الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        في كيفية التحالف

                                                                                                                                                                        قاعدته أن يحلف كل واحد على إثبات قوله ونفي قول صاحبه . وفيمن يبدأ بيمينه ؟ طريقان .

                                                                                                                                                                        أحدهما : البائع . وأصحهما : أنه على ثلاثة أقوال . أظهرها : البائع . والثاني : المشتري . والثالث : يتساويان . وعلى هذا وجهان .

                                                                                                                                                                        أصحهما : [ ص: 582 ] يتخير الحاكم فيبدأ بمن اتفق . والثاني : يقرع بينهما . ولو تحالف الزوجان في الصداق ، فعلى الطريق الأول يبدأ بالزوج . وعلى الثاني : إن قدمنا البائع ، فوجهان .

                                                                                                                                                                        أصحهما وأقربهما إلى النص : يبدأ بالزوج . والثاني : بالمرأة . وإن قدمنا المشتري ، فالقياس انعكاس الوجهين . ولا يخفى من ينزل منزلة البائع في سائر العقود . ثم جميع ما ذكرناه في الاستحباب دون الاشتراط ، نص عليه الشيخ أبو حامد ، وصاحبا " التتمة " و " التهذيب " . وتقديم أحد الجانبين مخصوص بما إذا باع عرضا بثمن في الذمة . فأما إذا تبادلا عرضا بعرض ، فلا يتجه إلا التسوية . قاله الإمام . وينبغي أن يخرج على أن الثمن ماذا ؟

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        المذهب وظاهر النص : الاكتفاء بيمين واحدة - من كل واحد - تجمع النفي والإثبات ، فيقول البائع : ما بعت بخمسمائة ، وإنما بعت بألف . ويقول المشتري : ما اشتريت بألف ، وإنما اشتريت بخمسمائة ، وفيه قول ضعيف مخرج : أنه يحلف أولا على مجرد النفي . فإن اكتفينا بيمين تجمع النفي والإثبات ، فحلف أحدهما ، ونكل الآخر ، قضي للحالف ، سواء نكل عن النفي والإثبات معا ، أو عن أحدهما . وينبغي أن يقدم النفي على الإثبات ; لأن النفي هو الأصل . وقال الإصطخري : يقدم الإثبات ؛ لأنه المقصود . والصحيح الأول . وهذا الخلاف في الاستحباب على الأصح . وقيل : في الاستحقاق . فإذا قلنا بالمخرج : إنه يحلف أولا على مجرد النفي ، فأضاف إليه الإثبات كان لغوا . فإذا حلف من ابتدئ به ، عرضنا اليمين على الآخر . فإن نكل ، حلف الأول يمينا ثانية على الإثبات ، وقضي له ، وإن نكل عن الإثبات ، لم يقض له . قال الشيخ أبو محمد : ويكون كما لو تحالفا ; لأن نكول المردود عليه عن يمين الرد ، نازل في الدعاوى [ ص: 583 ] منزلة حلف الناكل أولا . ولو نكل الأول عن يمين النفي أولا ، حلف الآخر على النفي والإثبات ، وقضي له . ولو حلفا على النفي فوجهان .

                                                                                                                                                                        أصحهما وبه قال الشيخ أبو محمد : يكفي ذلك ، ولا حاجة بعده إلى يمين الإثبات ; لأن المحوج إلى الفسخ جهالة الثمن وقد حصلت . والثاني : تعرض يمين الإثبات عليهما . فإن حلفا تم التحالف . وإن نكل أحدهما ، قضي للحالف . والكلام على هذا القول المخرج في تقديم النفي أو الإثبات كما ذكرنا على المذهب . فلو نكلا جميعا فوجهان . أحدهما : أنه كتحالفهما . والثاني : يوقف الأمر وكأنهما تركا الخصومة .

                                                                                                                                                                        قلت : هذان الوجهان ذكرهما إمام الحرمين احتمالين لنفسه ، وذكر أن أئمة المذهب لم يتعرضوا لهذه المسألة ، ثم ذكر في آخر كلامه أنه رأى التوقف لبعض المتقدمين . وقال الغزالي في " البسيط " : له حكم التحالف على الظاهر . والأصح : اختيار التوقف . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية