الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تم عقد قراني ولكني ما زلت في بيت أهلي، فهل أطيع زوجي أم أمي؟

السؤال

السلام عليكم.

تم كتب كتابي منذ 5 أشهر، ودائمًا ما تحصل نزاعات وخلافات بين زوجي وأمي؛ نظراً لوفاة والدي، بخصوص من له الحق في توجيهي، أو أن أتبع كلامه أو كلام أمي؟ لأني أعتبر متزوجة، ولكني ما زلت في منزل أهلي، فمن يجب علي أن أتبع كلامه أمي أم زوجي؟

مع التذكير أنه لم يتم الدخول، وإنما مجرد كتب كتاب.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ دينا حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلاً بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لك في زواجك، ويؤلف بين زوجك ووالدتك، ويرزقكم الحكمة، وحسن العشرة، ويجنبكم أسباب النزاع.

فالمشكلة في مثل حالتك لا ينبغي أن تتحول إلى سؤال: من ينتصر: الأم أم الزوج؟ لأن لكل واحد منهما حقًا مختلفًا، وكثير من النزاع ينشأ حين تتداخل الحقوق؛ فتتصور الأم أن الزواج لم يغير شيئًا ما دامت ابنتها في بيتها، ويتصور الزوج أن العقد أعطاه جميع تفاصيل القوامة الزوجية، كما لو انتقلت زوجته إلى بيته، والصواب يحتاج إلى شيء من التفصيل:

أولاً: بمجرد عقد النكاح الصحيح أصبحت زوجة له شرعًا، وليس مجرد خاطب كما كان قبل العقد، وثبتت بينكما أحكام الزوجية في الجملة، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، ولذلك لا يصح أن يقال: ما دام الدخول لم يقع فلا حق للزوج مطلقًا في توجيه زوجته، أو طاعتها له، فالزوجية بدأت بالعقد لا بحفل الزفاف.

ثانيًا: لكن بقاءك في بيت والدتك، وعدم حصول الدخول، وانتقالك إلى بيت الزوجية له أثر في بعض التفاصيل العملية، وخاصة إذا كان المتعارف، أو المتفق عليه أن انتقالك الكامل إلى طاعة الزوج في شؤون المسكن، والخروج، ونحو ذلك يكون بعد الدخول؛ فلا يصح للزوج أن يتعامل مع هذه المرحلة وكأنك انتقلت بالفعل إلى بيته، ثم يجعل كل مخالفة لأمره نشوزًا، كما لا يصح للأسرة أن تتعامل معه كأنه لا يزال أجنبيًا؛ لا حق له حتى ليلة الزفاف.

ثالثًا: إذا تعارض أمر الزوج وأمر الأم في مسألة تتعلق بحقوق الزوجية التي ثبتت له، ولم يكن في أمره معصية أو ضرر معتبر، فالأصل تقديم حق الزوج فيما هو من حقوقه؛ لأن الطاعة هنا متعلقة بعقد وحق مخصوص، أما إذا أمرتك والدتك بشيء من برها، وخدمتها، والإحسان إليها مما لا يضيع حق زوجك، فلا يجوز لك تركه بحجة أنك أصبحت متزوجة؛ فالزواج لا يسقط بر الأم، قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

رابعًا: ليس كل ما يقوله الزوج واجب الطاعة لمجرد أنه الزوج، كما أن كل ما تقوله الأم ليس واجب الطاعة لمجرد أنها الأم؛ وإنما ينظر في موضوع الأمر، وحق صاحبه فيه، فإذا قالت أمك مثلاً: أحسني إليّ، أو ساعديني في حاجة تحتاج إليك فيها، فهذا من البر ما لم يتعارض مع حق لازم لزوجك، وإذا وجهك زوجك فيما يتعلق بحياتكما الزوجية، ومستقبلكما في المعروف، فله حق معتبر، أما الأمور التي لا حق لأحدهما في إلزامك بها، فلا ينبغي تحويلها إلى معركة طاعة وعصيان.

خامسًا: ننصح زوجك ووالدتك ألا يجعلاك ساحة لإثبات سلطة أحدهما على الآخر؛ فهذا من أخطر ما يمكن أن تبدأ به الحياة الزوجية؛ فوالدتك قد فقدت زوجها، وأنت ما زلت في بيتها، وقد يكون انتقال ابنتها إلى حياة جديدة أمرًا حساسًا عليها، فتحتاج إلى البر والطمأنة، لا إلى إشعارها بأن دورها انتهى، وزوجك كذلك يحتاج أن يشعر بأن مكانته زوجًا محترمة، وأن كل قرار بينكما لن يصبح خاضعًا لموافقة الأسرة.

سادسًا: أنت أيضًا لا تنقلي كل كلمة بين الطرفين؛ فلا تقولي لزوجك في كل موقف: أمي قالت كذا، ثم تنقلين إلى أمك: زوجي رفض كذا؛ فإن هذا يصنع مع الأيام خصومة متراكمة، بل حاولي أن تحلي المسائل البسيطة بنفسك، وأن تخاطبي كلا منهما بما يحفظ قدر الآخر، ولا تجعلي اختلافهما تنافسًا على من يملكك؛ فأنت زوجة لهذا، وملتزمة ببر هذه، ويمكن في غالب الأمور الجمع بين الحقين.

سابعًا: هذه الأشهر قبل الدخول ينبغي أن تستثمروها في وضع اتفاق واضح بينك وبين زوجك حول شكل حياتكما بعد الزواج: كالسكن، والزيارات، والعلاقة بالأهل، والحدود التي تحفظ خصوصية بيتكما، وطريقة التعامل عند الاختلاف، وكلما كانت هذه الأمور واضحة قبل انتقالك إلى بيت الزوجية؛ قل احتمال أن تتحول بعد ذلك إلى نزاعات كبيرة.

الخلاصة: أنت زوجة شرعًا منذ إبرام العقد، ولزوجك حقوق الزوج، لكن عدم حصول الدخول، وبقاءك في بيت أهلك معتبر في بعض التفاصيل بحسب الاتفاق والعرف، وبر والدتك باق لا يسقط بالزواج، وطاعة الزوج إنما تكون في المعروف، وفي ما له فيه حق، وليس المطلوب منك أن تختاري بين أمك وزوجك، وإنما أن تعطي كل ذي حق حقه، وإذا وقع تعارض حقيقي في مسألة بعينها، فلا يكفي أن نسأل: من قالها، الزوج أم الأم؟ بل ننظر أولاً: لمن الحق الشرعي في هذه المسألة؟ وبذلك تتحول القضية من صراع أشخاص إلى ميزان حقوق.

نسأل الله أن يصلح بينكم، ويبارك لك في زواجك، ويجمع بين حق زوجك وبر والدتك على خير، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً