الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      التفسير:

                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا الآية.

                                                                                                                                                                                                                                      ذكر السدي وغيره من المفسرين: أنها نزلت في الأخنس بن شريق، وكان حليفا لبني زهرة، وكان قد أتى معهم يوم بدر لقتال النبي صلى الله عليه وسلم، فأشار عليهم [ ص: 486 ] حين وصلوا إلى الجحفة بالرجوع، وترك القتال، فأطاعوه، فخنس بهم من المشركين; أي: رجع; فسمي الأخنس لذلك، وأتى بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وحلف أنه لم يأت إلا رغبة في الإسلام، ثم خرج من عنده، فأحرق زرعا للمسلمين، وعقر حمرا، فنزلت الآية فيه.

                                                                                                                                                                                                                                      وفيه نزل: ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم [القلم: 10-11]، و ويل لكل همزة لمزة [الهمزة: 1].

                                                                                                                                                                                                                                      وقال الحسن : نزلت الآية في المنافقين.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: وهو ألد الخصام أي: شديد الخصومة، و(اللدد) في الخصومة: العدول بها إلى الجانب الذي يقصده المخاصم، مأخوذ من (اللديد) ؛ وهو الجانب، و {الخصام} : جمع خصم، كأنه قال: أشد المخاصمين خصومة، عن الزجاج .

                                                                                                                                                                                                                                      الخليل: هو مصدر.

                                                                                                                                                                                                                                      ويهلك الحرث والنسل : قال ابن عباس : {الحرث} : حرث الناس، و {والنسل} : نسل كل دابة، و {والنسل} : الولد، واشتقاقه: من (نسل ينسل وينسل) ؛ إذا خرج.

                                                                                                                                                                                                                                      ولبئس المهاد أي: الفراش والوطاء.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 487 ] وقوله: ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله أي: يبيعها.

                                                                                                                                                                                                                                      ونزلت الآية فيما ذكره عكرمة وغيره- في صهيب، وكان مملوكا لزيد بن جدعان، فاشترى نفسه بماله كله من المشركين، ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: نزلت في صهيب وأبي ذر حين هربا من المشركين، يريدان المدينة، فأتبعهما المشركون، فهرب أبو ذر، ووقف صهيب، فانتثر ما في كنانته، وأخذ قوسه، وقال: ايم الله، لا تصلون إلي حتى أرمي ما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم، فسألوه أن يدلهم على ماله بمكة ويرجعوا عنه، ففعل، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم; قال له: «ربح البيع أبا يحيى» .

                                                                                                                                                                                                                                      الحسن : هي في كل من باع نفسه في الجهاد.

                                                                                                                                                                                                                                      غيره: هي في كل من باع نفسه في أمر يرضي به الله تعالى.

                                                                                                                                                                                                                                      وقوله: ادخلوا في السلم كافة : {السلم} بالكسر: الإسلام، وبالفتح: المسالمة، وقد يستعمل كل واحد منهما مكان الآخر.

                                                                                                                                                                                                                                      و {كافة} : مأخوذة من الكف; وهو الجمع والإحاطة.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 488 ] الزجاج : هو مأخوذ من المنع، فالجماعة ممنوعة من التفرق، والمعنى: ادخلوا كلكم في [الإسلام، وقيل: المعنى: ادخلوا في] السلم كله; أي: في جميع شرائع الإسلام، على ما روي عن عكرمة وغيره: أن قوما من اليهود أسلموا، وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم: أن يقيموا على تحريم السبت، والقيام بالتوراة آناء الليل وأطراف النهار، فنزلت الآية فيهم.

                                                                                                                                                                                                                                      الضحاك : المراد بالآية: من آمن بالأنبياء، أمروا أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم; فـ {كافة} على هذا: حال من المأمورين.

                                                                                                                                                                                                                                      فإن زللتم أي: تنحيتم عن طريق الاستقامة.

                                                                                                                                                                                                                                      فاعلموا أن الله عزيز : لا يمتنع عليه ما يريده، {حكيم} : فيما يفعله.

                                                                                                                                                                                                                                      هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة المعنى: يأتيهم أمره، وقيل: المعنى: أن يأتيهم الله بالعذاب في ظلل من الغمام، وقيل: المعنى: بظلل من الغمام; فـ {في} بمعنى (الباء) .

                                                                                                                                                                                                                                      ابن عباس : المعنى: أن يأتيهم الله بوعده ووعيده، ويكشف لهم يوم [ ص: 489 ] القيامة عن أمور كانت مستورة عنهم.

                                                                                                                                                                                                                                      ولا يجوز أن يحمل هذا وأشباهه مما جاء في القرآن والخبر على وجه الانتقال، والحركة، والزوال، وما لا يجوز على الباري جل وعز.

                                                                                                                                                                                                                                      وقضي الأمر أي: فرغ منه.

                                                                                                                                                                                                                                      ترجع الأمور يعني: الحساب، والعقاب، والثواب.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: قال ذلك; لأن قوما كانوا في الدنيا يجورون في أمور، ويأخذون ما لا يستحقون، فأخبر تعالى أن مرجع تلك الأمور كلها إليه.

                                                                                                                                                                                                                                      [وقيل: قال ذلك; لأن الضلال ظنوا أن من عبدوه من دون الله يملك الضر والنفع، فأخبر تعالى أن الأمر يوم القيامة له.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: إن المعنى: أن الأمور ترجع إلى الفناء، كما كانت في الابتداء.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: هو إخبار عن كون الأمور بيد الله عز وجل; من غير خروج ولا رجوع; كما يقال: (رجع علي من فلان مكروه) ، ولم يكن سبق قبل ذلك.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله عز وجل]: سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة يعني: في تصحيح أمر النبي عليه الصلاة والسلام.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 490 ] مجاهد، والحسن، وغيرهما: يعني: الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام، وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على وجه التقريع لهم والتوبيخ.

                                                                                                                                                                                                                                      قوله: ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته أي: يكفر بها; لأنهم بدلوا ما في كتبهم، قاله مجاهد وغيره.

                                                                                                                                                                                                                                      فإن الله شديد العقاب أي: شديد العقاب له، ولمستحقه.

                                                                                                                                                                                                                                      زين للذين كفروا الحياة الدنيا قيل: الله زينها بما خلق فيها.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: الشيطان بوسوسته; لأن الله زهد فيها.

                                                                                                                                                                                                                                      ويسخرون من الذين آمنوا : لإقلالهم.

                                                                                                                                                                                                                                      والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة أي: المتقون حالهم في الآخرة فوق حال الكفار في الدنيا، فأما الآخرة; فلا تفاضل بينهم فيها; إذ لا فضل فيها للكفار.

                                                                                                                                                                                                                                      والله يرزق من يشاء بغير حساب قيل: معناه: بغير تقتير ولا تضييق، [والعرب تسمي العطاء القليل: محسوبا]، [قال قيس بن الخطيم : [من الكامل]

                                                                                                                                                                                                                                      ما تمنعني يقظى فقد تؤتينه في النوم غير مصرد محسوب

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: هو راجع إلى المرزوق; أي: يعطي المرزوق ما لم يكن في حسابه.

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 491 ] وقيل: معناه: أنه لا يعطي ليجازي; ولذلك يقال: فلان يحاسب الناس على ما يعطيهم.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: نزلت في أموال قريظة والنضير ; لأنها صارت إلى المسلمين بغير حساب ولا قتال، على أسهل الأمور، قاله ابن عباس ].

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: لأنه لا يعطي العدد من عدد أكثر منه، كالمخلوقين.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: معنى بغير حساب : أنه لا نهاية له، وما لا نهاية له لا حساب له، وذلك في الجنة.

                                                                                                                                                                                                                                      وقيل: الذي بغير حساب: التفضل، والذي بحساب في نحو قوله: جزاء من ربك عطاء حسابا [النبأ: 36]: ما كان على عمل قدمه العبد.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية