الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثقتي بنفسي ضعيفة وأشعر دائمًا بأنني أقل من غيري، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اسمي عاصم، وصفات حامل هذا الاسم ينبغي أن يكون قويَّ الثقة، جاداً، حادَّ الذكاء، لكني عكس ذلك تماماً؛ إذ ألاحظ أني أقلُّ من غيري، ولا أتحدث هنا من حيث السلك الأكاديمي أو العملي، بل أتحدث عن الناحية الاجتماعية، وعن الثقة بالنفس، وتطوير الذات.

أحاول الخروج من هذا النفق المظلم، لكن -مثلاً- لو تمرنتُ في النادي الرياضي (الجيم) وأصبحتُ أفضل رياضي؛ ألاحظ أن الثقة لا تزال مهزوزة، ولو توظفتُ في أفضل شركة؛ فما زلتُ مهزوزاً، ألوم والدي الذي جعلني لا أختلط بغيري، وهو شديد العصبية والتعنيف.

أقول لكم شيئاً قد تستغربون منه، لما كان عمري اثنا عشر عاماً، بدأتُ بتعريف نفسي وتقدير ذاتي، وكنتُ قويَّ الثقة بنفسي، وأصبحتُ قويَّ التركيز قليل الضحك، لكن بعدها بسنة أُصبتُ بإخفاقات جعلت صورتي عن نفسي تهتز، وينخفض تقديري لذاتي، وإلى الآن لا أستطيع العودة لعهد القوة الذي كنتُ فيه.

لا أعلم ما هو الحل؟ لقد حاولتُ إعادة تعريف نفسي، وأرى أن ضعف الثقة مرتبطٌ بشخصيتي، ولا أستطيع الفكاك منه، أنا ملتزمٌ دينياً، لكن هناك من يعيّرني بأني ملتزمٌ ولكنَّ شخصيتي ضعيفة، مع ضعفٍ في التركيز.

هذا اختصارُ حالتي، أرجو الردَّ عليَّ، وأن يكون الردُّ برفقٍ ولينٍ لو سمحتم، وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عاصم حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا، وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أخي الكريم عاصم- ما تمر به من صراع داخلي، بين ما ينبغي أن تكون عليه وبين واقعك الحالي، وهذا أمر يمر به كثيرون في مراحل حياتهم المختلفة، ولقد لفت انتباهي أمران مهمان في رسالتك:
الأول: أنك كنت في يوم من الأيام قوي الثقة بنفسك واثقاً من ذاتك، وهذا يعني أن القوة موجودة بداخلك ويمكنك استردادها -بإذن الله-.
الأمر الثاني: هو التزامك الديني، وهذا بحد ذاته نعمة عظيمة، ومدخل رئيسي لحل ما تعانيه.

أخي عاصم: دعني أقول لك بكل صراحة ورفق: اسمك لا يحدد حقيقتك، وصفات حامل الاسم ليست قدراً محتوماً عليك، أنت من يصنع معنى اسمك بأفعالك وتطورك، وليس العكس، يقول الله تعالى في محكم كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾، فالتغيير يبدأ من الداخل، من تغيير نظرتك لنفسك وإيمانك بقدراتك.

من الواضح أن هناك عاملين رئيسيين أثرا في تكوين شخصيتك:
الأول: هو أسلوب التربية الذي تعرضت له من والدك من حيث العزلة والتعنيف.
الثاني: هو الإخفاقات التي مررت بها في سن مبكرة، وهذان العاملان لهما تأثير عميق على تقدير الذات والثقة بالنفس، ومن الطبيعي جداً أن تشعر بما تشعر به الآن.

لكن -أخي الكريم-، لا بد أن ندرك أمراً مهماً: لوم الوالد على ما حدث في الماضي قد يكون مفهوماً من الناحية النفسية، لكنه لن يحل المشكلة في الحاضر، نحن لا نستطيع تغيير الماضي، لكننا نستطيع تغيير نظرتنا له وطريقة تعاملنا معه، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ)، فما مررت به من تجارب صعبة يمكن أن يكون درساً ومنطلقاً للقوة، لا عائقاً دائماً.

ذكرت أنك حتى لو تمرنت بالجيم أو توظفت بأفضل شركة، فإن ثقتك تبقى مهزوزة، وهذه ملاحظة في غاية الأهمية تدل على وعيك العميق، السبب في ذلك -أخي الكريم- هو أن الثقة الحقيقية لا تُبنى على الإنجازات الخارجية فقط، بل تُبنى على قبولك لذاتك وإيمانك بقيمتك الداخلية كإنسان وكعبد لله، يقول الله -عز وجل-: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، فأنت مكرم بفطرتك الإنسانية، وقيمتك ليست مرتبطة بإنجازاتك فقط.

المشكلة أنك ربطت تقديرك لذاتك بأمور خارجية ومتغيرة: الجسم الرياضي، الوظيفة المرموقة، آراء الناس، وهذه كلها أمور مهمة، لكنها ليست جوهر قيمتك، جوهر قيمتك هو في كونك عبداً لله، وفي التزامك الديني، وفي محاولاتك المستمرة للتحسن رغم الصعوبات، وهذا في حد ذاته قوة عظيمة لا يراها الكثيرون.

أخي عاصم، القوة الحقيقية ليست في عدم الوقوع، بل في القيام بعد كل سقطة، ليست في عدم الشعور بالضعف، بل في الاستمرار رغم الضعف، أنت الآن تحاول، تبحث عن حلول، تسأل، تتواصل معنا، وهذا بحد ذاته قوة.

من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله-:

أولاً: إعادة بناء العلاقة مع الله، أخي الكريم، أنت ملتزم دينياً وهذا أمر عظيم، لكن هل التزامك مبني على الخوف فقط أم على الحب والقرب من الله؟ حاول أن تجعل علاقتك بالله علاقة لجوء وتوكل ومناجاة، أكثر من الدعاء في السجود، وفي جوف الليل، واطلب من الله أن يشرح صدرك ويقوي قلبك، يقول الله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، فالله قريب مجيب، وهو القادر على أن يغير حالك.

ثانياً: تغيير الحوار الداخلي، أنت تقول لنفسك: إنك أقل من غيرك، وإن ضعف الثقة مرتبط بشخصيتك ولا يمكن الفكاك منه، هذا الحوار السلبي مع النفس هو أخطر ما يهدم الثقة، ابدأ بتغيير هذا الحوار، بدلاً من أن تقول أنا ضعيف الشخصية، قل أنا في رحلة بناء شخصيتي، بدلاً من لا أستطيع، قل: سأحاول وأتعلم، الكلمات التي تقولها لنفسك تشكل واقعك.

ثالثاً: التدرج في بناء الثقة، لا تتوقع أن تستعيد ثقتك بنفسك دفعة واحدة، ابدأ بخطوات صغيرة، مثلاً، حدد هدفاً صغيراً قابلاً للتحقيق كل يوم، وعند تحقيقه احتفل به واشكر الله عليه، قد يكون الهدف هو التحدث مع شخص جديد، أو إتمام مهمة صعبة، أو حتى الاستيقاظ مبكراً، هذه الانتصارات الصغيرة ستتراكم وتبني ثقتك تدريجياً.

رابعاً: الاختلاط الإيجابي، أنت ذكرت أن والدك منعك من الاختلاط مع غيرك، ولعل هذا أثر على مهاراتك الاجتماعية، حاول الآن أن تعوض هذا النقص بالانخراط في أنشطة اجتماعية إيجابية: المسجد، الدروس العلمية، الأنشطة التطوعية، النوادي الرياضية، التفاعل مع الناس سيعزز ثقتك ويصقل شخصيتك.

خامساً: التركيز على نقاط قوتك، بدلاً من التركيز على ما تفتقده، ركز على ما تملكه، أنت ملتزم دينياً، وهذا قوة، أنت تحاول التحسن، وهذا قوة، أنت واعٍ بمشكلتك، وهذا قوة، اكتب قائمة بنقاط قوتك وإنجازاتك مهما كانت صغيرة، واقرأها كلما شعرت بالإحباط.

سادساً: الاستعانة بمتخصص، لا حرج أبداً في طلب المساعدة من مختص نفسي أو مرشد تربوي، أحياناً نحتاج إلى من يساعدنا على رؤية أنفسنا بموضوعية ويدربنا على مهارات معينة، هذا ليس ضعفاً، بل هو حكمة وقوة.

أخي عاصم، الإخفاقات التي مررت بها في سن الثالثة عشرة كانت جزءاً من رحلة نموك، كل إنسان يمر بإخفاقات، والعبرة ليست في عدم الوقوع بل في القيام، النبي -صلى الله عليه وسلم- واجه إخفاقات عديدة في دعوته، لكنه لم يستسلم قط، الصحابة -رضوان الله عليهم- واجهوا هزائم وتحديات، لكنهم استمروا، فلماذا تحكم على نفسك بسبب إخفاقات الماضي؟ اجعلها دروساً لا قيوداً.

أما من يعيرك بأنك ملتزم لكن شخصيتك ضعيفة، فاعلم -أخي الكريم- أن الإيمان والقوة الشخصية ليسا متناقضين، بل هما متكاملان، لكن القوة الحقيقية ليست في الصوت العالي أو الحدة، بل في الثبات على المبدأ، والصبر على الابتلاء، والرفق في التعامل، والعزيمة في مواجهة الصعاب، يقول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾، فالمؤمن القوي هو من يملك نفسه عند الغضب، ويعفو عند المقدرة، ويتواضع مع الخلق، وهذه كلها صفات قوة لا ضعف.

لا تدع كلام الناس يهزك، الناس يحكمون على الظاهر، لكن الله يعلم ما في القلوب، وطالما أنك تعمل على تطوير نفسك وتحسين حالك، فأنت في الطريق الصحيح.

في كل صباح: ابدأ يومك بصلاة الفجر في جماعة إن أمكن، ثم اجلس لدقائق تدعو الله وتستغفر وتقرأ ورداً من القرآن ولو صفحة واحدة، هذا سيملأ قلبك بالسكينة والقوة.

خلال اليوم حدد هدفاً صغيراً واحداً تحققه، وسجله في دفتر، قد يكون الهدف هو إلقاء السلام على خمسة أشخاص، أو قراءة صفحات من كتاب مفيد، أو ممارسة رياضة لنصف ساعة.

في المساء قبل النوم، راجع يومك واشكر الله على النعم التي عندك، واكتب ثلاثة أشياء إيجابية حدثت لك اليوم مهما كانت صغيرة.

أسبوعياً احرص على نشاط اجتماعي واحد على الأقل: زيارة قريب، مشاركة في عمل خيري، حضور درس علم، لقاء مع أصدقاء إيجابيين.

شهرياً قيم نفسك وانظر كيف تطورت، وكافئ نفسك بشيء تحبه حلال.

تذكر دائماً أنت لست وحدك في هذه المعركة، الله معك، وهو القادر على تغيير حالك، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فأكثر من الدعاء والتضرع إليه، واطلب منه أن يشرح صدرك ويقوي عزيمتك ويهديك لما فيه خيرك.

الثقة بالنفس ليست هبة تولد معك، بل هي مهارة تُكتسب وتُبنى بالممارسة والتدريب، وأنت قادر على بنائها -بإذن الله-، طالما أنك صادق في رغبتك بالتغيير ومستعد لبذل الجهد.

أخي الكريم عاصم، أنت أقوى مما تظن، وأكثر قدرة مما تتخيل، والطريق أمامك مفتوح، والله معك، فلا تيأس ولا تحزن، واعلم أن كل خطوة تخطوها نحو التحسن هي نصر يُحتسب لك عند الله.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يقوي عزيمتك، وأن يجعلك من عباده الصالحين الأقوياء بإيمانهم وأخلاقهم، آمين.

وفقك الله وسدد خطاك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً