الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحق الثالث في اللسان

( بحث سوء الظن )

وكما يجب عليك السكوت بلسانك عن مساوئه يجب عليك السكوت بقلبك وذلك بترك إساءة الظن ، فسوء الظن غيبة بالقلب وهو منهي عنه أيضا ، وحده أن لا تحمل فعله على وجه فاسد ما أمكن أن يحمل على وجه خير ، فأما ما انكشف بيقين ومشاهدة فاحمله على سهو ونسيان إن أمكن ، وسوء الظن يدعو إلى التجسس والتحسس وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " لا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا " . والتجسس في تطلع الأخبار ، والتحسس بالمراقبة بالعين ، فستر العيوب والتجاهل والتغافل عنها شيمة أهل الدين .

واعلم أنه لا يتم إيمان المرء ما لم يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وأقل درجات الأخوة أن يعامل أخاه بما يحب أن يعامله به ، ومنشأ التقصير في ستر العورة أو السعي في كشفها الداء الدفين وهو الحقد والحسد ، ومن في قلبه سخيمة على مسلم فإيمانه ضعيف ، وأمر مخطر ، وقلبه خبيث لا يصلح للقاء الله .

ومن ذلك : أن يسكت عن إفشاء سره الذي استودعه ، وله أن ينكره وإن كان كاذبا فليس الصدق واجبا في كل مقام ، فإنه كما يجوز للرجل أن يخفي عيوب نفسه وأسراره وإن احتاج إلى الكذب فله أن يفعل ذلك في حق أخيه ، فإن أخاه نازل منزلته وهما كشخص واحد لا يختلفان إلا بالبدن ، هذه حقيقة الأخوة ، وقد قال عليه السلام : " من ستر عورة أخيه ستره الله [ ص: 133 ] تعالى في الدنيا والآخرة " وقال عليه السلام : " إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهو أمانة " وقال : " المجالس بالأمانة " وفي رواية : " إنما يتجالس المتجالسان بالأمانة ولا يحل لأحدهما أن يفشي على صاحبه ما يكره " . قيل لبعضهم : " كيف حفظك للسر " ؟ قال : " أنا قبره ، فإن صدور الأحرار قبور الأسرار " . وأفشى بعضهم سرا له إلى أخيه ثم قال له " حفظت " فقال : " بل نسيت " . وقال العباس لابنه " عبد الله " : " إني أرى هذا الرجل - يعني عمر رضي الله عنه - يقدمك على الأشياخ فاحفظ مني خمسا : لا تفشين له سرا ، ولا تغتابن عنده أحدا ، ولا يجربن عليك كذبا ، ولا تعصين له أمرا ، ولا يطلعن منك على خيانة " فقال " الشعبي " : كل كلمة من هذه الخمس خير من ألف .

ومن ذلك : السكوت على المماراة والمدافعة في كل ما يتكلم به أخوك ، قال " ابن عباس " : " لا تمار سفيها فيؤذيك ولا حليما فيقليك " وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " من ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة ومن ترك المراء وهو محق بني له بيت في أعلى الجنة " هذا مع أن تركه مبطلا واجب ، وقد جعل ثواب النفل أعظم ؛ لأن السكوت عن الحق أشد على النفس من السكوت على الباطل ، وإنما الأجر على قدر النصب . وأشد الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة والمناقشة فإنها عين التدابر والتقاطع ، فإن التقاطع يقع أولا بالآراء ثم بالأقوال ثم بالأبدان ، وقال عليه السلام : " لا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا " وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحرمه ولا يخذله ، بحسب المرء من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، وأشد الاحتقار المماراة ، فإن من رد على غيره كلاما فقد نسبه إلى الجهل أو الغفلة والسهو عن فهم الشيء على ما هو عليه ، وكل ذلك استحقار وإيغار للصدر وإيحاش ، وفي حديث " أبي أمامة " قال : " خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتمارى فغضب وقال : ذروا المراء لقلة خيره ، وذروا المراء فإن نفعه قليل ، وإنه يهيج العداوة بين الإخوان " .

[ ص: 134 ] وقال بعض السلف : " من لاحظ الإخوان وماراهم قلت مروءته ، وذهبت كرامته " . وقال غيره : " إياك ومماراة الرجال فإنك لن تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم " . قال " الحسن " : " لا تشترى عداوة رجل بمودة ألف رجل " . وعلى الجملة فلا باعث على المماراة إلا إظهار التميز بمزيد العقل والفضل ، واحتقار المردود عليه بإظهار جهله ، وهذا يشتمل على التكبر والاحتقار والإيذاء والشتم بالحمق والجهل ، ولا معنى للمعاداة إلا هذا ، فكيف تضام الأخوة والمصافاة ، فقد روى " ابن عباس " عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعدا فتخلفه " وقد قال عليه السلام : " إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط وجه وحسن خلق " والمماراة مضادة لحسن الخلق . واعلم أن قوام الأخوة بالموافقة في الكلام والفعل والشفقة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث