الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وساوس في العقيدة أرهقتني مع تخيلات غريبة، فما العلاج؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حياتي متوقفة بالكامل، فلا أستطيع الدراسة، ولا حتى أداء العبادات بسهولة، فعندما أصلي أشعر بثقل في صدري، وتعب ونعاس وتثاؤب وحزن، وعند قراءة القرآن لا أستطيع الإكمال إلَّا بشق الأنفس، ودائمًا أشعر بتعب نفسي وجسدي.

كما أن غرفتي دائمًا يوجد فيها نمل أشقر وأسود، وفي إحدى المرات كان النمل يملأ باب بيتي بأعداد كبيرة جدًّا، ومع أنني أنظف باستمرار فإنه لا يختفي، وقد شغلت مرة سورة البقرة، فاختفى في ذلك اليوم.

واليوم خطر ببالي أنني ربما أكون مصابة بالعين أو الحسد، فبحثت في اليوتيوب عن أشخاص كانت لديهم هذه المشكلة، فظهر لي مقطع لفتاة تقول إنها كانت تعاني من ذلك، وذهبت إلى راقٍ، فسألها عن بعض الأعراض، والأغرب أن كثيرًا من الأعراض التي ذكرتها موجودة عندي، مثل صرير الأسنان، وكثرة الحبوب في الظهر، والكوابيس المزعجة.

ولفترة طويلة من حياتي كنت أحلم بمقابر سوداء، وثعابين بمختلف الألوان، وحشرات، وكوابيس لا تنتهي، وحتى البارحة رأيت في المنام ثعبانًا برتقالي اللون، لافتًا للنظر، وكان يلاحقني.

ولا أعلم ما الذي أعاني منه، حتى إنني في فترة من الفترات فكرت في الانتحار، وأصابني اكتئاب شديد، ووساوس تتعلق بالدين، مثل: لماذا خُلقت؟ وأنني لا شيء، وأنني نكرة وضعيفة، وحاليًا بدأت الوساوس تقترب من ديني، حتى إنني تركت الصلاة منذ زمن طويل، ومع ذلك أحاول دائمًا أن أعود إليها، لكنني لا أستطيع الاستمرار إلا نادرًا، وكذلك القرآن، أشعر دائمًا بتعب شديد يمنعني من المواظبة عليه.

كما أنني لا أستطيع البقاء مستيقظة أكثر من أربع إلى ست ساعات دون أن أشعر بخمول ونعاس شديدين، وحياتي أصبحت عبارة عن تعب وإرهاق نفسي، وأحيانًا أجلس أبكي، وأشعر بضيق شديد دون سبب، ودائمًا أكون شاردة الذهن، ولا أستطيع التركيز أبدًا، كما أن كثرة النسيان أصبحت لا تطاق.

ومؤخرًا بدأت أسمع همسًا، كأن أحدًا يناديني باسمي وأنا وحدي في غرفتي، وكان ذلك مخيفًا جدًا، كما تظهر على جسدي كدمات زرقاء دون سبب واضح، فماذا أفعل؟!

جزاكم الله خيرًا، ساعدوني، فأنا أريد حلًّا لكل هذا، ولا أستطيع الذهاب إلى راقٍ؛ لأن والدي يظن أن هذه الأمور كلها وساوس ناتجة عن قصص الرعب، مع أنني انقطعت عن سماعها فترة، ثم بدأ بعد ذلك سماع الهمس.

وأكثر ما أعاني منه الآن هو فكرة: لماذا خُلقت؟ فأنا أعلم أنني خُلقت لعبادة الله وعمارة الأرض، لكن يأتيني صوت داخلي يقول إن كل شيء كذب، ثم بدأ هذا الصوت يتطاول على الدين الإسلامي، ويوحي إليَّ بأنه وهم وغير موجود، مع أنني أحب ديني، وأخاف أن أفعل شيئًا يغضب الله، أو أن أترك ديني -لا سمح الله-.

أريد حلًّا لحياتي، فأنا حاليًا أحاول مقاومة هذه الوساوس، والتوتر، والقلق الدائم، والتفكير المفرط الذي لا ينتهي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نسمة .. حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدركِ، وأن يذهب عنكِ ما تجدينه من همٍّ وقلق، وأن يثبت قلبكِ على الإيمان، ويصرف عنكِ كيد الشيطان، ويرزقكِ العافية في دينكِ ونفسكِ وبدنكِ، وبعد:

فالذي يظهر من سؤالكِ أن ما تعانين منه ليس عرضًا واحدًا يمكن إرجاعه إلى سببٍ واحد، وإنما هو اجتماع عدة أمور: وساوس في العقيدة، وحزن شديد، واضطراب في النوم، وإرهاق نفسي وجسدي، وصعوبة في العبادة، وأفكار يأس، مع انشغالٍ شديدٍ بالبحث عن تفسيرٍ واحد يجمع هذه الأعراض كلها، هل هو عين، أو سحر، أو مس، أو مرض نفسي؟

ودعينا قبل أن نجيبكِ أن نقول لكِ: إن اجتماع هذه الأعراض لا يكفي وحده للجزم بسببٍ معين؛ لأن كثيرًا منها يشترك بين الاضطرابات النفسية، والوساوس، والضغوط، وقد يجتمع مع أذىً من الشيطان، ولذلك فالمؤمن يتعامل مع الأسباب الشرعية والمادية جميعًا، ولا يبني حياته على الظنون أو المقاطع المنتشرة في وسائل التواصل.

وأما الجواب تفصيلاً ففي النقاط التالية:

1- لا ينبغي أن تجعلي كل عرضٍ تشعرين به دليلاً على أنكِ مصابة بالعين أو السحر أو المس؛ لأن كثيرًا من الأعراض التي ذكرتِها، كالوساوس، والحزن، والتعب، والشرود، وضعف التركيز، والكوابيس، واليأس، وحتى سماع ما يشبه الهمس عند بداية النوم أو في حال شدة القلق، قد تكون لها أسباب متعددة، ولا يجوز الجزم بأنها من المس بمجرد التشابه مع ما يذكره بعض الناس في المقاطع المرئية.

وقد نهى الشرع عن اتباع الظن، فقال الله تعالى: {إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ}، والواجب أن يبقى الإنسان متزنًا، فلا ينكر الرقية الشرعية ولا يحصر المرض في الإصابة بالسحر أو العين بغير قرينةٍ وبينة.

2- أخطر ما في رسالتكِ ليس النمل، ولا الأحلام، ولا الكدمات، وإنما قولكِ إنكِ تركتِ الصلاة مدةً طويلة، وأن الوساوس بدأت تتناول أصل الإيمان، وأن فكرة الانتحار راودتكِ!

هذه هي القضايا التي يجب أن تعطى الأولوية؛ لأن الشيطان إذا عجز عن إشغال المؤمن بالمعصية شغله باليأس، وإذا عجز عن قطعه عن الله دفعةً واحدة، قطعه بالتدريج، حتى يثقل عليه القرآن، ثم الصلاة، ثم الذكر، ثم يفتح له باب القنوط.

وقد قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}، فلا تسمحي للوسواس أن يقنعكِ أن الطريق إلى الله قد أُغلق، فإن باب التوبة لا يُغلق حتى تطلع الشمس من مغربها.

3- أما الوساوس التي تقول لكِ: "إن الدين وهم"، أو "لماذا خُلقتُ؟"، فهي من جنس الوساوس التي أخبر عنها النبي ﷺ حين قال: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ، وَلْيَنْتَهِ».

وتأملي قوله: «وَلْيَنْتَهِ»، فإنه لم يأمر بمحاورة الوسواس، ولا بالبحث عن جوابٍ جديد كل يوم، وإنما أمر بقطع الاسترسال معه؛ لأن هذه الأفكار لا تبحث عن الحقيقة، وإنما تبحث عن أن تبقي العقل مشغولاً بها وفقط.

4- لا تجعلي شعوركِ أثناء العبادة مقياسًا لقَبولها أو لصحة إيمانكِ؛ فكثير من الناس إذا أُصيبوا بالاكتئاب أو القلق أو الوسواس فقدوا لذة العبادة مدةً من الزمن، فيظنون أن الله أعرض عنهم، بينما الحقيقة أن القلب المرهق قد يعجز عن استشعار اللذة، كما يعجز المريض عن تذوق الطعام، مع أن الطعام لم يتغير.

ولهذا فالواجب أن تستمري في الصلاة، ولو وجدتِ ثقلاً، وأن تقرئي من القرآن ولو صفحاتٍ قليلة، فإن دوام العمل هو الذي يعيد للقلب حياته بإذن الله، لا انتظار الشعور حتى يأتي.

5- ما ذكرتِه من الكوابيس، أو رؤية الثعابين والحشرات، أو وجود النمل، أو الكدمات، لا يكفي للحكم بأنكِ مصابة بمسٍّ أو سحر ولا ينفيه، لأن هذه الأمور قد تقع لكثير من الناس لأسبابٍ مختلفة، فاعمدي إلى الرقية الشرعية مع المحافظة على الأذكار، وقراءة سورة البقرة كل ليلة، أو الاستماع إليها، وإن تيسرت لكِ الرقية الشرعية من راقٍ معروف بالعلم والاستقامة، يقتصر على القرآن والأذكار الثابتة، فلا بأس بذلك، لكن لا تجعلي حياتكِ كلها تدور حول البحث عن الرقاة، أو متابعة مقاطع تشخيص المس والعين؛ لأن هذا قد يزيد الوسواس رسوخًا، ويجعلكِ تفسرين كل شيء من زاويةٍ واحدة.

6- من خلال ما ذكرتِه يظهر أيضًا أنكِ تحتاجين إلى مراجعة طبيب أو طبيبة مختصة؛ لأن استمرار الحزن، وصعوبة القيام من النوم، وفقدان القدرة على الدراسة، وكثرة النسيان، والتفكير في الانتحار، والوساوس، كلها أعراض تستحق التقييم الطبي والنفسي، ولا تعارض بين مراجعة الطبيب والرقية الشرعية، بل كلاهما من الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها.

وإذا كان والدكِ لا يقتنع بفكرة الرقية، فحاولي أن تطلبي منه الذهاب إلى طبيب بسبب الإرهاق، والاكتئاب، وضعف التركيز، فهذه أعراض ظاهرة لا ينبغي إهمالها.

7- ابدئي من اليوم بخطة عمليّة يسيرة، ولا تنتظري أن يزول كل ما عندكِ حتى تعودي إلى حياتكِ؛ فحافظي على الصلوات الخمس مهما كان شعوركِ، واجعلي لكِ وردًا يوميًا من القرآن ولو نصف صفحة، وأذكار الصباح والمساء، ونظمي وقت نومكِ، واخرجي من غرفتكِ قدر الإمكان، ومارسي شيئًا من المشي أو الحركة، وابتعدي عن مقاطع تشخيص الأمراض الروحية، ولا تسترسلي مع الوساوس، فإنها تقوى بالاهتمام، وتضعف بالإعراض عنها، واستعيني بالله كلما هجم عليكِ خاطر، ثم انشغلي بعملٍ نافع، ولا تعودي إلى مناقشته.

وخلاصة الأمر: أن ما تمرين به يحتاج إلى التعامل معه من جميع جوانبه؛ فحافظي على صلتكِ بالله، ولا تتركي الصلاة بسبب ما تجدينه، واستمري على الأذكار والرقية الشرعية المأثورة، وفي الوقت نفسه بادري إلى مراجعة طبيب مختص لتقييم حالتكِ النفسية والجسدية، ولا تجعلي الظنون تحكم على حالتكِ قبل وجود دليل، فإن الله لم يجعل شفاء عباده في سببٍ واحد، بل أمرهم بالأخذ بجميع الأسباب المشروعة.

نسأل الله تعالى أن يشرح صدركِ، ويذهب عنكِ الوساوس، ويشفيكِ شفاءً لا يغادر سقمًا، ويثبت قلبكِ على الإيمان، ويعينكِ على ذكره وشكره وحسن عبادته، ويجعل لكِ من كل ضيق مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً