الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هل القولون العصبي يسبب الاكتئاب والخوف والقلق؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بارك الله فيكم على ما تقدمونه من خدماتٍ جليلة.

أما بعد، فأنا شاب أبلغ من العمر 31 عامًا، ومشكلتي أنني قبل خمس سنوات انتابتني موجةٌ مفاجئةٌ من الاكتئاب والقلق والخوف غير المبرر، وبعدها اشتدت عليَّ الأعراض، فقمت بزيارة طبيبٍ عام، فشخَّص حالتي بالقولون العصبي، وأخبرني الطبيب أنه هو الذي يسبب لي هذه الأعراض، ووصف لي دواء "دوجماتيل"، وأرشدني إلى تغيير نمط حياتي، وضرورة ممارسة الرياضة.

بعدها خفَّت الأعراض نوعًا ما، وأصبحت أسيطر عليها بالتجاهل ومحاربة الفراغ.

لكن هذه السنة، يا سيدي، اشتدت عليَّ الأعراض بشكلٍ قوي، وأصبحت أعاني نفسيًّا من قلقٍ وتوترٍ دائمين، ووساوس، وتبددٍ في الواقع، وخوفٍ غير طبيعي، وضيقٍ نفسي، واكتئاب، وتشوشٍ في الذهن.

كما تراودني أحيانًا مشاعر بأنني مريضٌ نفسي، أو أنني مصابٌ بالذهان أو الفصام، وأغذي هذه الأفكار بالبحث في الإنترنت عن هذه الأمراض، حتى أصبحت ملمًّا بكثيرٍ من هذه الأمراض النفسية.

هذه الأعراض، يا سيدي، نغَّصت عليَّ حياتي، وأصبحت حبيس تفكيري وقلقي الدائم.

وسؤالي، يا سيدي:
• هل القولون العصبي يسبب هذه الأعراض النفسية؟ وهل تنظيم القولون باتباع نظامٍ غذائيٍّ صحي يمكن أن يؤدي إلى اختفاء هذه الأعراض؟
• هل يوجد حلٌّ لهذه المشكلات دون اللجوء إلى الأدوية النفسية والطب النفسي؟
• ما السبل التي تساعدني على الخروج من هذه الحالة النفسية؟

أفيدوني، جزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أنس حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

شكرًا على رسالتكَ، وقد اطلعتُ عليها اليوم، والتي ذكرتَ فيها بالتفصيل أنك تعاني من موجةٍ من الاكتئاب، والقلق، والخوف، وأنها بدأت قبل خمس سنواتٍ، ورغم أن الأعراض تحسنت لفترةٍ ما، ولكن هذا العام زادت الأعراض بشكلٍ قويٍّ، وأصبحتَ بالتالي تعاني من قلقٍ وتوترٍ دائمين، ووساوس، وتشويشٍ في الذهن، وصرتَ وأصبحتَ حبيس أفكاركَ وقلقكَ الدائم.

أخي الفاضل، دعني أقول إن البداية هي بدايةٌ صحيحةٌ؛ أولًا: كتابتكَ لهذه الرسالة واستشارتكَ للطبيب النفسي في إسلام ويب هي بدايةٌ صحيحةٌ، وتطلب ذلكَ مناقشة الخطط العلاجية مع الطبيب المعالج، وأيضًا هذه البداية تحتاج منك إلى تدعيمها بالإقتناع بأن الطب النفسي هو أيضًا أحد فروع الطب التي يحتاجها الإنسان مثلما يحتاج إلى طبيب القلب، ويحتاج إلى طبيب الشرايين، ويحتاج إلى طبيب السكر، وهكذا.

وليس هناك مشكلةٌ في اللجوء إلى الطب النفسي، وهذا كان أحد أسئلتك: هل يوجد حلٌّ لهذه المشكلات دون اللجوء إلى الأدوية النفسية والطب النفسي؟ فاللجوء إلى الطب النفسي ليس عيبًا، وليس في ذلكَ أي وصمةٍ؛ فأنتَ تحتاج إلى الطب النفسي مثلما تحتاج -كما ذكرتُ لكَ- إلى معالجة ضغط الدم أو غيره من الأمراض أو الاضطرابات.

عمومًا -أخي الفاضل-؛ من ملخص رسالتكَ أنكَ فعلًا تعاني من اضطرابٍ نفسيٍّ مرتبطٍ بالاكتئاب والقلق، وهذا -نظرًا لاستمرار الحالة لفترةٍ طويلةٍ بدون علاجٍ- أصبح الأمر متفاقمًا، ويحتاج إلى تدخلٍ الآن، وتدخلٌ علاجيٌّ مهمٌّ جدًّا حتى تخرج من هذه الحالة.

ومجرد بداية الأعراض في شكل قولونٍ عصبيٍّ هذا لا يعني أن الاكتئاب كاضطرابٍ ليس موجودًا؛ فربما كانت البداية هي القولون العصبي، ولكن ما تذكره الآن -حتى هذه الأفكار المشوشة في ذهنكَ- هي تحتاج إلى تقييمٍ طبيٍّ سليمٍ، يقوم بفحصكَ، والتأكد من عدم وجود أي أعراضٍ جسمانيةٍ أخرى.

ولكن تنقية القولون والأكل الصحي هو شيءٌ إيجابيٌّ، ويمكن أن يساعد على تنقية صحتكَ، ومعالجة أي أعراضٍ مرتبطةٍ بالقولون، أمَّا الاضطراب النفسي فلا بد له من معالجته، وإلَّا فستتفاقم الحالة وتزيد بشكلٍ كبيرٍ، ويصعب معها العلاج، أو تصير مزمنة أكثر ويصعب علاجها؛ ولذلكَ التدخل العلاجي المبكر يساعد على الاستشفاء تمامًا، والخروج من هذه الحالة، واستعادة حياتكَ الطبيعية، والاستمتاع ببقية حياتكَ بشكلٍ إيجابيٍّ من غير أي اضطراباتٍ.

وأبشركَ أن القلق والاكتئاب من الاضطرابات النفسية المعروفة التي يمكن الاستشفاء منها تماماً، وهناك الكثير من التدخلات -منها الأدوية- التي هي لا تختلف كثيراً عن أي دواءٍ آخر؛ مثل أدوية السكر أو الضغط وخلافه، لكنها تعمل على معالجة الاضطرابات النفسية.

صحيحٌ أن كل الأدوية لها أعراضٌ جانبيةٌ، ولكن كثير جدًّا من الأدوية التي استخدمت حديثًا في الطب النفسي هي من الأدوية الجيدة التي تم اختبارها، ويستخدمها مجموعةٌ كبيرةٌ جدًّا من البشر في كل الدنيا؛ فلا يوجد هناك أي خوفٍ من هذه الأدوية.

فقط البداية الصحيحة هي المهمة، وهي اللجوء إلى الطب النفسي؛ لمعرفة ما هو موجودٌ من اضطراباتٍ نفسيةٍ، بالتالي التشخيص السليم هو الأساس، وتبدأ رحلة العلاج الصحيحة أيضًا باختيار التدخلات العلاجية المناسبة؛ سواءً كانت دوائيةً، كما أن هناك تدخلاتٍ نفسيةً أخرى يمكن أن تصاحب الخط العلاجية، ويمكن أن تساعدك على التخلص من هذه الحالة، وهي مثل كثيرٍ من التدخلات النفسية التي يقوم بها أخصائيون نفسيون، مثل: العلاج النفسي الفكري السلوكي وخلافه، والذي يمكن أن يساعدك على التخلص من القلق ومن الاكتئاب.

عمومًا -أخي الفاضل-، أنصحك بزيارة الطبيب النفسي، وعدم الخوف من معالجة نفسك ومعالجة هذه الحالة؛ لأن استمرارها يزيد من تفاقمها وحدوث أعراضٍ مزمنةٍ يصعب معها العلاج مستقبلًا.

أسأل الله أن يرزقك الشفاء والاستفادة من هذه الاستشارة.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً