الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                صفحة جزء
                                470 الحديث الثاني:

                                هو حديث طويل، فنذكره قطعا قطعا، ونشرح كل قطعة منه بانفرادها: قال البخاري - رحمه الله -:

                                484 - حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي: ثنا أنس بن عياض: ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، أن عبد الله بن عمر أخبره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذي الحليفة حين يعتمر وفي حجته حين حج تحت سمرة في موضع المسجد الذي بذي الحليفة، وكان إذا رجع من غزوة، وكان في تلك الطريق أو حج أو عمرة هبط بطن واد، فإذا ظهر من بطن واد أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فعرس ثم حتى يصبح، ليس عند المسجد الذي بحجارة ولا على الأكمة التي عليها المسجد، كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده في بطنه كثب، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي، فدحا فيه السيل بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه

                                [ ص: 594 ]

                                التالي السابق


                                [ ص: 594 ] ذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي ميقات أهل المدينة ، وتسمى - أيضا -: الشجرة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل بها حين يعتمر وحين حج حجة الوداع، وقد اعتمر منها مرتين: عمرة الحديبية ، وعمرة القضية.

                                وقد ذكر ابن عمر في حديثه هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل بها تحت سمرة في موضع المسجد الذي بني بها، وهذا يدل على أن المسجد لم يكن حينئذ مبنيا، إنما بني بعد ذلك في مكان منزل النبي صلى الله عليه وسلم منها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحرم منها، وكان يصلي بها في موضع المسجد.

                                وقد روي أنه صلى في المسجد، ولعل المراد في بقعته وأرضه، قبل أن يجعل مسجدا، حتى يجمع بذلك بين الحديثين.

                                وقد خرج البخاري في "الحج" عن إبراهيم بن المنذر - أيضا - عن أنس بن عياض ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة .

                                وخرج مسلم من حديث الزهري ، أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أخبره، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بذي الحليفة مبدأه، وصلى في مسجدها.

                                ومن حديث الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل.

                                وفي "الصحيحين" من حديث مالك ، عن موسى بن عقبة ، عن سالم ، عن أبيه، قال: ما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد - يعني: مسجد ذي الحليفة .

                                [ ص: 595 ] وفي رواية لمسلم من رواية حاتم بن إسماعيل ، عن موسى بن عقبة : إلا من عند الشجرة .

                                وخرج البخاري - أيضا - في "الحج" من حديث عمر بن الخطاب ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق يقول: " أتاني الليلة آت من ربي عز وجل، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة".

                                ووادي العقيق متصل بذي الحليفة .

                                فهذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في سفره إلى مكة .

                                فأما حاله في رجوعه إلى المدينة إذا رجع على ذي الحليفة من حج أو عمرة، أو من غزاة في تلك الجهة، فإنه كان يهبط بطن واد هنالك، فإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فيعرس هناك حتى يصبح.

                                قال الخطابي : التعريس: نزول استراحة بغير إقامة، وفي الأكثر يكون آخر الليل، ينزلون فينامون نومة خفيفة، ثم يرتحلون.

                                قال: والبطحاء: حجارة ورمل.

                                قلت: المراد بالتعريس هنا: نومه حتى يصبح.

                                وقد خرج البخاري في "الحج" عن إبراهيم بن المنذر ، عن أنس بن عياض ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة ، وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي، وبات حتى يصبح.

                                [ ص: 596 ] وخرج فيه - أيضا - من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ بالبطحاء بذي الحليفة فصلى بها، وكان عبد الله يفعل ذلك.

                                ومن طريق موسى بن عقبة ، قال: حدثني سالم بن عبد الله ، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رئي وهو معرس بذي الحليفة ببطن الوادي، قيل له: إنك ببطحاء مباركة. وقد أناخ بنا سالم يتوخى بالمناخ الذي كان عبد الله ينيخ، يتحرى معرس النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أسفل من المسجد الذي ببطن الوادي، بينه وبين الطريق، وسط من ذلك.

                                وقد خرجه مسلم مع حديث مالك الذي قبله، وخرج حديث أنس بن عياض بلفظ آخر.

                                فظهر من هذه الأحاديث كلها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت بالمعرس، وهو ببطحاء ذي الحليفة حتى يصبح ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي هناك، وأنه كان هناك مسجد قد بني ولم يكن في موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان قريبا منه.

                                وفي حديث سالم : أن المسجد كان ببطن الوادي، وفي حديث موسى بن عقبة عن نافع - الطويل الذي خرجه البخاري هنا - أنه كان مبنيا بحجارة على أكمة، وفي حديثه: أنه كان ثم خليج يصلي عبد الله عنده، في بطنه كثب، كان النبي صلى الله عليه وسلم ثم يصلي.

                                قال الخطابي : الخليج: واد له عمق، ينشق من آخر أعظم منه. والكثب: جمع كثيب، وهو ما غلظ وارتفع عن وجه الأرض.

                                [ ص: 597 ] وقوله: " فدحا السيل فيه بالبطحاء حتى دفن ذلك المكان الذي كان عبد الله يصلي فيه ".

                                قال الخطابي : معنى "دحا السيل": سواه بما حمل من البطحاء. والبطحاء: حجارة ورمل.

                                وهذه الصلاة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في هذا الموضع قد جاء في رواية أنها كانت صلاة الصبح إذا أصبح.

                                وقد خرجه الإمام أحمد عن موسى بن قرة ، عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن عبد الله حدثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرس بها حتى يصلي صلاة الصبح.

                                قال ابن عبد البر في كلامه على حديث مالك الذي ذكرناه من قبل: هذه البطحاء المذكورة في هذا الحديث هي المعروفة عند أهل المدينة وغيرهم بالمعرس .

                                قال مالك في " الموطأ ": لا ينبغي لأحد أن يتجاوز المعرس إذا قفل حتى يصلي فيه، وأنه من مر به في غير وقت صلاة فليقم حتى تحل الصلاة ثم يصلي ما بدا له ; لأنه بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرس به، وأن ابن عمر أناخ به.

                                قال ابن عبد البر : واستحبه الشافعي ، ولم يأمر به.

                                وقال أبو حنيفة : من مر بالمعرس من ذي الحليفة فإن أحب أن يعرس به حتى يصلي فعل، وليس ذلك عليه.

                                وقال محمد بن الحسن : هو عندنا من المنازل التي نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في [ ص: 598 ] طريق مكة ، وبلغنا أن ابن عمر كان يتبع آثاره، فلذلك كان ينزل بالمعرس ، لا أنه كان يراه واجبا ولا سنة على الناس. قال: ولو كان واجبا أو سنة من سنن الحج لكان سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقفون وينزلون ويصلون، ولم يكن ابن عمر ينفرد بذلك دونهم.

                                وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي : ليس نزوله صلى الله عليه وسلم بالمعرس كسائر نزوله بطريق مكة ; لأنه كان يصلي الفريضة حيث أمكنه، والمعرس إنما كان يصلي فيه نافلة. قال: ولو كان المعرس كسائر المنازل ما أنكر ابن عمر على نافع تأخره عنه.

                                وذكر حديث موسى بن عقبة ، عن نافع ، أن ابن عمر سبقه إلى المعرس فأبطأ عليه، فقال له: ما حبسك؟ فذكر عذرا، قال: ما ظننت أنك أخذت الطريق ولو فعلت لأوجعتك ضربا. انتهى.

                                وفي قوله: "إنه صلى بالمعرس نافلة" نظر، وقد قدمنا أنه إنما صلى به الصبح لما أصبح.

                                وظاهر كلام أحمد : استحباب الصلاة بالمعرس ، فإنه قال في رواية صالح : كان ابن عمر لا يمر بموضع صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم إلا صلى فيه، حتى إنه صب الماء في أصل شجرة، فكان ابن عمر يصب الماء في أصلها.

                                وإنما أخرج أحمد ذلك مخرج الاحتجاج به ; فإنه في أول هذه الرواية استحب ما كان ابن عمر يفعله من مسح منبر النبي صلى الله عليه وسلم ومقعده منه.

                                وقد تبين بهذه النصوص المذكورة في هذا الموضع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من المدينة إلى مكة في طريق ويرجع في غيره، كما كان يفعل ذلك في العيدين، وكما كان يدخل مكة من أعلاها ويخرج من أسفلها.

                                [ ص: 599 ] وقد خرج البخاري في "الحج" من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المعرس .

                                وخرجه مسلم - أيضا.

                                وهذا يدل على أن موضع الشجرة - وهو مسجد ذي الحليفة - غير طريق المعرس ، والذي كان يرجع منه.

                                وخرج البزار نحوه من حديث أبي هريرة .

                                ثم رجعنا إلى بقية حديث موسى بن عقبة عن نافع الذي خرجه البخاري هاهنا.



                                الخدمات العلمية