الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجي متعلق بأهله بدرجة كبيرة.. ما الذي ينبغي علي فعله؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أشعر أن زوجي لم يتأقلم بعد مع حياته الزوجية الجديدة، وكأن الحبل السري لا يزال مرتبطًا بأهله؛ فهو لا يستطيع أن يأكل دونهم، وفي الوقت نفسه لا يُقصِّر في حقّي.

أريد أن أعرف: ما الحل؟ وما الذي ينبغي لي فعله؟ فأنا امرأة استطعت أن أفارق أهلي، وأنتقل إلى بيت زوجي، فلماذا لا يستطيع هو ذلك؟ أريده أن يتعلق بي، وألّا يكون تعلقه بأهله بهذه الدرجة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ Manal حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أهلًا بكِ في موقعكِ إسلام ويب، ونسأل الله أن يبارك لكما في زواجكما، ويؤلف بين قلبيكما، ويرزقكما الحكمة في بناء بيت مستقل بالمودة والرحمة، من غير أن يكون ذلك على حساب بر الوالدين وصلة الأهل.

فعبارتكِ: «حبله السري لا يزال مرتبطًا بهم» تُظهر مقدار ضيقكِ من شدة تعلق زوجكِ بأهله، لكنكِ ذكرتِ في المقابل أمرًا مهمًا جدًا ينبغي ألّا يغيب عنكِ، وهو أنه غير مقصر معكِ.

وهذه نقطة تجعلنا ننصحكِ بألّا تنظري إلى المسألة منذ البداية على أنها معركة بينكِ وبين أهله، وإنما باعتبارها مرحلة انتقال يحتاج فيها زوجكِ إلى شيء من الوقت؛ حتى يوازن بين حياته التي عاشها سنوات مع أسرته، وحياته الزوجية الجديدة، فانتبهي لما يلي:

▪ أولًا: لا تجعلي هدفكِ أن يتعلق بكِ ولا يتعلق بهم:
فمن المهم أن تدركي أن هذه المعادلة نفسها غير صحيحة؛ فأنتِ زوجته، وهم أهله، ولكِ حق لا يملكونه، ولهم حقوق لا تملكينها، ونجاحكِ ليس في انتزاعه من أسرته، وإنما في أن يصبح لكِ في قلبه ووقته وحياته المكان الذي يليق بالزوجة، مع بقائه بارًا بأهله؛ فالرجل الصالح يستطيع أن يحب زوجته، ويأنس بها، ويشتاق إلى أهله في الوقت نفسه.

▪ ثانيًا: هناك فرق بين بره بأهله وبين اعتماده الزائد عليهم:
من المهم هنا أن تميزي بين الأمرين؛ فإذا كان يحب الأكل معهم، ويزورهم كثيرًا، ويأنس بوجودهم، مع قيامه بحقوقكِ وحفظ خصوصية بيتكِ، فلا تكبري الأمر، أمَّا إذا كان لا يستطيع اتخاذ قرار إلا بعد الرجوع إليهم، أو ينقل إليهم تفاصيل حياتكما، أو يقدم رغباتهم دائمًا على حقوقكِ، أو لا يستطيع أن يعيش معكِ حياة مستقلة؛ فهنا توجد مشكلة تحتاج إلى معالجة هادئة.

▪ ثالثًا: لا تقارني نفسكِ به، فتقولي: «أنا تركت أهلي من أجله، فلماذا لا يترك أهله من أجلي؟»:
فالمقارنة بين حالكِ وحاله في هذا الجانب ليست في محلها؛ فالزواج لم يأمركِ أنتِ بقطع أهلكِ، ولم يأمره هو بذلك، وإذا اضطررتِ بحكم الزواج إلى الابتعاد عن أسرتكِ، فهذا لا يعني أن المقدار نفسه يجب أن يُفرض عليه حتى يتحقق العدل بينكما؛ فالمطلوب أن يعطيكِ حقكِ، لا أن يتألم بفراق أهله بالمقدار الذي تألمتِ به أنتِ.

▪ رابعًا: احذري من منافسة أهله، وخاصة والدته:
ومن المهم أن تحرصي على ألّا يشعر زوجكِ بأنه أمام مفاضلة بينكِ وبين أهله؛ فإذا شعر أن زوجته تريد أن تختبر حبه لها بمقدار ابتعاده عن أمه وأسرته، فسيتمسك بهم أكثر؛ لأنه سيشعر أن الزواج يهدد بره بأمه، ولا يخفاكِ أن بره بوالدته باب له إلى الجنة، كما أن بركِ بوالديكِ باب لكِ إليها، أمَّا إذا وجد منكِ احترامًا لأهله، مع مطالبة هادئة بحقوقكِ، فسيكون أقدر على الاقتراب منكِ دون شعور بأنه يسيء إلى أسرته.

▪ خامسًا: اصنعي داخل بيتكِ أسباب الأنس بدلًا من المطالبة بالتعلق:
يمكنكِ تحقيق ذلك من خلال بناء تفاصيل جميلة ومشتركة في حياتكما؛ فشاركيه الطعام، وابتكرا عادات خاصة بكما، واخرجا معًا، وتحدثا، واجعلي لكما أوقاتًا خاصة لا يدخل فيها أحد من الأسرتين، واهتمي بما يحبه دون تكلف؛ فالتعلق الزوجي الصحي لا يُصنع بالأوامر، وإنما تبنيه الأيام، والمواقف، والأمان، والمودة، والذكريات المشتركة.

▪ سادسًا: تحدثي معه عن احتياجكِ، لا عن اتهامكِ له:
عندما تتحدثين معه عن هذا الأمر، احرصي على أن تعبري عما تحتاجينه بهدوء، بعيدًا عن اللوم والانتقاد؛ فلا تقولي: «أنت ما زلت طفلًا متعلقًا بأهلك»، أو: «الحبل السري لم ينقطع»؛ فهذه العبارات ستدفعه إلى الدفاع عن نفسه وأهله، وقولي له بمعنى هادئ: «أنا أحب برك بأهلك، ولا أريد أن أقطعك عنهم، لكنني أحتاج إلى أن نشعر بأن لنا حياة خاصة، وأن نبني عاداتنا ووقتنا وقراراتنا نحن أيضًا».

▪ سابعًا: أعطي الأمر وقتًا، وخاصة إن كان الزواج حديثًا:
فلا تتعجلي في الحكم على هذا الوضع أو انتظار تغيره سريعًا؛ فالانتقال النفسي من بيت الأسرة إلى تكوين أسرة جديدة لا يحدث عند الجميع بالسرعة نفسها، وما دام زوجكِ يحسن عشرتكِ ولا يقصر في حقوقكِ، فلا تحولي أمرًا قابلًا للتحسن الطبيعي إلى أزمة قد تصنع فعلًا فجوة بينكما.

والأجمل أن تغيري أمنيتكِ من: «أريده أن يتعلق بي وليس بهم» إلى: «أريده زوجًا يحبني، ويأنس بي، ويستقل معي في حياتنا، وفي الوقت نفسه يبقى ابنًا بارًا بأهله»؛ فإن استطعتما تحقيق هذا التوازن، فقد ربحتِ زوجًا وأسرة، بدلًا من أن تربحي قرب الزوج بثمن الخصومة مع أهله.

فابني مكانكِ في قلبه، ولا تحاولي إخلاء مكان أهله منه؛ فإنكِ لا تحتاجين إلى ذلك، فالقلوب تتسع، وحقوق الزوجة لا تحتاج إلى قطع حقوق الوالدين حتى تثبت، ومع المودة، وحسن العشرة، وصناعة حياة خاصة بكما؛ سيزداد تعلقه ببيته الجديد بصورة طبيعية.

ونسأل الله أن يؤلف بينكما، ويجعل بيتكما سكنًا ومودة ورحمة، والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً