الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                        مؤطأ مالك 566 527 - مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ " . الاستذكار 11862 - اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَرَوَاهُ آخَرُونَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَرَوَتْهُ طَائِفَةٌ أُخْرَى عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، وَلَمْ يُسَمُّوهُ عَنْ كَعْبٍ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 11863 - وَالْقَوْلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . 11864 - وَقَدْ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُعَارِضُهُ ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، قَوْلُهُ : " إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مِقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ " الْحَدِيثَ ، وَقَالُوا : إِذَا كَانَ يَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ وَيَأْكُلُ مِنْهَا فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ فِي جَمِيعِ أَحْيَانِهِ ، فَكَيْفَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مِنْهَا مِقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ خَاصَّةً . 11865 - وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ كَمَا ظَنُّوا ، لِأَنَّ حَدِيثَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ هَذَا مَعْنَاهُ فِي الشُّهَدَاءِ خَاصَّةً ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي سَائِرِ النَّاسِ . 11866 - وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ طَيْرٌ خُضْرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ " . 11867 - وَقَدْ ذَكَرْنَا إِسْنَادَهُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ فِي ( التَّمْهِيدِ ) . 11868 - وَذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الشُّهَدَاءُ يَغْدُونَ وَيَرُوحُونَ إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَكُونُ مَأْوَاهُمْ إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ " الْحَدِيثَ . 11869 - ذَكَرْنَاهُ مِنْ طُرُقٍ هُنَاكَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 11870 - وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ تَجُولُ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلَقُ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ فَهَذَا أَكْلُهُ . 11871 - فَهَذَا نَصٌّ يَخُصُّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ فَالشَّهِيدُ يَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ وَيَأْكُلُ مِنْهَا يَقُولُ اللَّهُ ( عَزَّ وَجَلَّ ) فِي الشُّهَدَاءِ إِنَّهُمْ " أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " آلِ عِمْرَانَ 169 ، فَخَصَّهُمْ بِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ فَلَا يُشْرِكُهُمْ فِيهَا غَيْرُهُمْ ، وَالنَّسَمَةُ الْأَرْوَاحُ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ وَتَسْبَحُ وَتَأْكُلُ كَأَنَّهَا طَيْرٌ - قَدْ قِيلَ - خُضْرٌ . 11872 - وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لَا رِوَايَةَ مَنْ رَوَى فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي جَسَدٍ رُوحَانِ رُوحُ الْمُؤْمِنِ وَرُوحُ الطَّيْرِ . 11873 - هَذَا مِحَالٌ تَدْفَعُهُ الْعُقُولُ لِمُخَالَفَتِهِ الْأُصُولَ ، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى " فِي أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ كَأَنَّهَا طَيْرٌ لَا فِي جَوْفِ طَيْرٍ " ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ مَالِكٍ هَذَا فِي قَوْلِهِ : " إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ " وَلَمْ يَقُلْ : " فِي جَوْفِ طَائِرٍ " . 11874 - وَرَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : سُئِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ عَنْ أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ قَالَ : أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ كَطَيْرٍ خُضْرٍ فِي قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى قَنَادِيلِهَا فَيَتَطَلَّعُ إِلَيْهَا رَبُّهَا ، فَيَقُولُ : مَاذَا تُرِيدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : نُرِيدُ أَنْ نَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَنُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى . 11875 - وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَوْلُهُ " كَطَيْرٍ " حَسَنٌ أَيْضًا . 11876 - وَفِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ : " تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ " مَا يُعَضِّدُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى تَعْلَقُ بِفَتْحِ اللَّامِ لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ تَسْرَحُ وَمَنْ رَوَى تَعْلُقُ بِضَمِّ اللَّامِ فَالْمَعْنَى فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ تَأْكُلُ وَتَرْعَى وَنَحْوُ هَذَا . 11877 - وَلِمُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) فِي الشُّهَدَاءِ " أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " آلِ عِمْرَانَ 169 قَالَ : لَيْسَ هُمْ فِي الْجَنَّةِ وَلَكِنْ يَأْكُلُونَ مِنْ ثِمَارِهَا وَيَجِدُونَ رِيحَهَا . 11878 - قَالَ أَبُو عُمَرَ : ظَاهِرُ حَدِيثِ مَالِكٍ يَرُدُّ قَوْلَ مُجَاهِدٍ هَذَا ، لِأَنَّ فِيهِ : " إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ " ، وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ شَجَرَ الْجَنَّةِ وَثَمَرَهَا فِي غَيْرِهَا فَقَدْ أَحَالَ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ . 11879 - وَقَدِ اسْتَوْعَبْنَا الْقَوْلَ فِي شَرْحِ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظِهِ فِي ( التَّمْهِيدِ ) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ . 11880 - وَأَمَّا قَوْلُهُ : " نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ " فَالنَّسَمَةُ الرُّوحُ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ : " حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ " . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ النَّسَمَةَ الْإِنْسَانُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَعْتَقَ نَسَمَةً مُؤْمِنَةً " . 11881 - وَقَالَ عَلِيٌّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) : لَا وَالَّذِي خَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ . 11882 - قَالَ ذُو الرُّمَّةِ : بِأَعْظَمَ مِنْهُ تُقًى فِي الْحِسَابِ إِذَا النَّسَمَاتُ نَقَضْنَ الْغُبَارَا 11883 - وَالْعَرَبُ تُعَبِّرُ عَنِ الْمَعْنَى الْوَاحِدِ بِأَلْفَاظٍ شَتَّى وَعَنْ مَعَانٍ مُتَقَارِبَةٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ هَذَا كَثِيرٌ فِي لُغَتِهَا . 11884 - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ وَسَعِيدٌ ، قَالَا : حَدَّثَنَا قَاسِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ : سَأَلْنَا ابْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ " آلِ عِمْرَانَ 169 ، فَقَالَ : أَمَّا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ أَرْوَاحُهُمْ طَيْرٌ خُضْرٌ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيُّهَا شَاءَتْ ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ . 11885 - وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ قَالَ : سَمِعْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ يَقُولُ : بَلَغَنِي أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ مُرْسَلَةٌ تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ .

                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                        الخدمات العلمية