الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
قال : ( وإذا أدرك الرجل ركعة مع الإمام من المغرب فلما سلم الإمام قام يقضي قال : يصلي ركعة ويقعد ) ، وهذا استحسان ، والقياس يصلي ركعتين ثم يقعد ; لأنه يقضي ما فاته فيقضي كما فاته ، ويؤيد هذا القياس بالسنة وهو قوله صلى الله عليه وسلم : { وما فاتكم فاقضوا } ووجه الاستحسان أن هذه الركعة ثانية هذا المسبوق ، والقعدة بعد الركعة الثانية في صلاة [ ص: 190 ] المغرب سنة ، وهذا لأن الثانية هي الثالثة للأولى ، والثانية للأولى في حقه هذه الركعة ، وروي أن جندبا ومسروقا رضي الله تعالى عنهما ابتليا بهذا ، فصلى جندب ركعتين ثم قعد ، ومسروق ركعة ثم قعد ، ثم صلى ركعة أخرى ، فسألا عن ذلك ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، فقال : كلاكما أصاب ، ولو كنت أنا لصنعت كما صنع مسروق ، وتأويل قوله : كلاكما أصاب طريق الاجتهاد ، فأما الحق فواحد غير متعدد ، ثم ما يصلي المسبوق مع الإمام آخر صلاته حكما عند أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله تعالى - وعند محمد رحمه الله تعالى في القراءة والقنوت هو آخر صلاته ، وفي حكم القعدة هو أول صلاته ، ومذهبه مذهب ابن مسعود ، ومذهبهما مذهب علي رضي الله تعالى عنه ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه هو أول صلاته فعلا وحكما ; لأنه لا يتصور الآخر إلا بعد الأول في الأداء ، ألا ترى أن تكبيرة الافتتاح في حقه أول الصلاة فكذلك ما بعده ، ولكنا نقول : لو كان هذا مؤديا لأول الصلاة كان مخالفا لإمامه ، ولا يصح الاقتداء به كيف وقد قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم { ما فاتكم فاقضوا } فهو نص على أنه مؤد مع الإمام ما أدرك لا ما فاته ، ولكن محمد رحمه الله تعالى جعله في حكم القراءة هكذا احتياطا حتى تلزمه القراءة فيما يقضي ; لأن القراءة مكررة في صلاة واحدة ، وكذلك في حكم القنوت ; لأنه يتكرر في صلاة واحدة ، فلو جعلنا ما يؤديه مع الإمام أول الصلاة للزمه القنوت فيما يقضي ، فيؤدي إلى تكرار القنوت في صلاة واحدة ، فأما في حكم القعدة فتتم الصلاة بقعدة هي ركن ، ولن يكون ذلك إلا بعد أن يجعل ما يؤديه مع الإمام أول الصلاة ، فلهذا قعد إذا صلى ركعة ، وحكي عن يحيى البناء وكان من أصحاب محمد رحمه الله تعالى أنه سأله عن هذه المسألة ، فأجاب بما قلنا ، فقال على وجه السخرية : هذه صلاة معكوسة ، فقال محمد رحمه الله تعالى لا أفلحت ، قال : وكان كما قال : أفلح أصحابه ولم يفلح بدعائه .

التالي السابق


الخدمات العلمية