الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل ذنوبي هي التي تمنعني من تحقيق ما أتمنى؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة في العشرين، وقد قرأت مؤخرًا بالصدفة عن الجن العاشق، ووجدت أنني أملك معظم الأعراض، من أفكار جنسية، وممارسة العادة السرية، وكثرة الاحتلام، والكوابيس، والبكاء أثناء النوم، ورؤية الأذى والأفاعي في المنام، وتعسير أمور الزواج بلا سبب واضح.

وقد بدأت بالرقية الشرعية، وسورة البقرة، وأذكار الصباح والمساء والذكر، وتوقفت عن العادة، وبخصوص الزواج أجد صعوبة في تصديق أن الجن له سلطة على نصيبي وزواجي وحياتي، أليس ذلك رزقًا من الله، والله هو رب العالمين، وما الدليل أصلًا على وجود الجن العاشق؟

قابلت شابًا صالحًا تقيًا نقيًا، وكنا متفقين تمامًا، ثم تعسرت الأمور وذهب كل منا في طريقه، وأؤمن أنه حتى لو كان صالحًا فلم يكن من نصيبي، وأن ذلك خير لي، وربما بسبب ذنوبي وبعدي عن الله.

وسؤالي هو: هل يعقل أن يتسبب الجن في أمر كهذا؟ وماذا أفعل في هذا الشأن غير الأذكار والتحصين؟

وسؤالي الآخر: أعلم أن ذنوبي تمنع عني الخير عمومًا، فهل ذنوبي منعته عني؟ تفكيري متناقض ولم يرتح قلبي دون أن أعرف السبب، فأفكر أنه خير والله حرمني منه، وأفكر أنه كان سيكون شرًا لأني دعوت واستخرت كثيرًا، أو أن الحكمة ألَّا أعرف السبب أبدًا، وأن أتوب بغض النظر عمَّا حصل، وأجد صعوبة في ذلك؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إسراء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ في موقع استشارات إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول مستعينًا بالله تعالى:

قرأت استشارتك، ووجدت أن في كثيرٍ منها ما يدل على رجاحة عقلك، وهذا أمر طيب -ولله الحمد-، وسوف أجيب على استشارتك من الجانب الشرعي، والنفسي، والتربوي.

أولًا: من الناحية الشرعية.
هل هناك ما يسمى بـ"الجن العاشق"، وهل ذلك ثابت أصلًا؟

وجود الجن ثابت في القرآن والسنة، أما تخصيص اسمه بـ"الجن العاشق" بهذه الصورة المنتشرة عند الرقاة، مع كل هذه الأعراض والتفسيرات الواسعة؛ فليس عليه دليل شرعي صريح، وإنما هي من اجتهادات الناس وتصنيف الناس لأنواع الجن.

ما ينتشر بين الناس من أن الجن يمنع الزواج، أو يسبب الشهوة، أو يتحكم في النصيب، فيه مبالغة كبيرة جدًّا، وغالبه من تجارب غير منضبطة أو تفسيرات شعبية.

ثانيًا: هل يمكن للجن أن يمنع الزواج أو يغيّر النصيب؟

الجن ليس عنده القدرة على ذلك، فهناك أناس ليسوا مصابين بأي مسّ، ومع هذا لم يتزوجوا رغم العمل بالأسباب، وذلك لأن الله تعالى قدّر عليه أنه لا يتزوج، فالزواج رزق مكتوب من الله، ولا أحد يملك منعه إلا الله، قال تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}، فلا يمكن لجن ولا إنس أن يسلبك نصيبك، أو يمنع قدرًا كتبه الله لك.

ومن جملة ما يشاع أنه إذا لم يُنجب أولادًا فإنه يكون مصابًا بمسّ يمنع الذرية، وهذا أيضًا من تهويلات بعض الرقاة، وإلا فإن الله تعالى قال: {لِّلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا ۖ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ۚ إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}.

ثالثًا: تفسير ما تشعرين به يكون في النقاط التالية:
1- الأعراض التي ذكرتِها من أفكار جنسية، وعادة سرية، واحتلام، وكوابيس، وبكاء أثناء النوم، جميع هذه الأعراض لها تفسير طبيعي جدًّا، بل أقول لك إن من هو في سنك من الذكور والإناث عندهم هذه الأعراض، فمن هو في سنك من الطبيعي أن يكون عنده ارتفاع الدافع العاطفي والجنسي، وهكذا التفكير بالزواج، ولذلك فالاحتلام يكون طبيعيًّا، وألفت نظرك إلى أنه لو كانت ممارستك للعادة السرية بسبب الجن العاشق، لما كنتِ قادرة على تركها، ولو افترضنا أنها بسبب المسّ، لكانت اختفت عنك كل الأعراض.

2- الكوابيس والأحلام؛ هي نتيجة طبيعية للتفكير الزائد، والقلق، أو التأثر بما قرأتِه.

3- ما حصل لك بعد قراءتك عن "الجن العاشق" هو مربط الفرس، كما يقال، فبعد أن قرأتِ قام العقل بربط كل عرض بما قرأه، فصرتِ تشعرين أن "كل شيء ينطبق عليك"، وهذا يسميه الأطباء "التهيؤ أو القلق المعرفي".

رابعًا: تعسّر موضوع الزواج:
ما حدث مع ذلك الشاب الذي وصفته بالصلاح، من أنه بعد فترة ذهب في سبيله، فأنتِ في استشارتك قلتِ كلامًا صحيحًا جدًّا، وهو: "لو كان صالحًا ولم يتم، فهو ليس نصيبي"، وهذا هو الفهم الصحيح، فالعلاقات قد لا تكتمل لأسباب كثيرة، كحدوث اختلافات خفية، أو أن التوقيت لم يكن مناسبًا، أو حدوث ظروف حالت دون الزواج، أو لأن الله صرفه عنك كونه لا يصلح لك، خاصة أنك استخرتِ الله تعالى، فانصراف الشخص عن التقدم للزواج ليس بالضرورة أن يكون بسبب ذنب، أو جن، أو سحر، فقد لا يكون من نصيبك، أو هناك أسباب مادية أخرى.

خامسًا: هل الذنوب تمنع الزواج؟
المسألة فيها تفصيل، فمن حيث العموم تؤثر؛ لقول النبي ﷺ: «وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ»، ولكن ليس كل تأخر أو تعسر سببه الذنوب، وإلا لقلنا إن كل متزوج صالح يكون بلا ذنوب، وهذا غير صحيح، وهنا أذكّرك بحقيقة، وهي: الزواج رزق يأتي في وقته الذي كتبه الله تعالى، وبالشخص المقدّر أن يكون شريكًا للحياة.

سادسًا: كيف تفسرين انصراف ذلك الشاب؟
هناك ثلاثة تفسيرات:

1- أنه ليس نصيبك، وهذا هو الأقرب.
2- أن الشخص فيه خير، ولكن صرفه الله عنك لحكمة لا يعلمها إلا هو، وقد ترين ذلك مستقبلاً.
3- أنه ابتلاء من الله لتقريبك منه سبحانه، وكل هذه التفسيرات صحيحة وممكنة، ولا يلزم معرفة السبب التفصيلي.

سابعًا: لماذا تشعرين بالحيرة؟
السبب في حيرتك أنك تحاولين معرفة السبب الغيبي بدقة، وهذا غير ممكن، ولذلك دخلتِ في دوامة التفكير.

ثامنًا: خطوات عملية:
1- ثبّتي هذه القاعدة في ذهنك: "لا شيء يمنع رزقي إلَّا الله".
2- توقفي عن البحث في موضوع "الجن العاشق"، لأن ذلك يضخم القلق، ويشوّه الفهم.
3- استمري على الرقية والأذكار، لأن النبي ﷺ أرشد إليها، ولنفعها العام، فهي نافعة مما نزل ومما لم ينزل، واحذري العودة لممارسة العادة، لأنها محرمة.
4- غيّري طريقة التفكير، فبدلًا من أن تقولي: لماذا لم يتم الأمر؟ قولي: انتهى لأنه ليس لي، وسيأتيني الله بما هو أفضل لي.
5- تقبّلي عدم معرفة السبب، وهذا يُعد جزءًا من الإيمان بالله تعالى، كما قال سبحانه: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}، فالحكمة والسبب إن عُرفا فهذا حسن، وإن لم يُعرفا قال المؤمن: آمنا بالله، لله حكمة لا أعرفها.

نوصيك بالمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، مع المحافظة على وردك من القرآن الكريم، وأذكار اليوم والليلة، ونوصيك بصيام بعض الأيام الفاضلة، كالإثنين والخميس، والثلاثة البيض من كل شهر عربي، ففي الصيام إضعاف للشهوة، كما في الحديث: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».

الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».

أخيرًا، أقول لك: أنتِ الآن في مرحلة بناء وعي صحيح، يجمع بين الإيمان بالقضاء والقدر، وعدم الانجرار للخرافة، وهذا توازن ممتاز، والذي ينبغي عليك ألا تخلطي بين الأمور، فكل ما ورد في الشرع وجب عليك الإيمان به والتسليم له، ولو نفر عقلك من ذلك، فالعقل تابع للشريعة، وليس متبوعًا، والمؤمن يتبع دينه لا عقله.

أسأل الله أن يرزقك زوجًا صالحًا في الوقت الذي يكون خيرًا لك، وأن يملأ قلبك إيمانًا وطمأنينة، إنه سميع مجيب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً