الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أريد أن أصلح نفسي وأنفع أمتي، فما السبيل إلى ذلك؟

السؤال

السلام عليكم

أريد أن أصبح فتاةً جيدةً تنفع الأمة، وأماً جيدةً تنجب رجالًا، لا أعرف من أين أبدأ، أو كيف أبدأ، فأنا فعليًا بدأت بحفظ أجزاء من القرآن، لكن أجد صعوبةً في الحفظ لوحدي، ولا أستطيع الذهاب لدور حفظ القرآن الخاصة بالنساء، فهل تنصحوني بكتب أو خطوات أبدأ بها؟ علمًا أني لست متزوجة، لكني عازمة على تغير الأجيال القادمة -بعون الله- بدايةً بنفسي.

هل يمكنكم إعطائي بعض النقاط أو الخطوات التي أطبقها لتحقيق هدفي، أو كُتب أقرأها، أو حتى رجال دين أسمع لهم؟

جزاكم ربي كل خير، وأرجو أن ينتفع جميع من يقرأ هذه الاستشارة، ونسأل الله الأجر لي ولكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سونا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحباً بك -أختي الفاضلة- في استشارات إسلام ويب، وأسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

أختي الفاضلة -من بلد الرباط المباركة- هنيئاً لك هذه الهمة العالية، وهذه الرغبة القوية في إصلاح نفسك، وهنيئاً لك هذا الطموح الكبير في صناعة الأجيال، التي ينفع الله بها، فكم نحن بحاجة لمثل هذه الهمم الراقية، في نساء الأمة اليوم.

أختي الفاضلة، لقد أحسنت في إدراك قضية مهمة، تتمثل في أن صلاح الأمة يبدأ من النفس أولاً، قال تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وهذه هي الخطوة الأولى لأي تغيير إيجابي في الحياة، فأول طريق لصلاح الناس والأمة يبدأ بإصلاح النفس، وتهذيبها، يقول تعالى: (قد أفلح من تزكى).

إن طريق ذلك يكون بتحقيق أمرين: (التخلية والتحلية)، فيتم تخلية النفس من كل ما فيها من أمراض وشهوات وشبهات، وفي نفس الوقت تغذيتها وتحليتها بكل ما يصلحها من الطاعات والأعمال الصالحة.

أختي الفاضلة: اعلمي أن من أعظم ما يصلح النفس هو الاجتهاد في صلاح القلب والارتقاء به، لأنه المحرك والدافع لكل خير، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (..ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

يقول الله تعالى حاكياً عن الخليل إبراهيم -عليه السلام- (ولا تخزني يوم يبعثون * يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم)، وصلاح القلب يكون بالاجتهاد والملازمة، والمداومة للأعمال القلبية التي تقوي وتنقي القلب من كل أمراض الشهوات والشبهات.

من أهم هذه الأعمال:
أولاً: العناية بالقرآن، حفظاً وتلاوةً وفهماً وتفسيراً وعملاً، يقول الله: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)، فعليك -أختي الفاضلة- أن تجتهدي في حفظ القرآن، مهما كان حفظك ضعيفاً أو كان صعباً عليك فلك أجران، أجر الحفظ وأجر مجاهدة نفسك على الحفظ.

ثقي أنك مع التكرار يحدث الأثر، ومع الوقت القليل يصبح كثيراً، ومما يعين على الحفظ تدبر معاني القرآن، وفهم أحكامه، والعمل به في حياتك، وتعاملاتك مع الناس.

ثانياً: من أعظم الأعمال القلبية: الذكر والدعاء، فمداومة الذكر والدعاء يجعل القلب مطمئناً بالله تعالى، ودائم الصلة به، بعيداً عن الغفلة التي تميت القلب، وتُذهب عنه نور البصيرة والهداية والتوفيق.

ثالثاً: التأمل والتدبر في خلق الله وبديع صنعته، وسعة علمه وإحاطته في تدبير خلقه، فالتدبر في الكون والخلق يجعل القلب يُعظِّم الله، ويعرف له قدره سبحانه، وإذا عظّم الإنسان ربه وخالقه خافه وخشي معصيته، وكل هذا من الأعمال القلبية التي تحيي القلب.

بعد ذلك انتقلي -أختي الفاضلة- إلى الخطوة الثانية، وهي طلب العلم، وهي خطوة مهمة في إصلاح الذات، وابدئي في طلب العلم بالتدرج لأصول العلوم الأساسية التي يحتاجها المسلم في إقامة دينه أولاً، ثم توسعي بعد ذلك، وأول علوم الشرع أهمية هو علم التوحيد لله تعالى، وفهم كل ما يناقض التوحيد أو يوقع المسلم في الشرك، ثم الانتقال إلى الفقه ومعرفة أصول الأحكام الشرعية وأدلتها، ثم الانتقال إلى السيرة النبوية والتعلم والاقتداء بحياة النبي -صلى الله عليه وسلم- واكتساب العبر والعظات والبصيرة في تعاملاته وأخلاقه، والالتزام بها، فإذا حصل لك تأسيس هذه العلوم يمكن الانتقال لبقية العلوم الأخرى، كالحديث والأصول واللغة العربية، والبداية بأصول كل علم، ثم التوسع فيها قدر المستطاع، مع أهمية إدراك غاية ومقصد كل علم وتطبيقاته في الحياة.

الكتب التي يُبدأ بها تختلف حسب فهم ونشاط ووقت طالب العلم، لذلك من الأفضل الرجوع إلى العلماء وطلاب العلم والمشايخ، من نفس مدينتك، وطلب أسماء الكتب التي يمكن الابتداء بها، وتكون متوفرة ورائجة في مجتمعك.

لا بد من أن تحرصي- أختي الفاضلة- على ملازمة مثيلاتك من طالبات العلم، والداعيات إلى الله، وأصحاب الهمة العالية في العمل الصالح، فهذا من أعظم ما يرفع همة المسلم للعمل ويقويه على الاستمرار، قال تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا)، فإن تعذر لأي سبب ذهابك لحلقات العلم والتحفيظ، فاجتهدي في تعويض ذلك بما أتيح اليوم من وسائل التكنولوجيا التي سهّلت طلب العلم، كسماع الدروس الصوتية، أو حضور المحاضرات عبر الإنترنت، أو تلقي الدروس عبر كليات الدراسات الشرعية عن بعد، فكل هذا مما سهل طلب العلم في هذا العصر.

أختي الفاضلة: من أهم ما يساعد الفتاة المسلمة على خدمة دينها: سلوك سبيل الدعوة إلى الله، فكلما تعلمت شيئاً من الخير احرصي على أن يتعلمه غيرك بالدعوة إلى الله، فالأمة اليوم بحاجة للداعيات الفاضلات اللواتي يعرفن دورهن في خدمة هذا الدين أولاً، وفي رد سهام الأعداء من جانب المرأة ثانياً، حتى تكون سداً منيعاً أمام أي انحراف أو دعوات لأصحاب الشهوات.

أختي الفاضلة، اجتهدي في إخلاص النية لله، واجعلي هدفك الأول والأخير رضا الله تعالى، فصلاح النية سببٌ لأن يبارك الله في سائر العمل وينفع به، وأكثري من الدعاء بالثبات، وأن يوفقك لبلوغ وتحقيق هذه الأهداف في خدمة دينه، والعيش على استقامة وطاعة حتى لقاء الله تعالى.

أسأل الله لك التوفيق والعون والهداية، وأن يجعلك ذُخراً للإسلام والمسلمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً