الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدتي مريضة والجميع يتهرب من مسؤولية رعايتها!!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لدي أم -بارك الله في عمرها- ولها خمسة أبناء وأربع بنات، وهي الآن مريضة، والجميع يتهرب من مسؤولية رعايتها، وفي النهاية أجد نفسي أحمل همها وحدي؛ فأمي لا تجد راحتها عند أبنائها، وقد قالت لي: إن زوجات أبنائي لا يردنني معهنَّ، كما أن أخواتي يرفضن أن تقيم عندهنَّ، ويقلن: إن لها أبناء، وهم المسؤولون عنها.

أما نحن، فليست لدينا القدرة على الإنفاق عليها، ولا نملك سيارة لنقلها إلى المستشفى، وكان زوجي هو الذي يوصلها إلى الطبيب والمستشفى، والمشكلة أن إخوتي ظنوا أن ذلك واجب عليه، فأصبح الأمر معتادًا لديهم؛ فكلما مرضت اتصلوا بي وقالوا: قولي لزوجك أن ينقل أمي إلى المستشفى؛ حتى لا يأتوا هم، ويقولون: إننا نحن بناتها، والواجب علينا رعايتها.

ولأمي منزل، ولكن أخواتي القريبات منها لا يردن السكن معها، فقلت لإخوتي الذكور: "بِيعوا المنزل، وسأجلب أمي لتقيم عندي، وأبحث لها عن مساعدة ترعاها، وأنفق عليها من مالها"، فوافق الجميع؛ لأنهم يريدون فقط التخلص من المسؤولية.

لكن زوجي رفض ذلك، وقال لي: "أنتِ لديك مسؤولية الأطفال، وعليكم جميعًا أن تتعاونوا في رعاية أمكم، لا أن تتحملي المسؤولية وحدك".

ولي أخت موجودة في فرنسا، وهي مرتبطة بجمعية هناك، وليس لديها أوراق إقامة، فقلنا لها: "عودي إلى المغرب، وأقيمي مع أمي وارعيها، ونحن سنوفر لك مبلغًا من المال"، لكنها رفضت الرجوع، علمًا بأن أمي هي التي تولت تربية بناتها عندما ذهبت إلى فرنسا، حتى كبرن وخرجن للعمل، ثم تركنها رغبةً في بناء مستقبلهنَّ!

ولي كذلك أخوان موجودان في فرنسا، أحدهما متزوج، والآخر يعيش بمفرده، وكلاهما يحمل الجنسية، وكان آخر ما قالوه: إن أمي ليس مكانها هنا، ولا يوجد طبيب، ولا دواء، ولا من يرعاها.

والله المستعان، وقد فوضت أمري إلى الله. أريد منكم أن تساعدوني في إيجاد حل يرضي الجميع، فليس لي همٌّ إلا أن تعيش أمي في راحة، وقد تعبت من كثرة التفكير.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ كوثر حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يشفي أمكِ، ويبارك في عمرها، وأن يجزيكِ خيرًا على بركِ وحرصكِ عليها، وأن يؤلف بينكِ وبين إخوتكِ على ما فيه رضا الله وراحة والدتكم.

فنحن نتفهم ما تمرين به من تعب؛ لأنكِ لا تحملين همَّ مرض أمكِ فقط، بل تحملين معه همَّ البحث عمن يرعاها، حتى أصبح كل واحد من إخوتكِ يدفع المسؤولية إلى غيره، وانتهى معظم الحمل إليكِ وإلى زوجكِ.

ومع ذلك، نريدكِ أن تنظري إلى الأمر من زاوية أخرى أيضًا: لقد فتح الله أمامكِ بابًا عظيمًا من أبواب الجنة، فلا تجعلي تقصير إخوتكِ يحجب عنكِ فضل ما أنتِ فيه، مع ضرورة تنظيم المسؤولية؛ حتى لا تستنزفي نفسكِ وأسرتكِ، ونحب أن نسير معكِ وفق ما يلي:

• أولًا: بر الأم في حال ضعفها وكبرها من أجلِّ الطاعات:
قد خص الله تعالى مرحلة الكبر -كبر الوالدين- بالذِّكر، فقال: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء:23]؛ لأن الوالد حين يكبر يحتاج إلى أولاده كما كانوا يحتاجون إليه صغارًا.

فكل مرة تحملين فيها أمكِ إلى الطبيب، وكل دواء تحضرينه، وكل ساعة تجلسين فيها إلى جوارها، وكل تعب تتحملينه من أجل راحتها، يُرجى أن يكون لكِ عند الله عبادة وأجرًا عظيمًا إذا احتسبتِ، وتذكري قول النبي ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُهُ»، قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: «مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا، ثُمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ»، فوجود أمكِ اليوم وهي محتاجة إليكم ليس عبئًا مجردًا، بل فرصة قد لا تبقى طويلًا، والسعيد من عرف قدرها قبل فواتها.

• ثانيًا: هذه المسؤولية ليست عليكِ وحدكِ:
أُمُّكم أمٌ للجميع، وبرها واجب على أبنائها وبناتها بحسب استطاعتهم؛ فمن استطاع الخدمة خدم، ومن استطاع النفقة أنفق، ومن عنده سيارة شارك في نقلها، ومن كان بعيدًا ولا يستطيع الحضور شارك بما يستطيع من المال والمتابعة، ولا يصح أن يقول الأبناء: البنات أولى بها، ولا أن تقول البنات: لها أبناء ذكور؛ فالخطاب ببر الوالدين للجميع.

• ثالثًا: زوجكِ ليس مكلفًا شرعًا بخدمة أمكِ ولا بإيصالها إلى المستشفى:
ما كان يفعله زوجك طوال هذه المدة إحسان منه يُشكر عليه، ولا ينبغي لإخوتكِ أن يحولوا تفضله إلى واجب دائم، كما ينبغي لكِ ألَّا تجعلي بر أمكِ سببًا للنزاع معه؛ فهو محق في أن أصل المسؤولية ينبغي أن يوزع بين أبنائها جميعًا، وخاصة أن لديكِ زوجًا وأطفالًا لهم حقوق عليكِ.

• رابعًا: نرى ألَّا تتعجلوا في بيع بيت أمكم ما دام صالحًا لإقامتها، بل قد يكون بقاؤها في بيتها مع توفير الرعاية أرفق بها؛ لذا نرى أن تجتمعوا أنتم التسعة، وأن تضعوا نظامًا واضحًا:

• من يتابع علاجها.
• من يزورها ويطمئن عليها.
• من يتولى نقلها إلى الطبيب والمستشفى.
• من يشارك في نفقاتها.
• من يستطيع المبيت معها عند حاجتها إلى ذلك.

وإذا كانت تحتاج إلى رعاية مستمرة، فيمكن استئجار امرأة موثوقة تكون معها، ويشارك القادرون من إخوتكِ في أجرتها، وخاصة من يعيشون في الخارج ولا يستطيعون خدمتها بأنفسهم.

• خامسًا: لا يلزم أختكِ التي في فرنسا أن تترك حياتها وتعود لتتحمل المسؤولية كلها:
كما أنه لا يجوز لأختك ولا لإخوتكِ هناك أن يعتبروا البُعد مُسقطًا لحق الأم؛ فمن عجز عن الخدمة بنفسه استطاع غالبًا أن يشارك بماله، ومن عجز عن المال ربما استطاع بوقته ومتابعته، والمقصود أن يقدم كل واحد ما يقدر عليه.

• سادسًا: لا تدعي تقصير إخوتكِ يفسد عليكِ لذة البر:
طالبي إخوتك بحق أُمِّهم، ولكن لا تجعلي عملكِ متوقفًا على أن يكونوا مثلكِ؛ فقد يكون الله قد اختاركِ من بينهم لتكوني أقربهم إلى أمكِ في ضعفها، وهذه نعمة عظيمة إذا استطعتِ القيام بها دون تضييع الحقوق الأخرى، وكم من إنسان بعد وفاة أمه يتمنى لو عادت ساعة واحدة ليخدمها، أو يسمع صوتها، أو يحمل عنها شيئًا، فلا يستطيع.

واجمعي إخوتكِ على كلمة عملية واضحة، بعيدًا عن العتاب القديم، وقولي لهم: أمنا لها تسعة من الأولاد، وليس من العدل أن يتحمل مسؤوليتها واحد ويعتذر الثمانية؛ فلنقسم المسؤولية بحسب قدرة كل واحد منا، وإن لم تستطيعوا الاتفاق، فأدخلوا شخصًا كبيرًا من الأسرة يحترمه الجميع؛ ليضع معكم ترتيبًا عادلًا.

وأنتِ استمري في برها بما تستطيعين، وأحسني إلى زوجكِ، واشكري له ما قدمه لها، ولا تحمليه ما ليس واجبًا عليه، ولا تحملي نفسكِ فوق طاقتها، واحتسبي عند الله خطواتكِ، وتعبكِ، ومالكِ، ووقتكِ؛ فما يُبذل في بر الوالدين لا يضيع عند من قال سبحانه: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة:215].

نسأل الله أن يشفي أمكِ، وأن يلين لها قلوب أولادها، وأن يرزقكم برها قبل أن يأتي يوم تتمنون فيه خدمتها فلا تجدونها، وأن يجعل قيامكِ عليها سببًا لرضاه، وبركة في بيتكِ وأولادكِ، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً