الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كيف أجعل شغفي بالتعلم وسيلةً لرفعتي في الدارين؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب لديَّ طموحات وأهداف علمية ودراسية كبيرة في الدنيا، وأحب التعلُّم بشغفٍ شديد، وأعتبر هذا النجاح متعتي وهدفي الأكبر، لكنني أواجه مشكلة تؤرقني كثيرًا، وهي الخوف المستمر من الموت قبل تحقيق هذه الطموحات، خاصةً عندما أرى شبابًا يموتون في مقتبل العمر دون تحقيق أحلامهم.

أحاول إقناع نفسي بأن الآخرة خيرٌ من الدنيا، لكنني أجد صعوبةً في الشعور بالتحفيز تجاه نعيم الجنة المذكور في كثير من الآيات؛ لأنني أشعر أنه يركز على الأمور الحسِّية، كالأكل والشرب والقصور، بينما أنا مرتبطٌ ومتعلقٌ بالمتع المعنوية، والعلوم، وتحقيق الأهداف، واستكشاف الحقائق.

وأسئلتي لفضيلتكم هي:
• هل في الجنة عوضٌ أفضل وأكمل عن الطموحات المعنوية، والعلمية، والأحلام الدراسية التي لم يُمهل الموت العبد لتحقيقها في الدنيا؟ وكيف يكون ذلك العوض لرجلٍ شغوفٍ بالمعرفة؟

• كيف أفهم التركيز على النعيم الحسِّي في القرآن، وأنا أبحث عن النعيم المعنوي والعلمي؟ وهل هناك آياتٌ أو أحاديثُ تبيِّن وجود متعة العلوم، وتحقيق ما يشاء الإنسان في الجنة؟

• كيف أتخلص من القلق والخوف من الموت قبل إنجاز هدفي، وكيف أجعل شغفي بالتعلم وسيلةً لرفعتي في الدارين؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الرحمن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يشرح صدرك، ويبارك في علمك، ويجعل طلبك للمعرفة قربةً إليه، وأن يرزقك حسن العمل، وحسن الخاتمة، وأن يملأ قلبك يقينًا وطمأنينةً.

فإن مشكلتك -فيما بدا لنا- ليست كراهيةً للموت من حيث هو موتٌ، ولا اعتراضًا على قضاء الله، وإنما خوفك أن ينقطع مشروعك العلمي، وأن ترحل قبل أن تبلغ ما تطمح إليه من تعلمٍ واكتشافٍ وإنجازٍ، وهذا شعورٌ قد يجده كثيرٌ من أصحاب الهمم، لكنه يحتاج إلى تصحيحٍ في التصور؛ حتى لا يتحول إلى قلقٍ يفسد عليك دنياك وآخرتك.

لذا أول ما نحب أن نقرره أن الإسلام لا يذم الطموح، ولا حب العلم، ولا التطلع إلى الإنجاز، بل جعل طلب العلم من أجلّ القربات إذا صحت النية، فليس المطلوب منك أن تطفئ هذا الشغف، وإنما أن تنقله من كونه غايةً مستقلةً إلى كونه طريقًا إلى مرضاة الله.

ولكن الذي حدث معك أن الإشكال بدأ عندما أصبح بقاء الحياة في نظرك شرطًا لتحقيق السعادة، وأصبح الموت يعني نهاية المشروع، وهنا يقع الخلل؛ لأن المؤمن لا ينظر إلى الدنيا على أنها المكان الوحيد الذي تتحقق فيه الآمال، وإنما يوقن أن الدنيا مرحلةٌ، وأن ما عند الله أكمل وأبقى.

وقد سألت سؤالًا جميلًا: لماذا يُكثر القرآن من ذكر النعيم الحسِّي، بينما أنا أميل إلى المتع العقلية والمعنوية؟ والجواب أن القرآن خاطب البشر جميعًا، على اختلاف طبائعهم، فذكر لهم من نعيم الجنة ما تعرفه عقولهم وتشتاق إليه نفوسهم، من المساكن، والأنهار، والأزواج، والثمار، واللباس؛ لأن هذه أمورٌ يفهمها كل أحدٍ.

لكن القرآن لم يحصر نعيم الجنة في ذلك أبدًا، بل فتح بابًا أعظم من كل وصفٍ، فقال سبحانه: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ}، وقال: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ}، وقال: {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}.

فتأمَّل هذه الآيات دون أن تحصرها في معنى بعينه؛ لأنها لم تقيد المشتهى بنوعٍ معينٍ، بل جعلت كل ما تشتهيه النفس الكاملة في الجنة داخلًا في هذا الوعد العظيم، ثم زادت عليه بقوله: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}، أي أن نعيم الجنة أعظم مما تتصوره العقول في الدنيا.

ولهذا قال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، وهذا يقطع الطريق على تصور أن نعيم الجنة منحصرٌ فيما قرأناه من أوصافها؛ لأن ما لم يخطر على قلب بشرٍ أعظم بكثيرٍ مما يخطر في أذهاننا الآن.

أمَّا شغفك بالعلم والمعرفة، فمن الخطأ أن تتصور أن الجنة دار تعطيلٍ للعقل، أو أن الإنسان فيها يفقد لذة الإدراك والفهم، بل هي دار كمالٍ، والكمال لا يكون بإلغاء أشرف ما في الإنسان، وهو عقله وإدراكه، وإنما بإتمامه وتنقيته من كل نقصٍ.

وقد ذكر أهل العلم أن المؤمن يزداد في الجنة معرفةً بربه، ويفرح بلقائه، ويتنعم بكلامه سبحانه، ويرى من آياته وعجائب خلقه ما لم يكن يتصوره في الدنيا، وأعظم نعيم أهل الجنة على الإطلاق ليس الطعام ولا الشراب، وإنما رضوان الله عنهم، ثم النظر إلى وجهه الكريم، كما دلت عليه النصوص الصحيحة، فإذا كان أعظم نعيم الجنة ذلك، علمنا أن من الخطأ اختزال نعيمها في اللذات الحسِّية وحدها.

ولذلك نقول: إن اللذات الحسِّية التي ذكرها القرآن هي جزءٌ من النعيم، وليست كل النعيم، وقد ذكرت لأنها أقرب إلى أفهام الناس، أما حقيقة ما أعده الله لأوليائه فلا يحيط بها وصفٌ.

كما نحب أن ننبهك إلى أمرٍ آخر، وهو أنك تنظر إلى مشروعك العلمي كأنه سينتهي بالموت إن وقع قبل اكتماله، وهذا ليس صحيحًا على إطلاقه؛ فإن المؤمن يؤجر على نيته الصادقة، وعلى سعيه، وعلى كل خطوةٍ خطاها في طلب العلم، ورب إنسانٍ مات في أول الطريق، وكان عند الله أعظم أجرًا ممن عاش حتى بلغ الشهرة؛ لأن الله لا ينظر إلى عدد الصفحات التي كتبتها، وإنما ينظر إلى صدقك معه في الطريق، وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».

ثم تأمل رحمة الله، فإن من خرج يطلب العلم وهو يريد وجه الله، ثم أدركه الموت، فإنه لم يخسر، بل انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، والله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

كما نريد أن نصحح عندك فكرةً أخرى، وهي أنك تربط قيمة حياتك بإكمال مشروعٍ معينٍ، ولو تأملت أحوال العلماء عبر التاريخ، لوجدت أن أكثرهم ماتوا وتركوا مشاريع لم تكتمل، وكتبًا لم يتموها، وأبحاثًا لم ينجزوها، ولم يكن ذلك نقصًا في حياتهم، بل كانت قيمة حياتهم فيما قدموه، لا فيما لم يدركوه.

فليس النجاح أن تنجز كل ما حلمت به، فهذا لا يكاد يقع لأحدٍ، وإنما النجاح أن تلقى الله وأنت في طريق الطاعة، مجتهدًا فيما ينفع.

ولهذا لا تجعل خوف الموت يمنعك من العمل، بل اجعل احتمال الموت دافعًا إلى أن يكون كل يومٍ من أيامك مليئًا بما يقربك إلى الله وينفع الناس.

وأمَّا من الناحية النفسية، فإننا نلاحظ في رسالتك أثر القلق الاستباقي؛ فأنت لا تعيش في مشروعك العلمي، بل تعيش في احتمال انقطاعه، وهذا التفكير يسرق منك لذة الحاضر، ولا يضيف إلى عمرك يومًا واحدًا.

ولو فرضنا -جدلًا- أن إنسانًا سيعيش خمسين سنةً، وآخر سبعين سنةً، فإن الأول إذا عاش كل يومٍ يعمل، والثاني عاش عشرين سنةً في الخوف من الموت، فقد خسر الثاني من عمره أكثر مما خسره الأول، فلا تجعل خوفك من النهاية يمنعك من الاستفادة من الطريق.

واجعل دعاءك دائمًا: "اللهم بارك لي في عمري وعملي، واختم لي بخير"، كما لا تجعل همك طول العمر، فإن خير الناس من طال عمره وحسن عمله، لا من طال عمره مجرد طولٍ.

ونحب أن ننبهك إلى أمرٍ مهمٍّ، وهو أن هذا الخوف الذي يلح عليك مبنيٌّ على احتمالٍ يصنعه الوهم في رأسك، ثم ينميه، فهو يوهمك أنك ستموت قبل أن تحقق أهدافك، وأن تعبك سيضيع، مع أن هذا كله غيبٌ لم يقع، ولا تملك عليه دليلًا.

فمن أدراك أنك ستموت قبل أن تبلغ مرادك؟ ومن أدراك أن الله لن يطيل عمرك حتى تحقق من العلم والخير أضعاف ما تتمنى؟! إن المستقبل غيبٌ لا يعلمه إلا الله، فلا يحق للوسواس أن يحتكره في صورةٍ واحدةٍ كلها خوفٌ وتشاؤمٌ، ولا أن يعرض عليك أسوأ الاحتمالات كأنها قدرٌ مكتوبٌ لا محالة.

فكما أن الموت في سنٍّ مبكرةٍ احتمالٌ، فإن طول العمر، واتساع الفرص، وتحقيق الأهداف، وبلوغ ما لم تكن تتوقعه احتمالاتٌ أيضًا، فلماذا يختار عقلك احتمالًا واحدًا مظلمًا، ثم يعامله على أنه اليقين؟

وهذا من مداخل الشيطان؛ لأنه لا يريد دائمًا أن يمنعك من الطاعة مباشرةً، بل قد يشغلك بالخوف من انقطاعها حتى يعطلك عنها الآن، فلا تجعل الشيطان يسرق منك يومًا حاضرًا بسبب مستقبلٍ لا يعلمه إلَّا الله.

فما كلفك الله بمعرفة ما سيقع، وإنما كلفك بحسن العمل فيما بين يديك اليوم، والمؤمن لا يبني حياته على الاحتمالات التي يصنعها الوهم، وإنما يبنيها على ما كلفه الله به؛ فيعمل، ويجتهد، ويحسن الظن بربه، ويفوض الغيب إلى من بيده الغيب كله.

نسأل الله أن يجعل العلم نورًا في قلبك، وأن يرزقك التوفيق في دراستك، وأن يبارك لك في عمرك، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً