الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                        [ ص: 556 - 557 ] قال ( ودعا بما شاء مما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة ) لما روينا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ، قال له النبي عليه الصلاة والسلام " { ثم اختر [ ص: 558 ] من الدعاء أطيبه وأعجبه إليك }" ويبدأ بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام ، ليكون أقرب إلى الإجابة ( ولا يدعو بما يشبه كلام الناس ) تحرزا عن الفساد ، ولهذا يأتي بالمأثور المحفوظ ، وما لا يستحيل سؤاله من العباد كقوله : " اللهم زوجني فلانة " يشبه كلامهم ، وما يستحيل كقوله : " اللهم اغفر لي " ليس من كلامهم ، وقوله : " اللهم ارزقني " من قبيل الأول ، هو الصحيح ، لاستعمالها فيما بين العباد ، يقال : رزق الأمير الجيش .

                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                        الحديث التاسع والأربعون : قال في الكتاب : ودعا بما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية [ ص: 558 ] المأثورة ، لما روينا من حديث ابن مسعود ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " { ثم اختر من الدعاء أطيبه وأعجبه إليك }" ، قلت : كأنه يشير إلى الحديث المتقدم عن ابن مسعود : { علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في وسط الصلاة وآخرها ، فإذا كان وسط الصلاة ، نهض إذا فرغ من التشهد ، وإذا كان آخر الصلاة دعا لنفسه بما شاء } ، وقد قدمنا أن هذا الحديث عند أحمد ، وقد قدمنا في تشهد ابن مسعود ثم ليختر من الدعاء أعجبه إليه ، فيدعو به ، وفي رواية : ثم يتخير من المسألة ما شاء ، وليس في هذا كله دليل للمصنف على ما ذكره من ألفاظ القرآن والسنة ، وخصوصا عند البخاري ، ثم ليتخير بعد من الكلام ما شاء ، ذكره في " الدعوات " ، وفي " الاستئذان " ، ثم قول المصنف بعد ، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ثم اختر من الدعاء ، إلى آخره ، إن كان هذا من تتمة حديث ابن مسعود ، فيكون أراد بحديث ابن مسعود تشهد ابن مسعود ، وإن كان كلاما مستأنفا مقطوعا عن حديث ابن مسعود ، فيكون أراد بحديث ابن مسعود ، قوله : { علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في وسط الصلاة } ، إلى آخره ، وأراد بالآخر حديث التشهد ، وهذا يترجح بأنهما حديثان ، ولكن الأول أظهر ، بل الحديثان حجة للشافعي في إباحة الدعاء بكلام الناس ، نحو : اللهم زوجني امرأة حسناء ، وأعطني بستانا أنيقا ، ولكن المانعون يحملون ذلك على الدعاء المأثور ، ولو استدل صاحب الكتاب بحديث : إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، لكان أصوب ، ولعله سقط من النسخ قيل : قوله : لما روينا من حديث ابن مسعود ، إلى آخره ، قال الشافعي : يصح الدعاء في الصلاة بكل ما يصح خارج الصلاة ، وبحديث ابن مسعود هذا استدل النووي لمذهبه ، واستدل البيهقي بحديث ابن عباس ، رواه مسلم في " الصلاة " عنه ، قال : { كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم الستارة ، وهو معصوب الرأس ، في مرضه الذي مات فيه ، والناس صفوف خلفأبي بكر ، فقال : اللهم هل بلغت ثلاث مرات أيها الناس ، إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة ، يراها المؤمن ، أو ترى له ، ألا وإني قد نهيت أن [ ص: 559 ] أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ، فأما الركوع ، فعظموا فيه الرب ، وأما السجود ، فاجتهدوا فيه من الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم }" انتهى . وبحديث حذيفة أيضا { أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول في ركوعه : سبحان ربي الأعلى ، وما مر بآية رحمة إلا وقف عندها ، فسأل ، ولا مر بآية عذاب إلا وقف عندها ، فتعوذ }انتهى . وعزاه لمسلم ، وينظر .

                                                                                                        { حديث آخر } : أخرجه مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا فيه من الدعاء ، فقمن أن يستجاب لكم }" انتهى .

                                                                                                        قال البيهقي في " المعرفة " : وادعى الطحاوي نسخ هذه الأحاديث بحديث عقبة بن عامر ، قال : لما نزلت { فسبح باسم ربك العظيم }قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوها في ركوعكم ، ولما نزلت { سبح اسم ربك الأعلى }قال : اجعلوها في سجودكم ، وقال : يجوز أن يكون { سبح اسم ربك الأعلى }أنزلت عليه بعد ذلك ، قال : وهذا كلام بارد ، فإن حديث ابن عباس إنما صدر من النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، والناس صفوف خلف أبي بكر ، وهو اليوم الذي توفي فيه ، كما دل عليه حديث أنس ، ونزول { سبح } قبل ذلك بدهر طويل ، كما دلت عليه الأحاديث : منها حديث البراء بن عازب الطويل في الهجرة ، وفيه : فما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حفظت { سبح اسم ربك الأعلى }في سور من المفصل ، وحديث معاذ في قصة من خرج من صلاته حين افتتح سورة البقرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يقرأ { سبح اسم ربك الأعلى }{ والشمس وضحاها } ، وحديث النعمان بن بشير { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين ، ويوم الجمعة ب { سبح اسم ربك الأعلى }و { هل أتاك حديث الغاشية } }" .

                                                                                                        وعن سمرة بن جندب نحوه ، ومن العجب أنه في حديث معاذ في مسألة المفترض خلف المتطوع ، حمله على أنه كان في أول الإسلام حين كانت الفريضة تصلى في اليوم مرتين ، فجعل نزول { سبح اسم ربك الأعلى }هناك في أول الإسلام ، وهنا جعله في اليوم الذي توفي فيه عليه السلام ، فقد ادعى نسخ ما ورد في حديث ابن عباس بما نزل قبله بدهر طويل ، هذا شأن من يسوي الأحاديث على مذهبه ، والمشهور بين أهل التفسير أن سورة { سبح اسم ربك الأعلى }وسورة : " الواقعة والحاقة " اللتين فيهما { فسبح باسم ربك العظيم }نزلن بمكة ، والله أعلم انتهى كلامه .

                                                                                                        قوله : والفرض المروي في التشهد ، هو التقدير ، قلت : روى النسائي في " باب [ ص: 560 ] إيجاب التشهد من سننه " أخبرنا سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله المخزومي ثنا سفيان عن الأعمش ، ومنصور عن شقيق بن سلمة عن ابن مسعود ، قال : { كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد : السلام على الله ، السلام على جبرائيل ، وميكائيل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقولوا هكذا ، فإن الله عز وجل هو السلام ، ولكن قولوا : التحيات لله ، والصلوات ، والطيبات ، السلام عليك أيها النبي ، ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا ، وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله }" انتهى .

                                                                                                        وهذا الحديث ، وإن كان في الكتب الستة ، لكن لم يذكره بلفظ : يفرض إلا النسائي ، فلفظ البخاري ، قال : كنا إذا كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، قلنا : السلام على الله ، ولفظ مسلم ، قال : كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام على الله ، ولفظ أبي داود : كنا إذا جلسنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفظ ابن ماجه ، ورواية للنسائي : كنا إذا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا : السلام على الله ، الحديث ، وبلفظ النسائي ، رواه الدارقطني ، ثم البيهقي في " سننهما " ، وقالا : إسنادها صحيح ، قال النووي في " الخلاصة " : وبهذه الرواية احتج أصحابنا على أن التشهد الأخير فرض انتهى .




                                                                                                        الخدمات العلمية