الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فقري الشديد يعجزني عن الزواج ولا أجد دعمًا ممن حولي!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزاكم الله خيرًا على كل ما تقدمونه.

أنا كنت أعيش في السعودية، وولدت هناك، وقبل عدة سنوات انتقلت إلى تركيا بسبب التكلفة العالية للمقيمين هناك، وأنا فقير ابن فقير، عشتُ كامل حياتي وأنا أقل من أي شخص أعرفه، ولا يوجد شخص أعرفه وضعه أسوأ من وضعي، وصل الأمر إلى درجة أن بعض أصدقائي يتجنب أن يخبرني بأنه اشترى سيارة مثلًا أو رزق بمولود، بعضهم لكي لا يحرجني، والبعض حتى لا أحسده -في اعتقاده هو-.

كل محاولة أقوم بها تفشل، أنا الآن لدي عمل عبر الإنترنت قمت به -بستر الله-، ومن حولي قالوا لي: تزوج والرزق على الله.

قابلت فتاة في تركيا وتواصلت معها وخطبتها، والآن الوضع لا يُحتمل، ولا أحد معي، ووالدي متوفى، تواصلت مع أحد أقاربي من الناس الذين رزقهم الله، فاعتذر، رغم أنه يعلم يقينًا أنها فقط مساعدة لإكمال الخطوبة والزواج، أنا لا أريد منه أن يصرف عليّ، بل فقط أن يساعدني قليلًا.

دعوت الله بكل الطرق والسبل، لكن لا شيء يحدث، حتى فقدت الأمل بالله تمامًا، لا أشعر به في قلبي، أصبحت أصلي فقط لأجل الجنة أو النار، وأحيانًا لا أصلي، وأوقات يأتي الصباح وأنا كافر وأمسي مسلمًا؛ أعترض وأسخط!!

كل من حولي لهم آباء وأقارب يساعدونهم، إلا أنا دائمًا وحدي، وأهل الفتاة ينتظرونني، وأنا في موقف لا أحسد عليه، الفتاة تريدني، ولا أريد أن أخذلها، لكن الوضع من المستحيل جدًّا أن يتم، فماذا أفعل؟ هل أتراجع وأفسخ الخطوبة؟ وأنا بلدي كله حروب وصراعات، والآن في تركيا مقيم، ولا يوجد استقرار معيشي.

حتى في رسالتي هذه لا أعرف ماذا أكتب لكم، فقط كنت أبحث عن نفس حالتي، وظهر لي الموقع، فقلت أكتب لكم.

وشكرًا لكم، ولكم فضل كبير عليّ؛ فقد ساعدتموني سابقًا في استشارات قديمة لي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الكريم- في شبكة إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، ومن الله أستمد العون:

قبل الإجابة أود أن أنبّه إلى أنه ينبغي أن يكون المسلم متفائلًا، وألّا يتسخّط من قضاء الله وقدره؛ فالخير كل الخير فيما اختاره الله للعبد، فالله سبحانه يعلم أن الفقر يكون أنفع لبعض الناس، ولو أغناهم لطغوا وبغوا، والبعض يعلم أن الغنى أفضل لهم، ولو جعلهم فقراء لربما كفروا، وهذا من رحمة الله بعباده، وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ، إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ، وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤمنِ؛ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ).

عليك أن تنظر دائمًا إلى من هو دونك، ولا تنظر إلى من هو فوقك أو يشابهك؛ فذلك أجدر ألّا تزدري نعمة الله عليك، فهناك من هو أفقر منك، ولكنه شاكر لربه، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله).

قد يكون سبب فقر البعض عدم الالتزام بدين الله أو الوقوع في بعض المعاصي؛ فالمعاصي من أسباب حرمان الرزق، ففي الحديث: (وإن العبد ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه).

ليس كل من دعا الله يُستجاب له؛ فقد تكون هناك موانع تمنع من استجابة الدعاء، وقد بيّنت الأدلة أن العبد إذا دعا ربه إما أن يُستجاب له، وإما أن يُدفع عنه من السوء ما هو أعظم من دعوته، أو يُدّخر ذلك له ليوم القيامة، فعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجّل له دعوته، وإما أن يُدّخرها له في الآخرة، وإما أن يُصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذًا نكثر؟ قال: الله أكثر).

الدعاء يحتاج من الشخص أن يستمر ويُلِحّ على الله تعالى، ولا يعجل فيقطع الدعاء، ففي الحديث الصحيح: " يُستجاب للعبد ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي".

من أخطر الكلام الذي تفوّهت به قولك: "دعوت الله بكل الطرق والسبل، لكن لا شيء يحدث، حتى فقدت الأمل بالله تمامًا، لا أشعر به في قلبي، أصبحت أصلي فقط لأجل الجنة أو النار، وأوقات لا أصلي"، فكيف تريد أن يُستجاب لك وأنت في هذه الحال: "فاقد الأمل، وأحيانًا لا تصلي"؟ يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما يشاء؛ إن ظن خيرًا فله، وإن ظن شرًّا فله)، فإذا كان هذا ظنك بالله، فلا تلم إلا نفسك.

من أسباب استجابة الدعاء: أن تدعو الله وقلبك حاضر، وتكون موقنًا بالإجابة، محسن الظن بالله، وأنه لن يخيّب ظنك ورجاءك؛ لما روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ).

في حال الدعاء عليك أن تتحرّى أوقات الإجابة، كالثلث الأخير من الليل، وأثناء السجود، وما بين الأذان والإقامة، ويوم الأربعاء ما بين الظهر والعصر، وإن أردت أن يُستجاب لك فيجب أن يكون طعامك حلالًا ومشربك حلالًا، كما صح في الحديث: "أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة"، وفي الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم" ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذّي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك"؟

لا ينبغي لك أن تتحجّج بفقرك وفقر أبيك؛ فالرزق بيد الله تعالى، وما عليك سوى السعي، وقد لا يكون رزقك في البلد التي أنت فيها، ألم يقل الله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).

لقد أوصلتَ نفسك إلى مرحلة لا تُحسد عليها؛ بسبب الضغوطات النفسية التي تعاني منها حتى بدا عليك اليأس، وتذبذب العبادة، والتسخّط، والشعور بالوحدة، وهذا كله أنت المتسبب فيه، فعليك أن تقوي توكلك على الله سبحانه، وترضى بقضاء الله وقدره، وتعمل بالأسباب الشرعية من الاستمرار في البحث وتطوير نفسك، والتعرف على الصالحين من أهل بلدك وغيرهم، فلعل الله يجري على يد بعضهم الخير لك، فيبحث لك عن عمل، أو يرشدك، ويعينك وينصحك.

بحسب استشارتك فأنت في تركيا، وهي بلد متقدم من الناحية العلمية، وفرص العمل فيها لأصحاب التخصصات العلمية والدقيقة، وأحيانا قد تكون الأولوية لأبناء البلد، ولذلك فأنصحك أن تستمر في البحث عن فرصة عمل مع تطوير نفسك من الناحية العلمية والمهارية، ويمكن من خلال التقدم لبعض الجامعات أن تحصل على منحة دراسية تطور فيها نفسك، وكذلك التواصل مع سفارة البلد للحصول عن منحة دراسية إن وفقت في المقعد الدراسي.

اختلط بالصالحين في المساجد، والمراكز العلمية، وخاصة من أهل بلدك المقيمين معك، ومن المؤكد أنك ستجد رفقة صالحة تنصحك وتعينك وترفع من معنوياتك لأن الوحدة تجلب الهم والغم للإنسان، والأمر كما قال عليه الصلاة والسلام: (إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالحِ والجَلِيسِ السّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِير، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)، ويقول عليه الصلاة والسلام: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل)، ويقال في المثل: الصاحب ساحب.

لا يزال أثر الإيمان في قلبك موجودًا، ولكنه صار ضعيفًا جدًا، والذي ينبغي عليك أن تجتهد في تقوية إيمانك من خلال كثرة الأعمال الصالحة المتنوعة، من صلاة وصوم ودعاء وتلاوة للقرآن الكريم، وغير ذلك.

تركك لبعض الصلوات، أو تركها لأيام، من الخطورة بمكان، ولا أخفيك أن من أهل العلم من يرى أن ترك صلاة واحدة من دون عذر حتى يخرج وقتها يُعد كفرًا مخرجًا من الملة، ويستدلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وبقوله: (الفرق بين الرجل والكفر أو الشرك ترك الصلاة). وإن كان ثَمّة علماء يرون أن ذلك فسق غير مخرج من الملة، وعلى كلا الأمرين يكون الشخص في خطر عظيم؛ فعليك التوبة والندم والاستغفار، وألّا تعود لمثل هذا العمل، وإن كانت الصلوات التي تركتها معروفة فاقضها، أو اجتهد في تقدير عددها، وأكثر من نوافل الصلاة.

بعض ما يدور في النفس، كالتسخط والاعتراض الداخلي، وفقدان الأمل، قد لا يُحاسب عليه الإنسان، أما إذا تلفّظ بذلك، أو نتج عنه عمل، فهذا يُحاسب عليه، للحديث: (إن الله تجاوز لأمتي عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم).

حافظ على الصلاة في أوقاتها، حتى لو كنت لا تشعر بالخشوع؛ فذلك يُسقط عنك التكليف، ويرفع عنك العقوبة.

فيما يخص الخطوبة والزواج، أذكّرك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغضّ للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء). والمقصود بالاستطاعة تكاليف الزواج، والقدرة على فتح بيت وتحمل المصاريف، فإن لم يكن عندك الاستطاعة لذلك، فالزواج غير واجب في حقك، وإن كان الزواج بابًا من أبواب الرزق، كما قال تعالى:(وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

ذكرتَ في استشارتك وأنت تتحدث عن وضعك الحالي، فقلت: لا سند عائلي، ودخلي غير مستقر، وأنك في إقامتك في قلق، وتعاني من ضغط نفسي شديد، وأهل الفتاة ينتظرون بلا أفق واضح، وفي هذه الحالة فالتواصل مع الصالحين الناصحين نافع بإذن الله، وخاصة إن كان ولي تلك الفتاة من أهل بلدك، ووجدت من يعرفه فلربما أعانك على إتمام الزواج والإنظار في بعض المال إلى وقت اليسر، فمن الناس من يجعله الله مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر، والذي عليك أن تكون صريحًا مع من ستبوح له بأمرك.

اعلم أن الحب وحده لا يبني بيتًا، والنية الصالحة لا تعوّض غياب الاستقرار، فلابد من الاستعداد من جميع الجوانب فاستعن بالله ولا تعجز، ومن يستعن بالله يعنه، ومن يتوكل على الله، فهو حسبه.

للإجابة على قولك: ماذا أفعل الآن؟ سوف أضع بين يديك خطة عملية.

أولًا: على المستوى النفسي: ما تعانيه سببه الضغط النفسي، والانعزال عن مخالطة الناس وانشغال الذهن بالمعاناة؛ وعليه فالنصيحة ألا تعزل نفسك، وعليك أن تختلط بالصالحين، ومن صفات الصالحين أنهم يكونون سندًا ومعينًا لمن يخالطهم بصدق.

ثانيًا: على المستوى الديني: ثبّت الصلاة فقط، لا تطلب الخشوع الآن، والتزم بالدعاء واستمر عليه، ولا تنقطع، وأحسن الظن بالله تعالى، واجعل قلبك حاضرًا أثناء الدعاء، وتحيّن أوقات الإجابة، نوّع العبادات التي ترفع إيمانك، وخاصة تلاوة القرآن والاستماع إليه، والصيام ولو بعض الأيام الفاضلة، كالاثنين والخميس، والثلاثة البيض؛ فستجد أن إيمانك يرتفع شيئًا فشيئًا بإذن الله تعالى، وأكثر من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الصحيح: (من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجًا، ومن كل هم فرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب)، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ (إذًا تُكفى همّك ويُغفر لك ذنبك).

ثالثًا: موضوع الزواج: بما أنك بدأت العمل أون لاين، فهذا شيء طيب، فإن لم يظهر أفق واقعي خلال مدة قصيرة جدًا، فيمكنك أن تخبر بعض من ستتعرف عليهم إن كانوا يعرفون ولي الفتاة بأن يعرفوا بك عند ولي تلك الفتاة، ويتوسطوا لك، خاصة إن كانوا يعرفونه ولهم كلمة مسموعة عنده؛ لأنه سيكون مرحبًا وسوف يتنازل عن كثير من الطلبات، أو يطلبون منك أن تكتب بها سندًا لوقت السعة كما سبق، كما يمكنك أن تتعرف على إمام المسجد الذي يصلي فيه ولي الفتاة إن كان عربيًا، وتخبره بوضعك، وتطلب منه أن يتكلم مع ولي الفتاة، ولعل الزواج يكون فاتحة خير لك، كما قال تعالى: (وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

أسأل الله تعالى أن يوفقك للتوبة والاستقامة، وأن يفرّج همّك، ويرزقك من حيث لا تحتسب، إنه على كل شيء قدير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً