الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                        الْبَابُ الثَّالِثُ فِي كَيْفِيَّةِ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ شَرَائِطِهَا الْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ كَغَيْرِهَا فِي الْأَرْكَانِ ، وَتَمْتَازُ بِأُمُورٍ مَنْدُوبَةٍ . أَحَدُهَا : الْغُسْلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سُنَّةٌ ، وَوَقْتُهُ بَعْدَ الْفَجْرِ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَانْفَرَدَ فِي ( النِّهَايَةِ ) بِحِكَايَةِ وَجْهٍ : أَنَّهُ يُجْزِئُ قَبْلَ الْفَجْرِ كَغُسْلِ الْعِيدِ ، وَهُوَ شَاذٌّ مُنْكَرٌ . وَيُسْتَحَبُّ تَقْرِيبُ الْغُسْلِ مِنَ الرَّوَاحِ إِلَى الْجُمُعَةِ . ثُمَّ الصَّحِيحُ : إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ . وَالثَّانِي : يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ كَغُسْلِ الْعِيدِ . فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ ، فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ حَاضِرٍ ، سَوَاءٌ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَغَيْرُهُ . قُلْتُ : وَفِيهِ وَجْهٌ : أَنَّهُ إِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَحَضَرَهَا ، وَوَجْهٌ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهَا لِعُذْرٍ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَ الْغُسْلِ ، لَمْ يَبْطُلِ الْغُسْلُ ، فَيَتَوَضَّأُ . قُلْتُ : وَكَذَا لَوْ أَجْنَبَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ ، لَا يَبْطُلُ ، فَيَغْتَسِلُ لِلْجَنَابَةِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . قَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ ، وَعَامَّةُ الْأَصْحَابِ : إِذَا عَجَزَ عَنِ الْغُسْلِ لِنَفَادِ الْمَاءِ بَعْدَ الْوُضُوءِ ، أَوْ لِقُرُوحٍ فِي بَدَنِهِ ، تَيَمَّمَ وَحَازَ الْفَضِيلَةَ . قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : هَذَا الَّذِي قَالُوهُ ، هُوَ الظَّاهِرُ ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ . وَرَجَّحَ الْغَزَّالِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ . فَرْعٌ : مِنَ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ ، أَغْسَالُ الْحَجِّ ، وَغُسْلُ الْعِيدَيْنِ ، وَيَأْتِي فِي مَوَاضِعِهَا - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - . وَأَمَّا الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ . الْقَدِيمُ : أَنَّهُ وَاجِبٌ ، وَكَذَا الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّهِ . وَالْجَدِيدُ : اسْتِحْبَابُهُ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ . فَعَلَى هَذَا ، غُسْلُ الْجُمُعَةِ ، وَالْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ ، آكَدُ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ ، وَأَيُّهُمَا آكَدُ ؟ قَوْلَانِ . الْجَدِيدُ : الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ آكَدُ . وَالْقَدِيمُ : غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ صَاحِبِ ( التَّهْذِيبِ ) ، وَالرُّويَانِيِّ ، وَالْأَكْثَرِينَ . وَرَجَّحَ صَاحِبُ ( الْمُهَذَّبِ ) وَآخَرُونَ الْجَدِيدَ . وَفِي وَجْهٍ : هُمَا سَوَاءٌ . قُلْتُ : الصَّوَابُ ، الْجَزْمُ بِتَرْجِيحِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ ، لِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ فِيهِ . وَفِيهَا الْحَثُّ الْعَظِيمُ عَلَيْهِ ، كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ ) وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ ) . وَأَمَّا الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ ، فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ أَصْلًا . ثُمَّ مِنْ فَوَائِدِ الْخِلَافِ ، وَلَوْ حَضَرَ إِنْسَانٌ مَعَهُ مَاءٌ ، يَدْفَعُهُ لِأَحْوَجِ النَّاسِ وَهُنَاكَ رَجُلَانِ ، أَحَدُهُمَا يُرِيدُهُ لِغُسْلِ الْجُمُعَةِ ، وَالْآخَرُ لِلْغُسْلِ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَأَمَّا الْكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ ، فَإِنْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ غُسْلٌ بِجَنَابَةٍ ، أَوْ حَيْضٍ ، لَزِمَهُ الْغُسْلُ وَلَا يُجْزِئُهُ غُسْلُهُ فِي الْكُفْرِ عَلَى الْأَصَحِّ ، كَمَا سَبَقَ فِي مَوْضِعِهِ . وَإِلَّا ، اسْتُحِبَّ لَهُ الْغُسْلُ لِلْإِسْلَامِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يَجِبُ . وَوَقْتُ الْغُسْلِ ، بَعْدَ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَعَلَى الْوَجْهِ الضَّعِيفِ : يَغْتَسِلُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ . قُلْتُ : هَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ صَرِيحٌ ، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ حَكَاهُ ، فَكَيْفَ بِمَنْ قَالَهُ ، وَقَدْ أَشْبَعْتُ الْقَوْلَ فِي إِبْطَالِهِ وَالشَّنَاعَةِ عَلَى قَائِلِهِ فِي ( شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ) وَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِالْبَقَاءِ عَلَى الْكُفْرِ لِيَفْعَلَ غُسْلًا لَا يَصِحُّ مِنْهُ ؟ ! - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . وَمِنَ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ ، الْغُسْلُ لِلْإِفَاقَةِ مِنَ الْجُنُونِ وَالْإِغْمَاءِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ حِكَايَةً وَجْهٌ فِي وُجُوبِهِمَا . وَالصَّحِيحُ : أَنَّهُمَا سُنَّةٌ . وَمِنْهَا : الْغُسْلُ مِنَ الْحِجَامَةِ ، وَالْخُرُوجُ مِنَ الْحَمَّامِ . ذَكَرَ صَاحِبُ ( التَّلْخِيصِ ) عَنِ الْقَدِيمِ اسْتِحْبَابَهُمَا ، وَالْأَكْثَرُونَ لَمْ يَذْكُرُوهُمَا . قَالَ صَاحِبُ ( التَّهْذِيبِ ) : قِيلَ : الْمُرَادُ بِغُسْلِ الْحَمَّامِ ، إِذَا تَنَوَّرَ . قَالَ : وَعِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ فَيَعْرَقُ ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ . قُلْتُ : وَقِيلَ : الْغُسْلُ مِنَ الْحَمَّامِ ، هُوَ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءً عِنْدَ إِرَادَتِهِ الْخُرُوجَ تَنَظُّفًا ، كَمَا اعْتَادَهُ الْخَارِجُونَ مِنْهُ . وَالْمُخْتَارُ : الْجَزْمُ بِاسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ مِنَ الْحِجَامَةِ وَالْحَمَّامِ . فَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ ( جَمْعِ الْجَوَامِعِ ) فِي مَنْصُوصَاتِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : أُحِبُّ الْغُسْلَ مِنَ الْحِجَامَةِ وَالْحَمَّامِ ، وَكُلِّ أَمْرٍ غَيَّرَ الْجَسَدَ ، وَأَشَارَ الشَّافِعِيُّ ، إِلَى أَنَّ حِكْمَتَهُ ، أَنَّ ذَلِكَ يُغَيِّرُ الْجَسَدَ وَيُضْعِفُهُ ، وَالْغُسْلُ يَشُدُّهُ وَيُنْعِشُهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِكُلِّ اجْتِمَاعٍ ، وَفِي كُلِّ حَالٍ تُغَيِّرُ رَائِحَةَ الْبَدَنِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . الْأَمْرُ الثَّانِي : اسْتِحْبَابُ الْبُكُورِ إِلَى الْجَامِعِ ، وَالسَّاعَةُ الْأُولَى أَفْضَلُ مِنَ الثَّانِيَةِ ، ثُمَّ الثَّالِثَةُ فَمَا بَعْدَهَا . وَتُعْتَبَرُ السَّاعَاتُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَعَلَى الثَّانِي : مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ . وَالثَّالِثُ : مِنَ الزَّوَالِ . ثُمَّ ، لَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى الْأَوْجُهِ بِالسَّاعَاتِ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ ، بَلْ تَرْتِيبُ الدَّرَجَاتِ ، وَفَضْلُ السَّابِقِ عَلَى الَّذِي يَلِيهِ ، لِئَلَّا يَسْتَوِيَ فِي الْفَضِيلَةِ رَجُلَانِ جَاءَا فِي طَرَفَيْ سَاعَةٍ . وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ : التَّزَيُّنُ ، فَيُسْتَحَبُّ التَّزَيُّنُ لِلْجُمُعَةِ ، بِأَخْذِ الشَّعْرِ ، وَالظُّفُرِ ، وَالسِّوَاكِ ، وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ ، وَيَلْبَسُ أَحْسَنَ الثِّيَابِ ، وَأَوْلَاهَا الْبِيضُ . فَإِنْ لَبِسَ مَصْبُوغًا ، فَمَا صُبِغَ غَزْلُهُ ، ثُمَّ نُسِجَ كَالْبُرْدِ ، لَا مَا صُبِغَ مَنْسُوجًا . وَيُسْتَحَبُ أَنْ يَتَطَيَّبَ بِأَطْيَبِ مَا عِنْدَهُ ، وَيُسْتَحَبَّ أَنْ يَزِيدَ الْإِمَامُ فِي حُسْنِ الْهَيْئَةِ ، وَيَتَعَمَّمَ ، وَيَرْتَدِيَ . وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ مَنْ قَصَدَ الْجُمُعَةَ ، الْمَشْيُ عَلَى سَكِينَةٍ مَا لَمْ يَضِقِ الْوَقْتُ ، وَلَا يَسْعَى إِلَيْهَا ، وَلَا إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ ، وَلَا يَرْكَبُ فِي جُمُعَةٍ ، وَلَا عِيدٍ ، وَلَا جِنَازَةٍ ، وَلَا عِيَادَةِ مَرِيضٍ ، إِلَّا لِعُذْرٍ . وَإِذَا رَكِبَ ، سَيَّرَهَا عَلَى سُكُونٍ . الْأَمْرُ الرَّابِعُ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ ( الْفَاتِحَةِ ) : سُورَةَ ( الْجُمُعَةِ ) . وَفِي الثَّانِيَةِ : ( الْمُنَافِقِينَ ) . وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ : إِنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى : ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) . وَفِي الثَّانِيَةِ : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ) قُلْتُ : عَجَبٌ مِنَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، كَيْفَ جَعَلَ الْمَسْأَلَةَ ذَاتَ قَوْلَيْنِ ، قَدِيمٍ وَجَدِيدٍ ؟ ! وَالصَّوَابُ : أَنَّهُمَا سُنَّتَانِ . فَقَدْ ثَبَتَ كُلُّ ذَلِكَ فِي ( صَحِيحِ مُسْلِمٍ ) مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَكَانَ يَقْرَأُ هَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ ، وَهَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ . وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ ، أَنَّ الرَّبِيعَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، وَهُوَ رَاوِي الْكُتُبِ الْجَدِيدَةِ قَالَ : سَأَلْتُ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ ذَلِكَ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ يَخْتَارُ ( الْجُمُعَةَ ) وَ ( الْمُنَافِقِينَ ) وَلَوْ قَرَأَ ( سَبِّحْ ) وَ ( هَلْ أَتَاكَ ) كَانَ حَسَنًا . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . فَلَوْ نَسِيَ سُورَةَ ( الْجُمُعَةِ ) فِي الْأُولَى ، قَرَأَهَا مَعَ ( الْمُنَافِقِينَ ) فِي الثَّانِيَةِ ، وَلَوْ قَرَأَ ( الْمُنَافِقِينَ ) فِي الْأُولَى ، قَرَأَ ( الْجُمُعَةَ ) فِي الثَّانِيَةِ . قُلْتُ : وَلَا يُعِيدُ ( الْمُنَافِقِينَ ) فِي الثَّانِيَةِ . وَقَوْلُهُ : لَوْ نَسِيَ ( الْجُمُعَةَ ) فِي الْأُولَى ، مَعْنَاهُ : تَرَكَهَا ، سَوَاءٌ كَانَ نَاسِيًا ، أَوْ عَامِدًا ، أَوْ جَاهِلًا . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .

                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية