الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

صديقي يتجاهلني رغم إحساني ودعمي له، فكيف أتصرف معه؟

السؤال

لدي صديق دراسة أُحسن معاملته، وأحبه كثيرًا، وله مكانة كبيرة عندي، لكنه دائمًا يتجاهلني، عندما أرغب في المزاح معه لا يتجاوب معي، مع أنه يمزح مع أشخاص آخرين بشكل طبيعي، رغم أن هؤلاء الأشخاص لا يعاملونه كما أعامله أنا.

دائمًا عندما أراه منزعجًا، أو حزينًا أذهب لمصالحته، لكنه يتجاهلني كثيرًا، وعندما أتحدث معه يرد ببرود أو بطريقة توحي بأنه غير مهتم.

أشعر بأنه يضع بيني وبينه حاجزًا، وأنه غير مرتاح من ناحيتي، ومهما فعلت من أجله لا يقدر ذلك، فأنا دائمًا أقف إلى جانبه في المواقف الصعبة، أما هو فلا يفعل الشيء نفسه.

هناك أمور كثيرة أعجز عن كتابتها، فعلى سبيل المثال: إذا كنا جالسين في تجمع أو سهرة معًا، فإنه يمدح الأشخاص الموجودين ويتجاهلني، وكأنني غير موجود!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك، أخي الفاضل، في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

أخي العزيز، كثيرًا ما يحدث أن نمنح شخصًا مكانة كبيرة في حياتنا، ونحيطه بالاهتمام والرعاية والتقدير، بينما ينظر إلينا هو بمنظور مختلف، أو يضعنا في مرتبة أقل من تلك التي نضعه فيها، ولا شك أن هذا الأمر مؤلم للنفس، وقد يترك في القلب شيئًا من الحزن والأسى.

أخي الفاضل، في علاقتنا بالآخرين ينبغي أن يكون رضا الله تعالى هو الأساس الأول الذي تقوم عليه العلاقات، فبذل الخير للناس، من نصيحة وتوجيه ومساعدة وإحسان، ينبغي أن يكون ابتغاءً لوجه الله تعالى، لا انتظارًا لجزاء، أو شكرًا من أحد؛ قال تعالى ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.

وعندما يكون هذا هو المنطلق، فإن محبتنا للناس وعلاقاتنا بهم ترتبط برضا الله سبحانه وتعالى، قبل ارتباطها برضا البشر وتقديرهم، فما دام الله يراك ومطلع على صدق مشاعرك، وحسن قصدك فهذا يكفيك، ولذلك أنصحك بألا تجعل قيمة نفسك مرتبطة بردود أفعال الآخرين، أو بمقدار تقديرهم لك، استمر في التحلي بأخلاقك الطيبة وصفاتك الحسنة، ولكن بتوازن دون أن تستنزف نفسك ومشاعرك، في محاولات متكررة لكسب اهتمام شخص أو رضاه .

كما أنصحك بأن توسع دائرة علاقاتك الاجتماعية، وأن تمنح وقتك ومشاعرك الخاصة والعميقة للأشخاص الذين يبادلونك الود والاحترام والتقدير، وتجد فيهم الأخوة الصادقة ، وإذا شعرت أن هذا الصديق لا يقدرك بالشكل الذي تستحقه، فمن الحكمة أن تخفف من تعلقك به، ومن انشغالك الزائد بهذه العلاقة تدريجيًا، مع المحافظة على الاحترام وحسن المعاملة، وإعطائه الحقوق التي أوجبها الإسلام للمسلم على أخيه المسلم، دون مقاطعة أو خصومة أو قطيعة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حقُّ المسلمِ على المسلمِ ستٌّ. قالوا: ما هنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قال: إذا لقيه سلَّم عليه، وإذا دعاه أجابه، وإذا استنصحه نصحه، وإذا عطس فحمد الله شمَّته، وإذا مرض عاده، وإذا مات شيَّعه).

أخي العزيز، اعلم أن بعض الأشخاص يجعلون من الصمت والتجاهل وسيلة واضحة للتعبير عن عدم الارتياح، أو عدم الرغبة في توثيق العلاقة، لذلك لا تكن ثقيلًا على أحد، ولا تجعل نفسك مضطرًا إلى تقديم التنازلات، أو السعي المستمر لإرضاء من لا يرضى، أو استجداء الاهتمام ممن لا يرغب في منحه، بل كن إنسانًا واثقًا بنفسه، مدركًا لقيمته، عارفًا بقدره، ومقدرًا لما يقدمه من خير وإحسان.

أخي العزيز: استمر في بذل المعروف، وكن محبًا للخير لله تعالى مع هذا الصديق ومع غيره من الناس، فإذا رأى منك الثبات على حسن الخلق والإحسان، وأنك تتعامل ابتغاء مرضاة الله تعالى لا انتظارًا لثناء أو مقابل، فإن ذلك كفيل بأن يجعلك أكثر راحة وطمأنينة، سواء تغيرت معاملته أم لم تتغير.

ومن المهم كذلك أن تعلم أن بعض الناس قد يزداد إعراضهم أو تجاهلهم، عندما يشعرون بشدة تعلق الطرف الآخر بهم، فيتحول الأمر عندهم -بقصد أو بغير قصد- إلى نوع من الضغط النفسي أو الابتزاز العاطفي، ولهذا كان التوازن في العلاقات من أهم أسباب حفظ الكرامة وراحة النفس.

كما ننصحك أن تجلس معه في وقت مناسب تسوده المودة والهدوء، وأن تتحدث إليه بصراحة وأدب عما تشعر به، وأن تطلب منه تفسيرًا لطبيعة هذا التغير، أو هذا التجاهل الذي تلمسه في تعامله معك، فقد يكون هناك سبب لا تعلمه، وقد يساعد الحوار الهادئ على إزالة سوء الفهم أو توضيح الصورة.

إن رأيت بعد ذلك أن هذه العلاقة أصبحت ترهقك نفسيًا وروحيًا، وأنها تستنزف مشاعرك دون فائدة، فحينها يكفي أن تتعامل معه بالمعروف الذي أمر به الإسلام، وأن تؤدي حقوقه الشرعية، ثم تنسحب بهدوء واتزان، دون خصومة أو إساءة أو فساد في العلاقة.

أكثر من الدعاء أن يرزقك الله الصديق الصالح، والأخ الناصح الأمين، الذي يدلك على الخير ويعينك عليه، واحرص على البحث عن هذه الفئة المباركة من الناس في بيوت الله تعالى، وفي مجالس العلم، وحلقات القرآن الكريم، ومواطن الخير والصلاح؛ فإن الصحبة الصالحة من أعظم نعم الله على العبد، وستجد - بإذن الله - من يعينك على الخير، ويقدر مشاعرك، ويشاركك معاني الأخوة الصادقة والمودة الحقيقية.

وفقك الله، ويسر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً