الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مصاب بالوسواس القهري وأخشى أن يعيدني التداوي للمعصية وينافي التوكل!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أريد أن أستشيركم فيما يلي:

كنت أعاني ممَّا يُعرف بالوسواس القهري، وكنت في ضلال كبير، واتباع للهوى، واقتراف لذنوب الخلوات، والحمد لله الذي هدانا واجتبانا، وتاب علينا وعافانا.

والأمر أني ابتليتُ بعدد من الابتلاءات الصعبة، التي اتضح لي أنها -والله- عين الرحمة؛ إذ أن الله كفاني بها شر نفسي، وطهر بها قلبي، وحصَّن بها فرجي.

ومن هذه الابتلاءات: تضخم في البروستاتا، وأظنُّ أنه حدثت بسببه بواسير داخلية، كما يبدو لي أنني مصاب بما يُعرف بمقاومة الإنسولين، أو ربما بمرض السكري، ولم أُجرِ التحاليل اللازمة بعد.

وقد قرأتُ أن من أعراض مرض السكري بطء حركة الأمعاء؛ ممَّا قد يُسبِّب نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة، وهي الحالة التي تُعرف طبيًّا باسم فرط النمو البكتيري في الأمعاء الدقيقة (SIBO)، وأن هذه البكتيريا تتغذى على الطعام وتنتج الغازات؛ ممَّا يؤدي إلى الانتفاخ، وهو ما يُسبِّب لي مشقة في الصلاة.

ولله الحمد أن وفقني وأعانني على التقليل من الطعام، والابتعاد عن أنواع كثيرة منه، وخاصة البقوليات، واتضح لي أن الله كان يحفظني بهذا؛ إذ إن الطعام قد يكون مدخلًا للشهوة، كما اعتقدت أن تغذي هذه البكتيريا على الطعام قد يفقد الجسم كثيرًا من الفيتامينات التي تدخل في إنتاج هرمون التستوستيرون.

ولكن نظرًا إلى أنني مصاب بالوسواس، فقد صارت هذه الابتلاءات شاقةً عليَّ، وأخشى إن ذهبتُ للتداوي أن تعود إليَّ الشهوة فأعود إلى الضلال، فهل ترك التداوي أفضل، أم أتداوى أخذًا بالأسباب وأتوكل على الله، خاصةً أن المرض قد لا يزول رغم التداوي؛ فالشفاء بيد الله سبحانه وتعالى؟

كما أنني متردد في إخبار أهلي باحتمال إصابتي بمرض السكري، والبدء في الأخذ بأسباب التشخيص والعلاج؛ خشية أن يكون إخبارهم بذلك منافيًا للإخلاص ومضيعًا للأجر.

فهل كتمان المرض أفضل، أم لا حرج في إخبار الأهل به والاستعانة بهم في طلب العلاج؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله لك العافية والشفاء والتوفيق والسداد.

أخي، إن الوساوس التي تعاني منها قد أخذت منحًى يتمثل ويتجسد في بعض الافتراضات القلقية التوقعية؛ حيث بنيت لديك الكثير من المفاهيم الطبية الافتراضية التي عطلتك كثيرًا.

أخي الكريم، أنا أحترم رأيك تمامًا، ولكن قطعًا فإن وطأة هذا النوع من الوسوسة ليست سهلةً؛ لذا أقول لك: يجب أن تكون حازمًا مع نفسك، وأن تحقر هذه الأفكار:

• أن تحقر كل ما ينتابك من فكر حول نمو البكتيريا في الأمعاء الدقيقة، وكلامك عن أنك مصاب بالسكري وأنت لم تقم بالتحليل، واعتقادك أنه ربما تكون هناك بواسير داخلية، وأنك ربما تكون مصابًا بمقاومة الإنسولين؛ فهذا الوسواس أدخلك حقيقةً في دوامة تُعالج من خلال التجاهل والتحقير.

• أن تذهب إلى طبيب ثقة، مثل طبيب الأمراض الباطنية أو طبيب الأسرة، وتحكي له ما تعاني منه من أعراض، وتدعه يقوم بفحصك وطلب الفحوصات المطلوبة، ومن ثم يفيدك بالتشخيص، وهذا مهم جدًّا؛ إذ إن التحقير والتجاهل مبدأ علاجي مهم جدًّا في الوسواس القهري.

• كذلك صرف الانتباه؛ بأن تصرف انتباهك عن كل هذه الأفكار من خلال الإتيان بأفكار مخالفة لها.

فيا أخي الكريم، من المهم جدًّا أن تغير منهجك في التفكير، وهذا ممكن، ومع أنني أعرف أن الوساوس عندما تكون مستحوذةً تكون ملحةً جدًّا، إلا أنه يمكن هزيمتها.

وهناك أشياء جميلة يمكن أن تقوم بها في حياتك وتشغل نفسك بها:
• الاجتهاد في دراستك.
• الاجتهاد في العبادة.
• حسن إدارة وقتك.
• ممارسة الرياضة.
• الترفيه عن نفسك بما هو طيب وجميل.
• الحرص على الواجبات والتواصل الاجتماعي.
• أن تكون شخصًا فعالًا في أسرتك، وبارًّا بوالديك.

وهناك الكثير والكثير ممَّا يمكن أن تصرف إليه طاقاتك النفسية بدلًا من هذه الوسوسة الافتراضية.

فيا أخي الكريم، اخرج من عالم الخيال الوسواسي إلى عالم الواقع، وأنت محتاج طبعًا إلى التداوي؛ فقد قال النبي ﷺ: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً»، وقال ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ».

ومن الواجب عليك -أخي الكريم- أن تذهب إلى الطبيب الثقة، كما ذكرت لك، طبيب الأمراض الباطنية، وطبعًا تقابل الطبيب النفسي، ومن أفضل الأدوية النفسية التي ستفيدك دواء «فلوفوكسامين» "Fluvoxamine"، ويضاف إليه دواء آخر يسمى «أريبيبرازول» "Aripiprazole".

الدواء الرئيسي هو «فلوفوكسامين»، والدواء المساعد هو «أريبيبرازول»، وكلاهما من الأدوية الفاعلة والنقية وغير الإدمانية، ومن الأدوية التي لا تؤثر في الهرمونات الذكورية.

أرجو أن تفيدني بعد أن تذهب وتقابل الأطباء المختصين، وفي ذات الوقت أود أن أوضح لك أن الشيخ الدكتور أحمد سعيد الفودعي -حفظه الله- سيجيبك وينصحك بما يفيدك -إن شاء الله تعالى- من المنظور الشرعي والسلوكي.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.
----------------------------------------------
انتهت إجابة الدكتور محمد عبد العليم، استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
وتليها إجابة الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
----------------------------------------------

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله تعالى لك العافية، وأن يصرف عنك كل سوء ومكروه.

وبدايةً نقول -أيها الحبيب-: قد أفادك الأخ الفاضل الدكتور محمد بنصائح طبية قيمة، ورسم لك خطةً علاجيةً تدافع بها الوسواس، وهذه الخطة العلاجية مستندة إلى إرشادات النبي ﷺ وموافقة لها.

فهناك أمور أساسية اعتنى بها الدكتور محمد في جوابه عن سؤالك، وفي إرشادك إلى الخطوات العملية، وهذه الأمور أكد عليها النبي ﷺ تأكيدًا بليغًا في شأن من ابتلي بالوساوس، أو بدأت الأفكار الوسواسية تهاجمه، وأهمها:

• الانتهاء عن التفاعل مع الوساوس: وهذا ما سماه الدكتور محمد تحقيرها؛ فقد قال النبي ﷺ في حق من ابتلي بشيء من الوساوس: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ»، وهذا الانتهاء عن التفاعل مع هذه الوساوس والاعتناء بها والاهتمام بها هو الدواء القالع لها في الحقيقة، وعلى هذا تتفق كلمة الأطباء مع إرشاد الشرع الحكيم.

• اللجوء إلى الله تعالى: فقد أرشد النبي ﷺ إلى اللجوء إلى الله تعالى، القوي العزيز، وأن يكثر الإنسان من طلب الحماية منه سبحانه وتعالى، وأن يقول: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».

فما أرشدك إليه الدكتور محمد هو الطريق الذي ستنجو بسلوكه -بإذن الله تعالى- من شر الوساوس.

ونزيد هنا من الجوانب الأخرى -أيها الحبيب- فنقول:
إن تصورك للأمر بالطريقة التي ذكرتها، من أنك حاولت أن تفسر ما أصابك من المكروهات بأنه فضل من الله تعالى ليرجعك إلى الصواب، فهذا توفيق من الله تعالى لك في كيفية تفكيرك وتناولك للأمور وشرحك لها؛ فالله تعالى رحيم بعباده، لطيف بهم، يسوق لهم من الأقدار ما يصلحهم وينفعهم في دينهم ودنياهم، وربما قدر الله تعالى بعض المكروهات على بعض عباده؛ ليردهم إلى الحق والخير ردًّا جميلًا.

فتفكيرك بهذه الطريقة توفيق من الله تعالى لك، ولكن ينبغي أن تصحح في تصورك أمرًا مهمًّا جدًّا، وهو ألا تجعل المرض نفسه هو الحارس بينك وبين المعصية؛ فليس المرض هو الذي عصمك من الذنب، وإنما الذي منعك من الذنب هو توفيق الله تعالى وهدايته، وليس المرض بذاته.

صحيح أن الله تعالى قد يبتلي عبده ثم يرده إلى الحق بهذا الابتلاء، ولكن العبد الصالح هو الذي يبقى مستقيمًا على الطاعة بعد العافية، وينبغي للإنسان أن يسأل الله تعالى العافية، وقد أرشدنا النبي ﷺ في أحاديث كثيرة إلى سؤال الله تعالى العافية، فقال: «سَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ»، فنسأل الله تعالى أن يعافينا وأن يعافيك.

والتداوي لا تعارض بينه وبين التوكل، ولا بينه وبين الإخلاص؛ فقد قال النبي ﷺ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ»، وقال ﷺ: «فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً».

والأخذ بالأسباب المشروعة -أيها الحبيب- لا ينافي التوكل، بل هو من حقيقة التوكل؛ فالتوكل أن تأخذ بالأسباب وقلبك معلق برب هذه الأسباب، فأنت حينما تكون متوكلًا ستتداوى، وتعلم أن الشفاء بيد الله تعالى.

ولا ينبغي أن تقول: إن عوفيت رجعت إلى المعصية، بل حاول أن تقنع نفسك بأنه إن عافاك الله ازددت شكرًا، واستعنت بنعمة الصحة والعافية على الطاعة.

ومن الطبيعي جدًّا -أيها الحبيب- أن توجد بعض الشهوات لدى الإنسان، وليس علاجها إبقاء المرض، وإنما علاجها يكون بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى، والأخذ بأسباب مدافعة الشهوات، ومنها:

• غض البصر.
• البعد عن أسباب الفتنة.
• الصيام والإكثار منه إذا قدر عليه الإنسان.
• مجاهدة النفس.
• صحبة الصالحين.
فكل هذه أسباب تقاوم بها هذه الشهوات.

وأمَّا عن موضوع الإخلاص، وخوفك من أن يكون إخبارك لأهلك بالمرض منافيًا للإخلاص، فليس الأمر كذلك؛ فالإخلاص يتعلق بقصدك ونيتك، وهو أمر قلبي، وليس في مجرد إخبار الناس بما تعانيه منابذة أو مخالفة للإخلاص.

وقد قال الله تعالى عن نبيه موسى -عليه السلام- أنه قال لفتاه: {آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} [الكهف:62]، فمجرد إخبار الإنسان بما يعانيه، وليس على سبيل التسخط والاعتراض، لا حرج فيه، ولا ينافي المراتب العالية للإنسان المؤمن.

فنوصيك -أيها الحبيب- باتباع النصائح الطبية التي أسداها إليك الدكتور محمد في مدافعة الوساوس، وألا يحملك الوسواس على تحليل كل أمر ديني، هل علاجي ينافي التوكل؟ هل إخباري لأهلي ينافي الإخلاص؟ هل العافية ستفسدني؟ وغير ذلك من الأسئلة التحليلية التي من شأنها أن تعزز هذه الوساوس وتقويها.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقك لكل خير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً