الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            الباب الخامس

                                                                                                                                                                                                                                            في تفسير سورة الفاتحة ، وفيه فصول

                                                                                                                                                                                                                                            الفصل الأول

                                                                                                                                                                                                                                            في تفسير قوله تعالى : ( الحمد لله ) وفيه وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : هاهنا ألفاظ ثلاثة : الحمد والمدح والشكر ، فنقول : الفرق بين الحمد والمدح من وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أن المدح قد يحصل للحي ولغير الحي ، ألا ترى أن من رأى لؤلؤة في غاية الحسن أو ياقوتة في غاية الحسن فإنه قد يمدحها ، ويستحيل أن يحمدها ، فثبت أن المدح أعم من الحمد .

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الثاني في الفرق : أن المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده ، أما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان .

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الثالث في الفرق : أن المدح قد يكون منهيا عنه ، قال عليه الصلاة والسلام : " احثوا التراب في وجوه المداحين " أما الحمد فإنه مأمور به مطلقا ، قال صلى الله عليه وسلم : [ ص: 179 ] " من لم يحمد الناس لم يحمد الله " .

                                                                                                                                                                                                                                            الوجه الرابع : أن المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصا بنوع من أنواع الفضائل ، وأما الحمد فهو القول الدال على كونه مختصا بفضيلة معينة ، وهي فضيلة الإنعام والإحسان . فثبت بما ذكرنا أن المدح أعم من الحمد .

                                                                                                                                                                                                                                            وأما الفرق بين الحمد وبين الشكر فهو أن الحمد يعم ما إذا وصل ذلك الإنعام إليك أو إلى غيرك ، وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك .

                                                                                                                                                                                                                                            إذا عرفت هذا فنقول : قد ذكرنا أن المدح حاصل للحي ولغير الحي ، وللفاعل المختار ولغيره ، فلو قال : المدح لله لم يدل ذلك على كونه تعالى فاعلا مختارا ، أما لما قال : الحمد لله فهو يدل على كونه مختارا ، فقوله : ( الحمد لله ) يدل على كون هذا القائل مقرا بأن إله العالم ليس موجبا بالذات كما تقول الفلاسفة بل هو فاعل مختار ، وأيضا فقوله : الحمد لله أولى من قوله : الشكر لله ؛ لأن قوله : الحمد لله ثناء على الله بسبب كل إنعام صدر منه ووصل إلى غيره ، وأما الشكر لله فهو ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل ، ولا شك أن الأول أفضل ؛ لأن التقدير كأن العبد يقول : سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين ، وأنت مستحق للحمد العظيم ، وقيل : الحمد على ما دفع الله من البلاء ، والشكر على ما أعطى من النعماء .

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قيل : النعمة في الإعطاء أكثر من النعمة في دفع البلاء ، فلماذا ترك الأكثر وذكر الأقل ؟ قلنا فيه وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : كأنه يقول : أنا شاكر لأدنى النعمتين فكيف لأعلاهما .

                                                                                                                                                                                                                                            الثاني : المنع غير متناه ، والإعطاء متناه ، فكان الابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له أولى .

                                                                                                                                                                                                                                            الثالث : أن دفع الضرر أهم من جلب النفع ؛ فلهذا قدمه .

                                                                                                                                                                                                                                            الفائدة الثانية : أنه تعالى لم يقل : أحمد الله ، ولكن قال : ( الحمد لله ) وهذه العبارة الثانية أولى ؛ لوجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : أنه لو قال : أحمد الله ، أفاد ذلك كون ذلك القائل قادرا على حمده ، أما لما قال : ( الحمد لله ) فقد أفاد ذلك أنه كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين ، فهؤلاء سواء حمدوا أو لم يحمدوا ، وسواء شكروا أو لم يشكروا ، فهو تعالى محمود من الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : أن قولنا الحمد لله ، معناه أن الحمد والثناء حق لله وملكه ، فإنه تعالى هو المستحق للحمد بسبب كثرة أياديه وأنواع آلائه على العباد ، فقولنا : الحمد لله معناه أن الحمد لله حق يستحقه لذاته ، ولو قال : أحمد الله ، لم يدل ذلك على كونه مستحقا للحمد لذاته ، ومعلوم أن اللفظ الدال على كونه مستحقا للحمد أولى من اللفظ الدال على أن شخصا واحدا حمده .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : أنه لو قال : أحمد الله لكان قد حمد ، لكن لا حمدا يليق به ، وأما إذا قال : الحمد لله ، فكأنه قال : من أنا حتى أحمده ؟ لكنه محمود بجميع حمد الحامدين ، مثاله ما لو سئلت : هل لفلان عليك نعمة ؟ فإن قلت : نعم ، فقد حمدته ولكن حمدا ضعيفا ، ولو قلت في الجواب : بل نعمه على كل الخلائق ، فقد حمدته بأكمل المحامد .

                                                                                                                                                                                                                                            ورابعها : أن الحمد عبارة عن صفة القلب ، وهي اعتقاد كون ذلك المحمود متفضلا منعما مستحقا للتعظيم والإجلال ، فإذا تلفظ الإنسان بقوله : أحمد الله مع أنه كان قلبه غافلا عن معنى التعظيم اللائق بجلال الله كان كاذبا ؛ لأنه أخبر عن نفسه بكونه حامدا مع أنه ليس كذلك ، أما إذا قال : الحمد لله ، سواء كان غافلا أو مستحضرا لمعنى التعظيم فإنه يكون صادقا ؛ لأن معناه أن الحمد حق لله وملكه ، وهذا المعنى حاصل سواء كان العبد مشتغلا بمعنى التعظيم والإجلال أو لم يكن ، فثبت أن قوله : الحمد لله [ ص: 180 ] أولى من قوله : أحمد الله ، ونظيره قولنا : لا إله إلا الله ، فإنه لا يدخله التكذيب ، بخلاف قولنا : أشهد أن لا إله إلا الله ؛ لأنه قد يكون كاذبا في قوله : أشهد ؛ ولهذا قال تعالى في تكذيب المنافقين : ( والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ) [ المنافقون : 1 ] ولهذا السر أمر في الأذان بقوله : أشهد ، ثم وقع الختم على قوله : لا إله إلا الله .

                                                                                                                                                                                                                                            الفائدة الثالثة : اللام في قوله : الحمد لله يحتمل وجوها كثيرة :

                                                                                                                                                                                                                                            أحدها : الاختصاص اللائق كقولك : الجل للفرس .

                                                                                                                                                                                                                                            وثانيها : الملك كقولك : الدار لزيد .

                                                                                                                                                                                                                                            وثالثها : القدرة والاستيلاء ، كقولك : البلد للسلطان ، واللام في قولك : الحمد لله يحتمل هذه الوجوه الثلاثة ، فإن حملته على الاختصاص اللائق فمن المعلوم أنه لا يليق الحمد إلا به لغاية جلاله وكثرة فضله وإحسانه ، وإن حملته على الملك فمعلوم أنه تعالى مالك للكل ، فوجب أن يملك منهم كونهم مشتغلين بحمده ، وإن حملته على الاستيلاء والقدرة فالحق سبحانه وتعالى كذلك ؛ لأنه واجب لذاته ، وما سواه ممكن لذاته ، والواجب لذاته مستول على الممكن لذاته ، فالحمد لله بمعنى أن الحمد لا يليق إلا به ، وبمعنى أن الحمد ملكه وملكه ، وبمعنى أنه هو المستولي على الكل والمستعلي على الكل .

                                                                                                                                                                                                                                            الفائدة الرابعة : قوله : ( الحمد لله ) ثمانية أحرف ، وأبواب الجنة ثمانية ، فمن قال هذه الثمانية عن صفاء قلبه استحق ثمانية أبواب الجنة .

                                                                                                                                                                                                                                            الفائدة الخامسة : الحمد لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف ، وفيه قولان :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أنه إن كان مسبوقا بمعهود سابق انصرف إليه ، وإلا يحمل على الاستغراق ؛ صونا للكلام عن الإجمال .

                                                                                                                                                                                                                                            والقول الثاني : أنه لا يفيد العموم إلا أنه يفيد الماهية والحقيقة فقط . إذا عرفت هذه فنقول : قوله : ( الحمد لله ) إن قلنا بالقول الأول أفاد أن كل ما كان حمدا وثناء فهو لله وحقه وملكه ، وحينئذ يلزم أن يقال : إن ما سوى الله فإنه لا يستحق الحمد والثناء البتة ، وإن قلنا بالقول الثاني كان معناه أن ماهية الحمد حق لله تعالى وملك له ، وذلك ينفي كون فرد من أفراد هذه الماهية لغير الله ، فثبت على القولين أن قوله : ( الحمد لله ) ينفي حصول الحمد لغير الله .

                                                                                                                                                                                                                                            فإن قيل : أليس أن المنعم يستحق الحمد من المنعم عليه ، والأستاذ يستحق الحمد من التلميذ ، والسلطان العادل يستحق الحمد من الرعية ، وقال عليه السلام : من لم يحمد الناس لم يحمد الله .

                                                                                                                                                                                                                                            قلنا : إن كل من أنعم على غيره بإنعام فالمنعم في الحقيقة هو الله تعالى ؛ لأنه لولا أنه تعالى خلق تلك الداعية في قلب ذلك المنعم ، وإلا لم يقدم على ذلك الإنعام ، ولولا أنه تعالى خلق تلك النعمة وسلط ذلك المنعم عليها ، ومكن المنعم عليه من الانتفاع - لما حصل الانتفاع بتلك النعمة ، فثبت أن المنعم في الحقيقة هو الله .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية