الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رفضت البدء في التجهيز للزواج فتركني خاطبي وفسخ الخطبة!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر (32 عامًا)، وقد خُطبت، وبعد الخطبة بدأت أشعر بعدم الارتياح، وعدم وجود مشاعر الحب تجاه خطيبي، وفي الوقت نفسه كان قليل الاهتمام بي، ومرَّ شهران على ذلك، وكنتُ قد رفضتُ البدء في التجهيز للزواج، فحدثت مشكلة بيننا، وتركني.

ثم جاء إلى أبي، وقرر فسخ الخطبة دون استشارتي أو إشراكي في الحديث، وكأنني لستُ طرفًا أساسيًا في العلاقة، كما أنه لم يرد على رسائلي، ولم يتفاهم معي أو يمنحني فرصة للحديث.

وجاء بالشيخ في الصباح الباكر لإتمام الفسخ، رغم عدم وجود أخي في البيت، مع أن أخي صديقه المقرب، وإنما كان أبي موجودًا.

حاولتُ أن أجعله يتراجع عن قراره، لكن دون فائدة؛ فقد أصرَّ عليه، واكتفى بالاتصال بأخي ليخبره بأنني السبب في فسخ الخطبة؛ عندها شعرتُ بالظلم، وانهارت أعصابي، وظللتُ حزينة لمدة شهرين.

وبعد ذلك استمر في إلقاء اللوم عليَّ، ويقول: «سلمتكم بيد الله ليأخذ حقي منكم»، رغم أنه هو من قرر فسخ الخطبة، وقد أرجعتُ إليه كل شيء، بما في ذلك خاتم الخطبة.

فهل أنا المذنبة فيما حدث أم هو؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ مريم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، وبدايةً: نسأل الله أن يسهل أمركِ، وأن يُقدِّر لكِ الخير، ثم يرضيكِ به.

وأرجو ألَّا يأخذ الموضوع أكبر من حجمه، فلستِ أول فتاة لا تستمر في مسيرة الخطبة، والإنسان عليه أن يرضى بما يقدره الله تبارك وتعالى، بل الأمر كما قال عمر بن عبد العزيز: "كنا نرى سعادتنا في مواطن الأقدار".

وإذا لم يتم هذا المشروع؛ فنسأل الله أن يفتح عليكِ بمشروع زواج آخر، وأن يأتي ويطرق بابكِ من يتفهم الوضع، ويعينكِ على إكمال المشوار.

هذا الذي حدث ما ينبغي أن نقف عنده طويلًا: من المخطئ؟ ومن الذي لم يخطئ؟ لا تُتعبي نفسكِ بهذه الأمور؛ لأن الإنسان ينبغي أن يُوقن أن هذا أمرٌ قدَّره الله -تبارك وتعالى- القائل: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا}، ولاحظي، لم يقل: "علينا"؛ لأن الذي يُقدره الله -تبارك وتعالى- هو الخير.

وطبعًا، نحن أيضًا كنا نتمنى أن يكون هناك نوع من التفاهم، لكن هذا لم يحدث، وعليه أرجو ألَّا يأخذ الموضوع أكبر من حجمه، ولعلَّ هذا الذي حدث -رغم الألم الذي قد يكون حدث لكِ أو له- هو الأفضل من الاستمرار وتأسيس حياة ليس فيها تفاهم، وليس فيها اهتمام، وليس فيها قُرب، وليس فيها مشاعر؛ فالإنسان ينبغي أن يُدرك هذا، وقد قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}.

إذًا: أرجو أن تُلاحظي هذه المعاني التي أشرنا إليها؛ فالمؤمنة ترضى بما يُقدِّره الله تبارك وتعالى، وقد أحسنتم عندما رددتم له الأشياء التي له، وبهذا أنتم خرجتم من الحرج الشرعي.

ونتمنى أيضًا ألَّا تقفي طويلًا: ليته فعل، ليته كذا؛ فإن "لو" تفتح عمل الشيطان، ولذلك الإنسان ينبغي أن ينظر إلى الأمام، استقبلي حياتكِ بأملٍ جديد، وبثقةٍ في ربنا المجيد سبحانه وتعالى، واسألي الله من فضله، وقومي بما عليكِ.

ودائمًا نحن نقول في مثل هذه الأحوال: قد يكون هذا الذي حدث فيه خير كثير؛ إذ أحيانًا الإنسان قد يدخل على الزوجة، ثم بعد ذلك يرزقهم الله بطفل، ثم تفاجأ وتُصدم بتقصير من قبل الزوج، فتكون عندها الخسارة كبيرة، والألم كبيرًا، وبالتالي فإن الإنسان عليه أن يرضى بما قسم الله له.

فإن مثل هذه الأمور حين تظهر في وقت مبكر، وتنتهي العلاقة بسببها؛ ينبغي أن ننظر إلى جانبها الإيجابي، وهو أن الأمر توقف قبل أن تتعمق العلاقة، وقبل أن تتقدم الخِطبة إلى عقد نكاح، فتكون تبعات الانفصال وآثاره أكبر، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يقدر لكِ الخير، ثم يرضيكِ به.

فأنتِ لستِ آثمة، وهو أيضًا قد لا يكون آثمًا، ولكن في النهاية هذا قدَّره الله تبارك وتعالى، ونتمنى أيضًا أن يكون لكِ تواصل بعد أن عرفتِ موقعكِ، فإذا كنتِ متضايقة من الخاطب؛ فاعتبرينا في موقع الآباء، نشارككِ، ونناقشكِ قبل أن تتخذي القرار.

وعليه أيضًا وعلى جميع الرجال أن يتعرفوا على موقعهم (إسلام ويب)؛ حتى نستطيع أن ندير مثل هذه الأمور، فكونه لم يهتم؛ هذا خطأ كبير، وشعوركِ بعدم الارتياح؛ هذا كان يحتاج إلى دراسة في وقتها، وكونه أيضًا يتخذ القرار؛ هذا غير صحيح، فالإنسان لا بد أن يستشير الكبراء في العمر، وأهل الخبرة، وأهل الاختصاص، وأهم من هذا أن يتواصل مع مواقع متخصصة في مثل هذه الأمور.

نقول هذا لأن العاقلة مثلكِ تستفيد من الدرس، قال النبي ﷺ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ»، والذي نريده ألَّا تحملي نفسكِ ما لا تطيق، فتلك صفحات قد طُويت، والكلام الذي يقوله: "أن له حقًا، وأن له كذا"؛ هذا لا تنزعجي به، فأنتِ أيضًا شعرتِ أن لكِ حقًا، ورفضتِ لأجل تلك الحقوق الغائبة، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يغفر لنا جميعًا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، هو وليُّ ذلك والقادر عليه.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً