الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المشاعر السلبية من حقد وغيرة تسيطر عليّ، فكيف أتخلص منها؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سبق وأن استشرتكم في مشكلتي قبل سنتين، ورقم الاستشارة: (2516467)، لكني -وللأسف- ما زلت أعاني من المشكلة نفسها؛ شعور غريب مليء بالمشاعر السلبية من: (كره، وحقد، وغيرة، وأفكار انتحارية)، وغيرها من الأحاسيس التي لم أتخيل يوماً أني سأشعر بها، تنتابني هذه الحالة فجأة ولثوانٍ معدودة لا تزيد عن 5 إلى 7 ثوانٍ، ولكن عندما يزول هذا الشعور، يبدأ عقلي بالتفكير فيه وفي هذه الأفكار السوداوية.

في الماضي كان الأمر يتكرر مرة أو مرتين أسبوعياً، لكنه الآن أصبح يتكرر ثلاث مراتٍ يومياً! لا أستطيع أن أخبر عائلتي بهذا الشعور؛ لأني أتفهم موقفهم من روايتي، وسينظرون إليّ وكأني أبالغ، لكني حقاً تعبتُ من ذلك.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أريج حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بكِ -بُنيتي- مجددًا عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا بهذا السؤال.

ما ذكرتِه في رسالتك أمر مقلق، بأن تأتيكِ أفكار انتحارية، مع شيء من الشعور بالكره والحقد وغيره، فلا شك أن هذا أمر مزعج ومؤلم، والجيد أن هذه الأفكار لا تطول أكثر من عدة ثوانٍ، ولكن المشكلة أنها أصبحت تتكرر عدة مرات في اليوم، وهذا أمر مقلق ويحتاج إلى اهتمام.

لذلك أنصحكِ بالحديث مع الأخصائية النفسية الموجودة عندكم في المدرسة أو الجامعة، وأعتقد أنكِ ربما في المرحلة الثانوية، ففي معظم المدارس يوجد أخصائية نفسية أو مُرشدة نفسية، فيمكن أن تستشيريها، أقول هذا لأنه قد يصعب عليكِ القيام بالأمر الأفضل، وهو مراجعة العيادة النفسية مباشرة.

بُنيتي: لا تترددي في فتح الموضوع مع أحد أفراد أسرتكِ ممَّن ترتاحين له، سواء الأُم أو الأب أو أحد إخوتكِ إن وجد، فالحديث معهم يفيدكِ كثيرًا، فأنتِ لا تخترعين شيئًا، وإنما تصفين لهم ما تتعرضين له وما تعانينه، والأسرة إنما هي لدعم بعضنا بعضًا كأفراد أسرة واحدة.

فأرجو ألَّا تترددي أو تتأخري في فتح الموضوع مع أحد أفراد الأسرة ممَّن ترتاحين إليه، ثم تتشاوران في كيفية مراجعة عيادة الطب النفسي؛ لأننا علينا أولًا قبل العلاج أن نشخص التشخيص المناسب، وهذا يتطلب قيام الطبيب النفسي بفحص الحالة النفسية، ثم سؤالكِ بعض الأسئلة ليصل إلى التشخيص الدقيق، ومن ثم وضع الخطة العلاجية.

بُنيتي: أرجو ألَّا يمنعكِ الخوف من وصمة المرض النفسي من اللجوء إلى العلاج، والنبي ﷺ يُعلِّمُنا بقوله: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللهِ»، وهذا كما ينطبق على الأمراض البدنية، فإنه ينطبق أيضًا على الصعوبات النفسية.

أدعو الله تعالى لكِ بتمام الصحة والسلامة والعافية، وأُذكركِ بأن هذه الأفكار الانتحارية عليكِ أن تصرفيها من ذهنكِ، فأنتِ تُدركين نعمة الله تعالى علينا بالحياة، فهو الذي أعطانا إياها وهو الذي يأخذها.

حفظكِ الله وبارك فيكِ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهت إجابة الدكتور/ مأمون مبيض (استشاري الطب النفسي)
وتليها إجابة الدكتور/ أحمد المحمدي (المستشار التربوي).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أهلًا بك مجددًا في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يحفظك، وأن يبارك فيك، وأن يعافيك، وبعد:

فما تمرّين به هو ابتلاء نفسي قهري، لا يدل على فساد قلبك، ولا على ضعف إيمانك، بل يدل على حساسية نفسية وقلب يقظ يخاف الله ويكره الشر.

واعلمي أن الأفكار والمشاعر التي تداهمك فجأة من كره أو حقد أو غيرة أو حتى إيذاء النفس، ثم تزول خلال ثوانٍ قليلة، ليست اختيارًا منك ولا تعبيرًا عن حقيقتك، وإنما هي خواطر قهرية تفرض نفسها ثم تنسحب، ويبدأ بعدها العقل في التفكير والاجترار، فيتضاعف الألم.

الميزان الشرعي هنا واضح، وهو أن الله لا يؤاخذ العبد على ما لا يختاره ولا يريده ولا يعمل به، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ)، وهذا الحديث أصل عظيم في طمأنة كل مبتلى بالوسواس؛ لأنه يقطع طريق الاتهام عن النفس، ويعيد الإنسان إلى الميزان الصحيح، وعليه: فكونك تكرهين هذه الأفكار وتتألمين منها وتسعين لدفعها دليل حياة قلب، لا دليل فساده.

ومن الناحية الواقعية، ازدياد تكرار هذه النوبات لا يعني أنك تسيرين في طريق أسوأ، بل غالبًا يعني أن الضغط الداخلي قد تراكم عليك، وأن الخوف من الفكرة نفسها أصبح عاملًا مغذّيًا لها.

الوسواس -أختنا- بطبيعته يقوى بالخوف والتحليل، ويضعف بالتجاهل الهادئ والاستمرار في الحياة رغم وجوده، ولذلك فإن أخطر ما يرهقك ليس الفكرة نفسها، بل ما بعدها من محاكمة للنفس ومحاولة فهم وتفسير ما حدث.

ثانيًا: مع الملاحظات التي تفضل بها سعادة الدكتور مأمون نحب أن ننبه إلى ما يلي:

1- الاحتماء بالتدين وخاصة كثرة الأذكار، عامل مهم في تثبيت القلب وقطع لسلسلة الوسواس عند بدايتها.
2- عند لحظة الهجوم المفاجئ، وحين تشعرين بتلك الثواني الثقيلة، لا تحاولي التفكير ولا التحليل ولا السؤال عن معنى ما تشعرين به، بل اقطعي السلسلة فورًا بذكر قصير ثابت تقولينه دون نقاش داخلي، قولي: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"، ثم قولي: "حسبي الله لا إله إلا هو"، هذا التطبيق العملي امتثال مباشر لقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، والنزغ هو الهجوم المفاجئ غير المتوقع، وهو وصف دقيق لما يحدث لك.
3- بعد الذكر مباشرة انتقلي إلى فعل جسدي بسيط، كالمشي بضع خطوات، أو غسل الوجه، أو تغيير المكان، فالجسد أحيانًا أسرع من العقل في كسر الدائرة.
4- لا تنتظري شعور الطمأنينة، ولا تختبري نفسك هل زال القلق أم لا، بل واصلي ما كنت تفعلينه.
5- على مستوى اليوم الكامل، الثبات أهم من الكثرة، لذا اجعلي لك وردًا بسيطًا ثابتًا من قراءة القرآن والأذكار اليومية، وقراءة المعوذات الثلاث صباحًا ومساءً.

ثالثًا: اعلمي -أختنا- أن من أعظم ما يخفف الألم: فهم معنى الابتلاء فهمًا صحيحًا.

الابتلاء النفسي من أشد الابتلاءات؛ لأنه خفيّ، وقد يبتلي الله به أقرب الناس إليه، لا لإهانتهم، بل لتربيتهم ورفعهم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- إن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، وهذا يضع الألم في سياقه الصحيح، لا بوصفه عقوبة بل مرحلة.

والتغيير في ميزان الشرع سنّة لا تتخلّف، قال الله تعالى إن مع العسر يسرًا، أي أن اليسر يسير مع العسر لا بعده فقط.

رابعًا: الصحبة الصالحة أمر مهم، نوصيك بالتعرف على بعض الأخوات الصالحات فإن المرء بأخوانه، وإخوانه بدونه، فالصحبة الصالحة في مثل حالتك ليست من يحل المشكلة، بل من يسمع دون حكم، ويذكّرك أنك لست وحدك. قد تكون أختًا ناضجة، أو مرشدة نفسية ذات وعي إيماني، أو حلقة صغيرة ثابتة، المهم هو الأمان والاستمرار.

وختامًا: عليك بالدعاء والصبر، وثقي أن الله سيعينك، نسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يجعل لك من هذا الضيق فرجًا، ومن هذا الابتلاء نورًا وحكمة، وأن يبدّل خوفك سكينة، واضطرابك طمأنينة.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً