَانِ عَنْ مُرْتَكِبِ شَيْءٍ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَنْتَفِى إِلَّا بِانْتِفَاءِ بَعْضِ أَرْكَانِ الْمُسَمَّى أَوْ وَاجِبَاتِهِ . وَأَمَّا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ النُّصُوصِ وَبَيْنَ حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ ، وَتَفْرِيقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَإِدْخَالِهِ الْأَعْمَالَ فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ دُونَ الْإِيمَانِ ، فَإِنَّهُ يَتَّضِحُ بِتَقْرِيرِ أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّ مِنَ الْأَسْمَاءِ مَا يَكُونُ شَامِلًا لِمُسَمَّيَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ عِنْدَ إِفْرَادِهِ وَإِطْلَاقِهِ ، فَإِذَا قُرِنَ ذَلِكَ الِاسْمُ بِغَيْرِهِ ، صَارَ دَالًّا عَلَى بَعْضِ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ ، وَالِاسْمُ الْمَقْرُونُ بِهِ دَالٌّ عَلَى بَاقِيهَا ، وَهَذَا كَاسْمِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ ، فَإِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا ، دَخَلَ فِيهِ كُلُّ مَنْ هُوَ مُحْتَاجٌ ، فَإِذَا قُرِنَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ، دَلَّ أَحَدُ الِاسْمَيْنِ عَلَى بَعْضِ أَنْوَاعِ ذَوِي الْحَاجَاتِ ، وَالْآخَرُ عَلَى بَاقِيهَا ، فَهَكَذَا اسْمُ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ : إِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا ، دَخَلَ فِيهِ الْآخَرُ وَدَلَّ بِانْفِرَادِهِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْآخَرُ بِانْفِرَادِهِ ، فَإِذَا قُرِنَ بَيْنَهُمَا ، دَلَّ أَحَدُهُمَا عَلَى بَعْضِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِانْفِرَادِهِ ، وَدَلَّ الْآخَرُ عَلَى الْبَاقِي . وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَعْنَى جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي رِسَالَتِهِ إِلَى أَهْلِ الْجَبَلِ : قَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ : إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ ، وَالْإِسْلَامُ فِعْلُ مَا فُرِضَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَفْعَلَهُ إِذَا ذُكِرَ كُلُّ اسْمٍ عَلَى حِدَتِهِ مَضْمُومًا إِلَى آخَرَ فَقِيلَ : الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا مُفْرَدَيْنِ ، أُرِيدَ بِأَحَدِهِمَا مَعْنًى لَمْ يُرَدْ بِالْآخَرِ ، وَإِذَا ذُكِرَ أَحَدُ الِاسْمَيْنِ ، شَمِلَ الْكُلَّ وَعَمَّهُمْ . وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا الْخَطَّابِيُّ فِي كِتَابِهِ " مَعَالِمِ السُّنَنِ " ، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْ بَعْدِهِ . وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَّرَ الْإِيمَانَ عِنْدَ ذِكْرِهِ مُفْرَدًا فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الْإِسْلَامَ الْمَقْرُونَ بِالْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ ، وَفَسَّرَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْإِسْلَامَ بِمَا فَسَّرَ بِهِ الْإِيمَانَ ، كَمَا فِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ، قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ : أَنْ تُسْلِمَ قَلْبَكَ لِلَّهِ ، وَأَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ ، قَالَ : فَأَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " الْإِيمَانُ " قَالَ : وَمَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : " أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ، وَمَلَائِكَتِهِ ، وَكُتُبِهِ ، وَرُسُلِهِ ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ " ، قَالَ : فَأَيُّ الْإِيمَانِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " الْهِجْرَةُ " قَالَ : فَمَا الْهِجْرَةُ ؟ قَالَ : " أَنْ تَهْجُرَ السُّوءَ " قَالَ : فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " الْجِهَادُ " . فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيمَانَ أَفْضَلَ الْإِسْلَامِ ، وَأَدْخَلَ فِيهِ الْأَعْمَالَ . وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ يَظْهَرُ تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ : هَلْ هُمَا وَاحِدٌ ، أَوْ مُخْتَلِفَانِ ؟ . فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مُخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ ، وَصَنَّفُوا فِي ذَلِكَ تَصَانِيفَ مُتَعَدِّدَةٍ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ : مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ الرَّمْلِيِّ عَنْهُ ، وَأَيُّوبُ فِيهِ ضَعْفٌ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكِي عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ التَّفْرِيقَ بَيْنَهُمَا ، كَأَبِي بَكْرِ بْنِ السَّمْعَانِيِّ ، وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ نُقِلَ هَذَا التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ السَّلَفِ ، مِنْهُمْ قَتَادَةُ ، وَدَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَشَرِيكٌ ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَغَيْرُهُمْ ، عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي صِفَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا . وَكَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَقُولَانِ : " مُسْلِمٌ " وَيَهَابَانِ " مُؤْمِنٌ " . وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَزُولُ الِاخْتِلَافُ ، فَيُقَالُ : إِذَا أُفْرِدَ كُلٌّ مِنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ بِالذِّكْرِ ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا حِينَئِذٍ ، وَإِنْ قُرِنَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ . وَالتَّحْقِيقُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا : أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ ، وَإِقْرَارُهُ ، وَمَعْرِفَتُهُ ، وَالْإِسْلَامُ : هُوَ اسْتِسْلَامُ الْعَبْدِ لِلَّهِ ، وَخُضُوعُهُ ، وَانْقِيَادُهُ لَهُ ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْعَمَلِ ، وَهُوَ الدِّينُ ، كَمَا سَمَّى اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْإِسْلَامَ دِينًا ، وَفِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ سَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ وَالْإِحْسَانَ دِينًا ، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الِاسْمَيْنِ إِذَا أُفْرِدَ دَخَلَ فِيهِ الْآخَرُ ، وَإِنَّمَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ قُرِنَ أَحَدُ الِاسْمَيْنِ بِالْآخَرِ . فَيَكُونُ حِينَئِذٍ الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ : جِنْسَ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ ، وَبِالْإِسْلَامِ جِنْسَ الْعَمَلِ . وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " عَنْ أَنَسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : الْإِسْلَامُ عَلَانِيَةٌ ، وَالْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ . وَهَذَا لِأَنَّ الْأَعْمَالَ تَظْهَرُ عَلَانِيَةً ، وَالتَّصْدِيقَ فِي الْقَلْبِ لَا يَظْهَرُ . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ إِذَا صَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ : " اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا ، فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا ، فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ " ، لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْجَوَارِحِ ، إِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ فِي الْحَيَاةِ ، فَأَمَّا عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَلَا يَبْقَى غَيْرُ التَّصْدِيقِ بِالْقَلْبِ . وَمِنْ هُنَا قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ : كُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ ، فَإِنَّ مَنْ حَقَّقَ الْإِيمَانَ ، وَرَسَخَ فِي قَلْبِهِ ، قَامَ بِأَعْمَالِ الْإِسْلَامِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةٌ ، إِذَا صَلُحَتْ ، صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقَلْبُ بِالْإِيمَانِ إِلَّا وَتَنْبَعِثُ الْجَوَارِحُ فِي أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِنًا ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِيمَانُ ضَعِيفًا ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الْقَلْبُ بِهِ تَحَقُّقًا تَامًّا مَعَ عَمَلِ جَوَارِحِهِ بِأَعْمَالِ الْإِسْلَامِ ، فَيَكُونُ مُسْلِمًا ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ الْإِيمَانَ التَّامَّ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ( الْحُجُرَاتِ : 14 ) ، وَلَمْ يَكُونُوا مُنَافِقِينَ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى أَصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ بَلْ كَانَ إِيمَانُهُمْ ضَعِيفًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا ( الْحُجُرَاتِ : 14 ) ، يَعْنِي لَا يَنْقُصُكُمْ مِنْ أُجُورِهَا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَعَهُمْ مِنَ الْإِيمَانِ مَا يَقْبَلُ بِهِ أَعْمَالَهُمْ . وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا قَالَ لَهُ : لَمْ تُعْطِ فُلَانًا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوْ مُسْلِمٌ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُحَقِّقْ مَقَامَ الْإِيمَانِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَقَامِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرِ ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ مَتَى ضَعُفَ الْإِيمَانُ الْبَاطِنُ ، لَزِمَ مِنْهُ ضَعْفُ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ أَيْضًا ، لَكِنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ يَنْفِى عَمَّنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ وَاجِبَاتِهِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية