الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          باب ما جاء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

                                                                                                          حدثني يحيى عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقي أنه قال أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          397 397 22 - باب ما جاء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

                                                                                                          الصلاة لغة الدعاء ، قال تعالى : ( وصل عليهم ) ( سورة التوبة : الآية 103 ) أي ادع لهم ، والدعاء نوعان : دعاء عبادة ودعاء مسألة ، فالعابد داع كالسائل وبهما فسر قوله تعالى : ( ادعوني أستجب لكم ) ( سورة غافر : الآية 60 ) أي أطيعوني أثبكم أو سلوني أعطكم ، وترد بمعنى الاستغفار كقوله صلى الله عليه وسلم : " إني بعثت إلى أهل البقيع لأصلي عليهم " فسر في رواية : أمرت أن أستغفر لهم ، وبمعنى القراءة ولا تجهر بصلاتك فيختلف حال الصلاة بحسب حال المصلي والمصلى له والمصلى عليه .

                                                                                                          ونقل البخاري وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبي العالية أحد كبار التابعين صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه ثم ملائكته وصلاة الملائكة الدعاء .

                                                                                                          ورجح الشهاب القرافي أنها من الله المغفرة .

                                                                                                          وقال الرازي والآمدي الرحمة وتعقب بأنه غاير بينهما في قوله : ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) ( سورة البقرة : الآية 157 ) وقال ابن الأعرابي : الصلاة من الله الرحمة ، ومن الآدميين وغيرهم من الملائكة والجن الركوع والسجود والدعاء والتسبيح ، ومن الطير والهوام التسبيح ، قال تعالى : ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) ( سورة النور : الآية 41 ) .

                                                                                                          - ( مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ) بفتح المهملة وإسكان الزاي نسبة لجده .

                                                                                                          وفي رواية ابن وضاح وغيره : أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم على الأصل ( عن أبيه ) [ ص: 569 ] أبي بكر اسمه وكنيته واحد وقيل : يكنى أبا محمد ( عن عمرو ) بفتح العين ( ابن سليم ) بضم السين ( الزرقي ) بضم الزاي وفتح الراء وكسر القاف ( أنه قال : أخبرني ) بالإفراد ( أبو حميد ) بضم الحاء ( الساعدي ) الصحابي الشهير اسمه المنذر بن سعد بن المنذر أو ابن مالك ، وقيل : اسمه عبد الرحمن وقيل : عمرو ، شهد أحدا وما بعدها وعاش إلى أول سنة ستين ( أنهم ) أي الصحابة ( قالوا : يا رسول الله ) قال الحافظ : وقفت من تعيين من باشر السؤال على جماعة أبي بن كعب في الطبراني ، وبشير بن سعد عند مالك ، ومسلم وزيد بن خارجة الأنصاري عند النسائي ، وطلحة بن عبيد الله عند الطبراني ، وأبي هريرة عند الشافعي ، وعبد الرحمن بن بشير عند إسماعيل القاضي في كتاب فضل الصلاة ، وكعب بن عجرة عند ابن مردويه ، قال : فإن ثبت تعدد السائل فواضح ، وإن ثبت أنه واحد فالتعبير بصيغة الجمع إشارة إلى أن السؤال لا يختص به بل يريد نفسه ومن وافقه على ذلك ، وليس هو من التعبير عن البعض بالكل بل حمله على ظاهره من الجمع هو المعتمد لما ذكر .

                                                                                                          ( كيف نصلي عليك ؟ ) أي كيف اللفظ الذي يليق أن نصلي به عليك كما علمتنا السلام لأنا لا نعلم اللفظ اللائق بك ، ولذا عبر بكيف التي يسأل بها عن الصفة .

                                                                                                          قال الباجي : إنما سألوه صفة الصلاة عليه ولم يسألوا عن جنسها لأنهم لم يؤمروا بالرحمة وإنما أمروا بالدعاء .

                                                                                                          وقال ابن عبد البر : فيه أن من ورد عليه خبر محتمل لا يقطع فيه بشيء حتى يقف على المراد به إن وجد إليه سبيلا فسألوه لما احتمل لفظ الصلاة من المعاني .

                                                                                                          وفي الترمذي وغيره عن كعب بن عجرة لما نزلت : ( إن الله وملائكته ) ( سورة الأحزاب : الآية 56 ) قلنا : يا رسول الله قد علمنا السلام فكيف الصلاة ؟ ( فقال : قولوا : اللهم صل على محمد ) صلاة تليق به ( وأزواجه وذريته ) من كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولادة عليه من ولده وولد ولده قاله الباجي ( كما صليت على آل إبراهيم ) قال ابن عبد البر : يدخل فيه إبراهيم وآل محمد يدخل فيه محمد ، ومن هنا جاءت الآثار مرة بإبراهيم ومرة بآل إبراهيم وربما جاء ذلك في حديث واحد ، ومعلوم أن قوله تعالى : ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) ( سورة غافر : الآية 46 ) أن فرعون داخل معهم .

                                                                                                          ( وبارك على محمد وأزواجه وذريته ) قال العلماء : معنى البركة هنا الزيادة من الخير والكرامة ، وقيل : هي بمعنى التطهير والتزكية أي طهرهم ، وقد قال تعالى : ( ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ( سورة الأحزاب : الآية 33 ) وقيل : تكثير الثواب فالبركة لغة التكثير قاله الباجي ، وقيل المراد ثبات ذلك ودوامه من [ ص: 570 ] قولهم : بركت الإبل أي ثبتت على الأرض ، وبه جزم أبو اليمن بن عساكر فقال : وبارك أي أثبت لهم وأدم لهم ما أعطيتهم من الشرف والكرامة .

                                                                                                          قال السخاوي : ولم يصرح أحد بوجوب قوله : وبارك على محمد فيما عثرنا عليه غير أن ابن حزم ذكر ما يفهم منه وجوبها في الجملة ، فقال : على المرء أن يبارك عليه ولو مرة في العمر ، وظاهر كلام صاحب المغني من الحنابلة وجوبها في الصلاة ، قال المجد الشيرازي : والظاهر أن أحدا من الفقهاء لا يوافق على ذلك .

                                                                                                          ( كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد ) فعيل من الحمد بمعنى مفعول وهو من تحمد ذاته وصفاته أو المستحق لذلك ، أو بمعنى حامد أي يحمد أفعال عباده حول للمبالغة وذلك مناسب لزيادة الإفضال وإعطاء المراد من الأمور العظام ، ( مجيد ) بمعنى ماجد من المجد وهو الشرف ، واستشكل بأن المشبه دون المشبه به والواقع هنا عكسه لأن محمدا وحده أفضل من إبراهيم وآله ، وقضية ذلك أن الصلاة المطلوبة له أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره .

                                                                                                          وأجيب بأنه قال ذلك قبل علمه أنه أفضل من إبراهيم .

                                                                                                          وفي مسلم عن أنس : " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا خير البرية قال : ذاك إبراهيم " وتعقب بأنه لو كان كذلك لغير صفة الصلاة عليه بعد علمه أنه أفضل ، ورد بأنه لا تلازم بين علمه بأنه أفضل وبين التغيير ؛ لأن بقاء ذلك لا يستلزم نقصا فيه بل التغيير قد يوهم نقصا لإبراهيم ، أو قال ذلك تواضعا وشرعا لأمته ليكتسبوا به الفضيلة ، أو التشبيه إنما هو لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر كقوله : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ) ( سورة النساء : الآية 163 ) ومنه ( وأحسن كما أحسن الله إليك ) ( سورة القصص : الآية 77 ) ورجحه في المفهم .

                                                                                                          وقوله : " اللهم صل على محمد " مقطوع عن التشبيه فهو متعلق بقوله : وعلى آل محمد ، وتعقب بأنه مخالف لقاعدة الأصول في رجوع المتعلقات إلى جميع الجمل ، وبأن التشبيه قد جاء في بعض الروايات من غير ذكر الآل ، وبأن غير الأنبياء لا يمكن أن يساووا الأنبياء ، فكيف يطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لإبراهيم والأنبياء من آله ؟ ورد هذا بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم لا جميع الصفات التي كانت سببا للثواب ، أو أن كون المشبه به أرفع من المشبه لا يطرد بل قد يكون بالمثل بل بالدون كقوله تعالى : ( مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) ( سورة النور : الآية 35 ) وأين يقع نور طاقة فيها مصباح من نور العليم الفتاح ؟ لكن لما كان المراد من المشبه به أن يكون شيئا ظاهرا واضحا للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة ، وكذا هنا لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهورا واضحا عند جميع الطوائف حسن أن يطلب لمحمد وآله بالصلاة عليهم مثل ما حصل لإبراهيم وآله ، ويؤيده ختم الطلب المذكور بقوله في العالمين ، ولذا لم يقع في العالمين إلا في ذكر إبراهيم [ ص: 571 ] دون ذكر آل محمد على ما في الحديث التالي .

                                                                                                          وقال عياض : أظهر الأقوال أنه سأل ذلك لنفسه ولأهل بيته ليتم النعمة عليهم كما أتمها على إبراهيم وآله ، وقيل : بل سأل ذلك لأمته ، وقيل : بل ليبقى له ذلك دائما إلى يوم القيامة ويجعل له به لسان صدق في الآخرين كإبراهيم ، وقيل : سأل صلاة يتخذه بها خليلا كما اتخذ إبراهيم ، وقيل : هو على ظاهره والمراد اجعل لمحمد وآله صلاة بمقدار الصلاة التي لإبراهيم وآله ، والمسئول مقابلة الجملة بالجملة ، فإن المختار في الآل أنهم جميع الأتباع ، ويدخل في آل إبراهيم خلائق لا يحصون من الأنبياء ، ولا يدخل في آل محمد نبي ، فطلب إلحاق هذه الجملة التي فيها نبي واحد بتلك الجملة التي فيها خلائق من الأنبياء .

                                                                                                          قال النووي : وهذا وكون المشاركة في أصل الصلاة لا قدرها ، وكون المسئول له مثل إبراهيم وآله هم آل محمد لا نفسه هي الأقوال الثلاثة المختارة .

                                                                                                          وقال ابن القيم : الأحسن أن يقال هو صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم ، وقد ثبت ذلك عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى : ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم ) ( سورة آل عمران : الآية 33 ) قال : محمد من آل إبراهيم فكأنه أمرنا أن نصلي على محمد وعلى آل محمد خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموما ، فيحصل لآله ما يليق بهم ويبقى الباقي كله له ، وذلك القدر أزيد مما لغيره من آل إبراهيم وتظهره فائدة التشبيه ، وأن المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من الألفاظ .

                                                                                                          وقال الحليمي : سبب هذا التشبيه أن الملائكة قالت في بيت إبراهيم : رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد ، وقد علم أن محمدا وآل محمد من أهل بيت إبراهيم فكأنه قال : أجب دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد كما أجبتها عندما قالوها في آل إبراهيم الموجودين حينئذ ، ولذا ختم بما ختم به هذه الآية وهو قوله : إنك حميد مجيد .

                                                                                                          وهذا الحديث رواه البخاري في أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن يوسف وفي الدعوات عن عبد الله بن مسلمة ، ومسلم في الصلاة من طريق روح وعبد الله بن نافع ، والنسائي من طريق ابن القاسم خمستهم عن مالك به .




                                                                                                          الخدمات العلمية