الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل هداية الله لي بعد الإلحاد دليل على محبته لي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تواصلتُ معكم سابقاً، والحمد لله الذي هداني، وأسأله الثبات، لكن لدي أمر يؤرقني جداً وأحتاج إلى توجيهكم.

أنا الآن عمري 25 سنة، ولم أتزوج بعد، وأشعر بأنني أصبحتُ كبيراً جداً، وفاتني كل شيء، وقد أضعتُ سنوات كثيرة من عمري في الغفلة، بل إنني مررتُ بمرحلة من حياتي كنتُ فيها ملحداً، ثم هداني الله سبحانه وتعالى بفضله؛ فآمنتُ به ورجعتُ إلى الدين بيقين قوي مبني على دليل، وأصبحتُ أحب الله والإسلام بشدة.

لكن رغم هذه الهداية، بقيتُ مقصراً لفترة طويلة، وكانت لي علاقة غير شرعية، تركتُها والحمد لله، فلم ألتزم بالصلاة وبالطاعة كما ينبغي، ولم أعد إلى الله حقاً إلا منذ فترة.

أنا اليوم أشعر بندم شديد وضيق كبير على ما فاتني من عمري؛ فلا أنا درستُ ولا حققتُ شيئاً، ولا بنيتُ حياتي كما ينبغي، حتى إنني افتتحتُ مطعماً وفشلتُ، وكان عمري وقتها 22 سنة، وخسرتُ أموالي، وفعلاً:
وإذا لم يكن عونٌ من الله للفتى ** فأولُ ما يجني عليه اجتهادهُ

أنعم الله عليَّ بأمور أشعر أنني لا أستحقها، منذ أن قررتُ الالتزام والدراسة؛ فأغلب الناس هنا يعملون لمدة 12 ساعة، بينما أنعم الله عليَّ بعمل لمدة 9 ساعات، مع ساعتين للاستراحة، أستطيع استغلالهما بحمد الله، لكني لا أعرف هل أدرس أم أتزوج؟ ودائماً ما أخشى أن أظل وحيداً وألا أتزوج، وأخاف ألا أكمل دراستي، فقد كنتُ دائماً أرى نفسي دارساً، ولم أتوقع هذا؛ فأبكي بشدة وبحرقة مريرة.

كنتُ في السابق أدعو الله وأنا على يقين كامل بالإجابة، أنه سيعوضني عما فاتني في غفلتي -والله إنها أكثر كلمة معبرة ذكرها الله، إنها حقاً غفلة- لكن بعد أن سمعتُ حديثاً عن النبي ﷺ أن الدعاء إما أن يُستجاب، أو يُدفع به من السوء مثله، أو يُدخر أجره إلى يوم القيامة؛ لم أعد أشعر بنفس اليقين السابق، رغم أنني لم أترك الدعاء -والحمد لله-.

أنا الآن أدعو الله كثيراً أن يعوضني عن السنوات التي ضاعت مني، وأن يبدل حالي للأفضل، لكن يراودني سؤال يقلقني: هل يحق لي أصلاً أن أدعو الله أن يعوضني عما فاتني، رغم أنني أنا من ضيَّع هذا الوقت بيدي؟ وهل لا ينبغي لي أن أطلب التعويض؟ وكيف أفهم هذا الحديث بشكل صحيح؟ ولماذا أثّر على يقيني في الدعاء بهذه الطريقة؟ وهل هداية الله لي بعد الإلحاد دليل على محبته لي؟ وهل يمكن أن يكون ما أمرُّ به الآن من ضيق وندم هو من الله، ليعيدني إليه ويقربني منه؟ وهل هذا يدل على أن الله أراد بي الخير وخصّني بهذه الهداية؟

جزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عمر حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك دوام تواصلك معنا، ونحن نرحب بذلك ونفرح به، ونحن مسرورون جدًّا بما بشَّرتنا به، من أن الله تعالى منَّ عليك بالهداية والتوبة، والرجوع إلى الدين الحق، فنسأل الله تعالى أن يثبتنا وإيَّاك على دينه حتى نلقاه.

بدايةً نقول -أيها الحبيب-: إن من حسناتك -إن شاء الله- الكبيرة، استشعارك فضل الله تعالى عليك ورحمته بك، حين هداك وأمهلك وأنجاك من الغفلة، فإن هذا الشعور هو في حدِّ ذاته عبادة عظيمة يحبها الله تعالى، شعور الإنسان بفضل الله عليه ونعمته عليه، وشعوره بأنه هو في نفسه جاهل، ظالم، وأن الله تعالى هو صاحب الفضل والنعمة، هذا الشعور هو الشعور الراقي الذي يُحبُّه الله تعالى، ويريد من عبده أن يعيشه، وهذا الافتقار إلى الله -سبحانه وتعالى- هو لُبَّ العبودية التي يريدها الله تعالى مِنَّا، فنسأل الله تعالى أن يزيدك هدًى وصلاحًا، وأن يفتح لك أبواب الخيرات.

نقول -أيها الحبيب-: إن الحكمة تقتضي الآن أن تشتغل بما هو نافع لك في دنياك وفي آخرتك، وأن تتعامل مع ما مضى على أنه قدر قد كتبه الله تعالى عليك، والله تعالى لا يُقدِّر شيئًا إلَّا لحكمة، وكان من حكمته سبحانه أن ردَّك إلى الحق بهذه القناعة الكاملة، مع الإدراك التام لمدى الفساد والضياع الذي يعيشه الإنسان حينما يبتعد عن الله وعن دينه.

ما مضى -أيها الحبيب- قد ذهب، والتوبة يمحو الله تعالى بها الذنوب السابقة لها، كما قال الرسول ﷺ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ»، والله أخبرنا في كتابه أنه يبدل سيئات التائب حسنات، فقال سبحانه وتعالى: {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}.

فاحمد الله تعالى كثيرًا الذي أمهلك حتى تتوب وترجع إليه، ولم يقبض روحك قبل ذلك، فتندم حين لا ينفعك الندم، اشكر الله تعالى كثيرًا على هذه النعمة، نعمة الإمهال والتأخير، واعلم أنه سبحانه لطيف بعباده، يسوق لهم الخير بطرق وأساليب خفية، لا يُدركون أنها خير.

وقد أصبت الحقيقة -أيها الحبيب- حين أدركت أن الله -سبحانه وتعالى- ربما قدَّر عليك من الشدائد والمضايق ما يُعيدك إلى الدين الحق، ولو أنه عافاك منها ربما استمرأت طريق البعد والضلال فبقيت عليه، فالله لطيف بعباده، فاسأل الله تعالى أن يهديك وأن يلطف بك، واعلم أنه -سبحانه وتعالى- أرحم بك من نفسك، وأنه لا يُقدِّر لك إلَّا ما فيه خيرك وصلاحك، وهذا يبعثك على الرضا بقضاء الله والسعادة، رغم وجود المكروهات.

أمَّا الدعاء -أيها الحبيب- فاعلم يقيناً أن الله تعالى يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا، هكذا قال رسولنا الكريم ﷺ، والله قد قال في كتابه: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وصحيح أن هناك أسبابًا تُقوِّي رجاء الإجابة، ولكن الله تعالى كريم لا يعجزه شيء، فهو قدير سبحانه على أن يستجيب دعاء الإنسان، مهما كان هذا الإنسان.

وقد أخبرنا الله في كتابه أنه أجاب دعوة إبليس: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ) وأخبرنا في كتابه أيضًا أنه يجيب دعاء الكفار حين يدعونه وهم في البحر وقت الهلاك، فينجيهم كما قال الله عز وجل: {وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ}، فينجيهم -سبحانه وتعالى- حين يدعونه، فإذا كان هذا فعله سبحانه مع أعدائه، فكيف سيفعل مع أحبابه وأوليائه المؤمنين به الطائعين له؟

لا شك ولا ريب -أيها الحبيب- أن الله سبحانه وتعالى كريم وهاب، فأحسن ظنك بالله، واعلم أنه لا يعجزه -سبحانه وتعالى- شيء، ولا ينقص من ملكه شيء، فلا يعجزه أن يعطيك مسائلك وما تطلبه منه، ولكنه سبحانه يفعل بك ما هو أرحم بك، وأحسن في تحقيق مصالحك؛ لأنه سبحانه أرحم بك من نفسك، وقد قال: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.

فإذا استجاب دعاءك وأعطاك الإجابة بأي شكل من هذه الأشكال، إمَّا أن يعطيك نفس الشيء الذي سألتَ، أو يدفع عنك مكروهًا بقدره، أو يدخره لك إلى يوم القيامة، فهذا كله فضل من الله، وهو أنفع لك وأصلح مما تختاره أنت لنفسك، فلا ينبغي أن يكون سببًا لضعف يقينك، بل يكون سببًا لمزيد من الرضا والاطمئنان، وتفويض الأمور إلى اختيار الله تعالى.

داوم على ما أنت عليه من الخير والدعاء، وأحسن ظنك بالله، وتذكَّر نعمة الله تعالى عليك حين أنجاك من الغفلة، واعلم أن هذا كله خير ساقه الله تعالى إليك.

خير ما نوصيك به الصحبة الصالحة وأصدقاء الصلاح، فحاول أن تستكثر منهم؛ فإنهم خير من يعينك على الاستمرار على التوبة، نسأل الله أن يوفقك لكل خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً