الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجي متكاسل عن العمل ويلومني لو قصرت في شيء تعبًا!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا متزوجة منذ سنتين ونصف، وكان زوجي قبل الزواج يعمل في مقصف مدرسة، وبعد الظهر يعمل في بقالة بالشراكة مع شخصٍ آخر، وبعد الزواج توقف عن العمل لمدة شهر كامل بحجة شهر العسل، وكان أخوه يتولى العمل بدلًا عنه، ثم عاد بعد ذلك للعمل في المقصف، أمَّا في البقالة فبدأ يتكاسل تدريجيًّا.

وبحكم أنني معلمة، عدتُ إلى التدريس في المعهد من الساعة الثانية ظهرًا إلى الخامسة والنصف عصرًا، وكنت أعود أحيانًا إلى البيت وهو لم يذهب إلى البقالة، ومع ذلك كان يلومني على دقائق تأخري، وكان كثير التذمر، رغم أنه كان يطالبني بالعمل، حتى ضاق بي الحال فتوقفت عن التدريس.

ثم حدث خلاف بينه وبين شريكه فتمت إنهاء الشراكة، وتوقف عمله في البقالة والمقصف، وأصبح مديونًا لتجار، ثم عدتُ إلى العمل مرة أخرى، لكنه بقي كثير التذمر، ويحاسبني على كل شيء وبالدقائق، ويتأفف إذا رآني منشغلة بتصحيح الدروس أو تحضيرها، ولا يريد مني أن أشعر بالتعب ولو للحظة، ويحاسبني على أتفه تقصير مني في حقه أو في مهام المنزل، مع أنه لا يساعدني في أي من أعمال البيت رغم أنه عاطل عن العمل.

وأنا أعمل أحيانًا فترتين صباحية ومسائية، ومع ذلك لا يتقبل مني النصح حين أطلب منه البحث عن عمل يساعدنا في شؤون البيت، رغم أن راتبي كله يذهب لمصاريف البيت والطفل، ولا يتبقى لي شيء لنفسي أو لاهتماماتي كامرأة.

وهو دائمًا ينكر تجملي له واهتمامي به، واللحظات الجميلة التي نقضيها معًا، ويقول: "ما قد قضيت يومًا جلسة حلوة تريحني"، وإذا خرج للعمل يومًا عاد وتركه لأيام.

أريد العودة إلى عملي، ولكنني لم أعد أتحمل الضغوط التي أعيشها بسبب ضغط العمل، وأعمال البيت، والاعتناء بطفلي، وتذمره المستمر، وضغطه عليّ في كل شيء.

وللعلم، حاولتُ مرة إدخال أخته بيننا لتتحدث معه، لكنه لم يستجب لذلك.

ومرة ذهبت إلى بيت أهلي وأخبرت والدي بالموضوع، وما زال يذكرني بهذا الموقف، ويقول إن هذا عيبٌ مني؛ لأنني أشكو لأهلي تقصيره وتوقفه عن العمل، وأن أسرار البيت يجب أن تبقى داخله.

لكنني ضقت ذرعًا من شدة بروده وعدم تحمله للمسؤولية، فأصبحت في حيرة، لأنني إن سكتُّ عنه لا يعمل، وإن ساعدته لا يرحمني من الضغوط بل يزيدها عليّ، وإن اشتكيت قال إنني أفضح أسرار البيت، وإن جلست معه وحاولت مناقشته قال إنني لا أشجعه، رغم أنني حاولت بكل الطرق، لكنه يبحث دائمًا عن عذر لنفسه.

أفيدوني في أمري، فتح الله عليكم بكل خير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم محمد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نسأل الله أن يفرج همكم، ويصلح حالكم، ويؤلف بين قلوبكم، ويجعل البركة في رزقكم وذريتكم.

وحسب ما وصلنا من قبلكم من معطيات، فإن زوجك ليس من عادته الكسل والتهاون عن العمل؛ لأنه كان يعمل في وظيفتين قبل الزواج، ويبين اهتمامه أنه ولى أخاه لينوب عنه في فترة شهر العسل، فأصله نشيط ومناضل، وهذا مما يُذكر له، فعلينا أن نبحث عن سبب الانتكاس كي يسهل علينا البحث عن الحل.

لذلك ننصحك بالوقوف مع زوجك في تخفيف همومه، وأن تحتسبي ذلك عند الله، فوظيفة الزوجة الرئيسية هي أن تكون لزوجها السكن الذي يجد فيه الود والرحمة، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف:189]، علمًا أن هذا الوضع مؤقت وسينتهي قريبًا -بإذن الله-.

وقولك إنه لا يبقى لك ما تصرفينه على احتياجاتك الخاصة؛ فلعله يستحسن في الوقت الراهن أن تقتصري على الضروريات وتبتعدي عن الكماليات، وتذكري أن الدنيا دول، فالغنى والفقر لا يدومان لأحد، ولكن يجب على كل عاقل أن ينفق بحكمة إلى أن تتحسن الحالة المادية، عندها يختار بحكمة أيضًا الوقت المناسب للتوسع في الإنفاق.

أما قولك إنك تعبت، وتطلبين النصيحة؛ فإننا ننصحك بالصبر والتصبر، لقوله ﷺ: «مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَا أَجِدُ لَكُمْ رِزْقًا أَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» (رواه أحمد)، ولعل ذلك من ابتلاء الله للصالحين، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة:155-157].

فاصبري على ما تلاقينه وتجدينه من زوجك، فلو أن كل امرأة واجهتها مشكلة مع زوجها تركت بيتها لفسدت جل بيوت المسلمين، لكن المشاكل تحل بالصبر والمعالجة الحسنة والدعاء والقرب من الله، فصلاح واستقرار الأسرة يقوم على مقومات إيمانية أهمها (الصبر والدعاء والرضا وحسن الظن بالله تعالى)، فكم من امرأة صبرت على مثل هذه العواصف والمشاكل التي واجهتها من زوجها، ثم فازت بعد ذلك بالأمان والاستقرار وصلاح الحال، وكم من امرأة استعجلت بالسخط في مثل هذه الظروف، ثم ندمت وتمنت لو أنها صبرت قليلًا؛ خاصة وأنه لم يمض على زواجكما إلَّا فترة بسيطة، وكثير من الزيجات تواجه مثل هذه المشاكل في بداية الحياة الزوجية.

لذلك ننصحك -أختنا الكريمة- بالصبر على زوجك ما دام زوجك متمسكًا بك، حتى يفرج الله كربتكم، ويرزقكم الله الرزق الوفير، فلعل الله يمتحنك بمن هو أقرب الناس إليك.

ولأن الزوج هو المسؤول شرعًا عن النفقة، فإذا قصر في ذلك سيشعر حتمًا بتوتر مستمر بسبب عدم حصوله على عمل يدر عليه دخلًا شهريًا ينفق منه على الأسرة، فالزوج لا يشعر بكمال القوامة على أسرته إلَّا إذا كان يملك مصدرًا متجددًا للمال، فإذا افتقد الزوج العمل الذي كان يرفده بالمال الكافي لتغطية موازنة أسرته؛ فهذا الوضع يكفي بأن يفقده توازنه النفسي؛ فيجعله يتصرف بحذر وخوف من المستقبل، لذلك يتسم سلوكه بتصرفات دفاعية يحاول فيها أن يثبت وجوده كالعصبية وعدم تقبل النصيحة، وتلك التصرفات إنما هي آثار سلوكية للوضع المالي لزوجك.

ونود أن نلفت انتباهك -أختي الكريمة- إلى أنه ليس من واجباتك الشرعية الإنفاق على الأسرة، ولست مطالبة بالخروج للعمل لدى الغير من أجل التكسب للإنفاق على البيت بغض النظر عن وضع زوجك المادي، خاصة أنك ذكرت أن زوجك يشتكي منك ويتذمر ويحاسبك لأبسط تقصير من قبلك في أمور البيت، ويمكن أن تنظري للموضوع بحيادية، هل فعلاً خروجك للعمل يشغلك عن مهامك وواجباتك الأساسية تجاه الزوج والأبناء والبيت؟

لذلك ننصحك أن تخبري زوجك أنك ستتركين العمل الوظيفي خارج البيت وتفرغين نفسك للقيام بمهامك وواجباتك الشرعية تجاه الزوج والأبناء والبيت فقط؛ فذلك القرار سيكشف سبب عدم تحمس زوجك للخروج لطلب العمل، فلعل راتبك من الوظيفة الذي تنفقينه على البيت أحد الأسباب التي جعلت زوجك متكلاً عليك في النفقة على البيت.

فواجبك الشرعي هو رفع معنويات زوجك للقيام بالسعي والكد لكسب المال لينفق على بيته بنفسه، لا أن تحتلي مكانه في السعي بتأجير جزء من وقتك للعمل لدى الغير لكسب المال لتنفقي منه على البيت بدلًا من زوجك، فالحل أن تجعلي زوجك في مواجهة مسؤولياته الشرعية أمام أسرته وأمام والده وأهله، خاصة أنه في كامل صحته البدنية والعقلية، مع عدم اللوم والعتب والنصح المتكرر لأن ذلك يحبط معنوياته.

وقولك إنه لو خرج للعمل ليوم يعزف أياماً؛ فذلك يدل على أنه ما زال يحاول ولم يستسلم للكسل، ولعل ما يجده من معاناة وقهر ومشقة في اليوم الذي يخرج فيه يجعله يعود بائسًا مهمومًا فيتقاعس لعدة أيام، وهنا يأتي ودك وحنانك كزوجة صالحة ترفعين من معنوياته.

وأمَّا عن كونه يتذمر ويستنكر حين تتزينين وتجلسين معه بقوله: "ما قد قضيت يوم جلسة حلوة تريحني"، فانظر للأمر من زاوية أخرى، وهي أنك تقومين بهذه الأفعال أولاً ابتغاء وجه الله، وبعدها لا يضرك ما قال، كما ذكرنا بسبب وضعه النفسه، وربما بسبب ردود فعل على عبارات أو لوم أو انتقاد قد يكون صدر من قبلك، ونحن لا نتهمك أختي الكريمة وأنت أعلم بنفسك في مثل هذه الأحوال، لكن أردنا أن نلفت انتباهك لمثل هذه الأمور لأنها قد تحصل، ومثل هذه الجلسات المفترض فيها أن يسودها الهدوء والحب والأنس، بعيداً عن فتح باب العتاب والمناقشات والتوجيهات ومشاكل العمل.

فننصحك أن ترجعي إلى دورك الأساسي كزوجة حنونة ودودة تمثل خير سكن لزوجها، ولا تنشغلي بالإنفاق على الأسرة لأنك تلبسين ثوبًا لا يناسب أنوثتك؛ لأن معظم الزوجات اللاتي ينفقن على أسرهنَّ كثيرات اللوم والعتب على أزواجهنَّ.

لذلك نوصيك بعدم مواجهة زوجك مواجهة الخصوم، فالعبرة دائمًا بالأسلوب واختيار الوقت المناسب، وليست العبرة بصحة الكلام وخطئه، فربما تكونين على حق ولكنك اخترت الوقت الخطأ، أو الأسلوب الخطأ، أو النبرة الخطأ، أو الكلمات الخطأ، فالزوج لا يتقبل أسلوب الأمر أو الشرط أو التوجيه المباشر من زوجته.

كذلك -أختي الكريمة- نوصيك بتعمير البيت بالطاعات، خاصة قيام الليل والدعاء في الخلوات؛ لأن ذكر الله يغلق أبواب الشياطين، ويفتح أبواب رزق رب العالمين.

أشعري زوجك بأن همكم واحد، وازرعي السعادة في قلبه بأسلوبك وسهولتك وقربك منه أكثر، دعيه ينسى الهم، تحملي أسلوبه وطريقته الآن، ولا تواجهيه في هذه المرحلة.

أختي الفاضلة، الرجل سهل التعامل معه إذا كانت المرأة فطنة ذكية تعرف مفاتيح قلب زوجها، وفي هذه المسألة المرأة دائمًا تنتصر بما وهبها الله من ذكاء وصبر ودهاء، وقد قال الصادق المصدوق ﷺ: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ».

نؤكد: زوجك الآن في أمس الحاجة إليك، فصبرك على زوجك هو جسر العبور الآمن إلى بر الأمان للأسرة، ولن يضيع الله جهادك وأجرك.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً