الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

بعد انتقالي للدراسة في مدينة بعيدة، أصبت بمشاكل نفسية عديدة!

السؤال

السلام عليكم.

أنا محمد، وعمري 19 سنة، طالب في جامعة -والحمد لله- معروفة بسمعتها الممتازة في بلدي، أي أنها جامعة لمن يتحصلون على المعدلات الممتازة، وهذه الجامعة بعيدة عن منزلي حوالي 600 كليو متر؛ لذا أنا بعيد عن أهلي ولا أراهم إلا نادرًا.

بعد حوالي أسبوع من بدء الدراسة بدأت أشعر بالنقص، وأني مجرد غبي بين مجموعة من العباقرة، رغم أنني أفهم الدروس، ولا أعاني من مشكلة في فهمها، إلا أنني عندما أرى شخصًا يجيب عن أسئلة لم أستطع الإجابة عنها أستاء، وأجلد ذاتي، وأقول في نفسي أنت ضعيف ولا تصلح أن تكون بين هؤلاء الطلاب، ومن هنا بدأ الكابوس الذي تخلصت منه قبل عامين، -كنت أعاني من وسواس قهري، واضطراب الأنية، وقلق-، فصرت ضعيف الثقة بنفسي، وأخاف أن أتناقش مع الأستاذ أو مع زملائي؛ لأنني لا أعتبر نفسي في مستواهم، وأنني مجرد وضيع يحاول أن يتذاكى، فصرت أبكي لأبسط الأسباب، وصرت أشعر بالوحدة والعزلة بعيدًا عن منزلي، وأصبحت أعاني من رهاب اجتماعي، وهذا أثر على مستواي الدراسي، وأحسست أني أتراجع، وأصبحت أراجع دروسي بدون شغف، وبصعوبة شديدة، وحالتي في تدهور.

ما أطلبه من حضرتكم، أن تساعدوني لإيجاد حلٍّ للمشكلة؛ لأني حزين كل الأيام، ولا أشعر بأني كما كنت في السابق، لدرجة أنني بدأت أكره الجامعة، وحتى نفسي!

شكرًا لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أولًا: أود أن أعبر عن تعاطفي مع ما تمر به، التحول من العيش في بيئة مألوفة إلى بيئة جديدة وتنافسية مثل الجامعة؛ يمكن أن يكون تحديًا كبيرًا، من الطبيعي جدًا أن تشعر بمشاعر القلق، وعدم الأمان في بيئة جديدة وتنافسية، خاصةً إذا كانت بعيدة عن الدعم العاطفي الذي يوفره الأهل والأصدقاء.

إليك بعض الاقتراحات التي قد تساعدك:

1. قد يكون من المفيد التحدث مع مستشار نفسي أو معالج، والذي يمكن أن يساعدك في التعامل مع مشاعر النقص، والقلق، والرهاب الاجتماعي. الجامعات غالبًا ما تقدم خدمات الدعم النفسي للطلاب.

2. حاول أن تتذكر الإنجازات التي أوصلتك إلى هذه الجامعة المرموقة، أنت هناك لأنك تستحق ذلك، ولأن لديك القدرة على النجاح.

3. التحدث مع الأساتذة والمشرفين يمكن أن يوف لك الدعم الأكاديمي والمعنوي، لا تخشَ طلب المساعدة أو الإرشاد؛ فهذا يظهر رغبتك في التعلم والتحسن.

4. حاول أن تجد زملاء أو أندية طلابية تشارك فيها اهتماماتك، هذا سيساعدك على الشعور بأنك جزء من المجتمع الجامعي، وقد يخفف من شعورك بالوحدة.

5. تعلم كيفية إدارة الوقت والضغوط الدراسية بطريقة صحية، حدد أولوياتك، واعمل على تقسيم المهام الكبيرة إلى أجزاء صغيرة ومنظمة.

6. مارس أنشطة تخفف الضغط، كممارسة الرياضة، تمارين الاسترخاء، أو أي هوايات تحبها، فهي تساعد في تخفيف التوتر، وتحسين الصحة النفسية.

7. حافظ على اتصال منتظم مع الأهل والأصدقاء، التحدث معهم يمكن أن يقدم لك الراحة والدعم.

8. أعط نفسك الوقت للتأقلم مع البيئة الجديدة، كل شيء جديد يحتاج إلى وقت حتى يصبح مألوفًا.

بـخصوص "اضطراب الأنية" الذي أشرت إليه، أو ما يُعرف باضطراب الهوية، هو حالة نفسية قد تشمل الشعور بالاغتراب عن الذات، أو الشعور بالانفصال عن الواقع، يمكن أن يُعبر عنه في عدة أشكال، مثل:

- اضطراب الهوية الأنية (Depersonalization)؛ حيث يشعر الشخص بالانفصال عن نفسه، كأنه يراقب نفسه من خارج جسده، أو كأن مشاعره وأفكاره ليست جزءاً من ذاته.

- اضطراب الواقع الأنية (Derealization): الشعور بأن العالم الخارجي غير حقيقي أو مشوه، وقد يصفه البعض كأنه يعيش في حلم أو فيلم.

هذه الاضطرابات قد تحدث بسبب الإجهاد الشديد، القلق، الصدمة، أو كجزء من اضطرابات أخرى، مثل: القلق، والاكتئاب، أيضًا قد يكون للعزلة الاجتماعية، وتغيير البيئة دور في تفاقم هذه المشاعر.

معالجة اضطراب الأنية تتضمن عادة مزيجًا من العلاج النفسي، مثل العلاج السلوكي المعرفي، وقد يشمل أيضًا أدوية لعلاج القلق أو الاكتئاب إذا كانت هذه الأعراض حاضرة، التقنيات التي تساعد في البقاء في الحاضر، مثل تمارين الوعي الذهني (mindfulness)، قد تكون مفيدة أيضًا.

من المهم جدًا أن يسعى الشخص الذي يعاني من هذه الأعراض للحصول على الدعم من محترفي الصحة النفسية؛ لأن هذه الحالة قد تكون معقدة، وقد تؤثر بشكل كبير على جودة حياة الشخص وقدرته على العمل والدراسة.

كما أن في الإسلام، هناك عدة ممارسات دينية قد تساعد في تخفيف الضغوط النفسية، وتقديم الراحة الروحية والذهنية:

1. الصلاة والذكر؛ تعتبر الصلاة عمود الدين، وهي وسيلة للتقرب إلى الله، وتحقيق السكينة والطمأنينة، يمكن للذكر وقراءة القرآن أن يكونا مصدر راحة وتأمل، ويساعدان في التغلب على القلق والتوتر ﴿وَٱسۡتَعِینُوا۟ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِیرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَـٰشِعِینَ﴾ [البقرة ٤٥].

2. الاهتمام بالدعاء، والتضرع إلى الله في الأوقات الصعبة، وطلب العون والهداية والصبر ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِیۤ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِی سَیَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِینَ﴾ [غافر ٦٠].

3. التأمل في خلق الله، والتفكر في آيات القرآن يمكن أن يساعد في الشعور بالراحة والاستقرار الروحي، والتأمل في خلق الله عبادة روحية عظيمة، وتفيد في مثل هذه الاضطرابات ﴿ٱلَّذِینَ یَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِیَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَیَتَفَكَّرُونَ فِی خَلۡقِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبۡحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران ١٩١].

4. الصدقة، ومساعدة الآخرين يمكن أن تحسن من الحالة النفسية، ويشعر الشخص بالرضا، والقيمة الذاتية.

5. التحدث مع شخص مؤهل، مثل: المرشد الديني، أو الاستشاري النفسي، قد يساعد في العثور على حلول ومواجهة الصعوبات.

6. ممارسة الرياضة، والأنشطة البدنية، والاهتمام بالصحة البدنية، وهو ما يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على الصحة النفسية.

7. تنظيم الوقت، وإقامة روتين يومي متوازن بين العبادة والدراسة والراحة قد يساعد في تقليل الشعور بالضغط.

8. الاحتفاظ برفقة الأشخاص الإيجابيين والتفاؤل يمكن أن يكون له تأثير كبير على الحالة النفسية.

تذكر أن الطريق إلى التحسن يبدأ بخطوة واحدة، الشعور بالقلق، والشك في النفس، هو جزء من التحديات التي يمكن أن تواجهها، لكن يمكنك تجاوزها بالمساعدة المناسبة والتحلي بالإيجابية، اعلم أنه ليس عليك أن تواجه هذه التحديات بمفردك، وهناك دائمًا موارد وأشخاص مستعدون لمساعدتك.

وفقك الله.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت إجابة الأستاذ/ فيصل العشاري -استشاري نفسي تربوي-
وتليها إجابة د. محمد عمر آل طاهر -مستشار أول الطب النفسي العام-.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أرحب بك في موقع إسلام ويب، وأشكرك على سؤالك، وأود أيضًا التعبير لك عن تعاطفي معك، ولا شك أن رغبتك في إيجاد حل هو أول الطريق للحل -بإذن الله-.

اطلعت على رسالتك وما حوته من معاناة، هناك عوامل كثيرة كان لها تأثير على حالتك النفسية، منها: تغيير البيئة المألوفة التي كنت تعيش فيها، ومن حولك من الأهل، والأصدقاء، والأقارب، وعند الانتقال إلى منطقة جديدة يحتاج الشخص إلى وقت للتأقلم على الحياة والبيئة الجديدة، كما يحتاج إلى عوامل مساعدة، منها: عوامل الشخصية، والدعم الاجتماعي، والنفسي، والروحي.

فهمت من رسالتك أنك كنت تعاني من وسواس قهري، وأنك الآن بدأت لديك بعض علامات اضطراب القلق، وكذلك علامات الحزن، وأنك لم تستطع بعد التأقلم مع متطلبات دراستك الجامعية.

أولًا: أود أن اطمئنك بأن الكثير من الطلاب يمرون بفترة عدم استقرار عند انتقالهم للحياة الجامعية، وتختلف مدتها بقدرتهم على تجاوز الصعوبات العملية الحياتية والاجتماعية والنفسية والروحية.

ثانيًا: لا بد لك من تغيير التفكير السلبي عند تقييم نفسك، خاصة وأنت في رسالتك قلت أن هذه الجامعة يدخلها من تحصلوا على درجات عالية وأنت منهم.

ثالثًا: العمل على إعادة ثقتك بنفسك بالتركيز على قدراتك الإيجابية، والابتعاد عن مقارنة نفسك بالآخرين.

رابعًا: الاهتمام بالمعينات التي تساعدك على التأقلم، ومنها: إيجاد علاقات جديدة من الأصدقاء ممن تثق بهم، وإيجاد من يساعدك ويدعمك خلال هذه المرحلة.

خامسًا: الاهتمام بالأنشطة والرياضات التي تساعد على الاسترخاء، وتعديل المزاج، والصحة العامة والنوم.

ومن المهم عدم إهمال الجوانب الروحية، وأداء الواجبات الدينية لما لذلك من آثار على سرعة التأقلم، أما في حالة استمرار الأعراض وعدم الاستجابة لكل هذه الخطوات؛ أنصحك بمقابلة معالج نفسي لمساعدتك ببعض التدخلات العلاجية النفسية.

حفظك الله ورعاك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً