الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

محتار! ...هل أدرس المذهب الشافعي أم الحنبلي؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعيش في بلدٍ مذهبه مذهب الشافعية، لكن المشكلة أن أهل هذا البلد كلهم أشاعرة وصوفية، ويتكلمون على السلفية، وأنا سلفي، وإذا درستُ الفقه الشافعي عند شيخ، فسيدرسني العقيدة والمنطق، وأنا لا أستطيع أن أقول له إنني سلفي؛ لأن السلفية محارَبةٌ إلى حدٍّ ما.

وأنا الآن على أعتاب الجامعة، ففكرتُ في الدراسة في المملكة، وأن أحاول الاستقرار هناك؛ لأنهم سلفيون، وليس هناك بدع، كما أن العلم وطلب العلم أفضل لديهم.

والآن أنا محتار، وباقي لي سنة على دخول الكلية، واحتمال أن أبقى في مدينتي، فهل أدرس المذهب الحنبلي أم الشافعي؟ لأنني محتارٌ جدًّا في هذا الموضوع، وقد مضى على ذلكَ نحو أربعة أشهر، وأنا كل يومٍ أتبنى رأيًا مختلفًا، ولا أدري ما الصواب.

فإذا اخترتُ المذهب الشافعي، فليس معنى ذلكَ أنني أقول إن الشافعي سيئٌ والحنبلي أفضل، وإنما أتحدث عن البيئة فقط، كما أنه لا يوجد أحدٌ هنا يدرس العقيدة الصحيحة إلا نادرًا جدًّا.

ومحمد بن عبد الوهاب من أكثر الأشخاص الذين يُحارَبون لدينا، ولا تكاد تجد أحدًا يدرس كتبه إلا قليلًا، ولذلكَ أضطر إلى مشاهدة الدروس عبر الإنترنت.

وقد وصلتُ إلى مرحلةٍ اقتنعتُ فيها بأن أدرس المذهب الحنبلي، وبدأتُ بالفعل عبر الإنترنت، كما أن لديَّ شيخًا أدرس عليه ما تيسر من المذهب الحنبلي.

لكنني فكرتُ في احتمال ألا يتيسر لي الذهاب إلى المملكة، أو ألا يتم قبولي فيها، وعندها قد لا يفيدني المذهب الحنبلي هنا كثيرًا، خاصةً أنني أصلي إمامًا بالناس تطوعًا في بعض الأحيان، وقد تحدث فتنٌ بسبب ذلكَ.

فما نصيحتكم؟ وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سيف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكَ -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكَ تواصلكَ بالموقع، ونسأل الله تعالى أن يتولى توفيقكَ، ويأخذ بيدكَ إلى كل خيرٍ.

ونهنئكَ -أيها الحبيب- بفضل الله تعالى عليكَ حين حبب إليكَ طلب العلم الشرعي ورغَّبكَ فيه؛ فهذا فضلٌ عظيمٌ من الله ينبغي أن تشكره، ومن شكر هذا الفضل: أن تستثمر هذه الرغبة، وتوجهها نحو الإنجاز والعمل، وتحاول أن تستغل أوقاتكَ، وترتب برنامجكَ بحيث تحصل من العلم ما ينفعكَ.

والنصيحة لكَ -أيها الحبيب- أن تبدأ بتعلم صغار العلم قبل كباره؛ فهذه هي السُّنة المتبعة لدى العلماء، فالطالب ينبغي له أن يبدأ بدراسة الأمور البسيطة، ثم يُضيف بعد ذلكَ إليها، فيتراكم العلم وتتراكم الخبرة به.

ولا شك -أيها الحبيب- أن المسلم مطالبٌ بأن يفقه أحكام عقيدته، وهي التي يُسميها العلماء (أصول الإيمان) أو (أحكام العقيدة)، ومطلوبٌ منه أن يتفقه في الأحكام الفرعية العملية، وهي ما يسمى بالفقه؛ فكل ذلكَ من العلم المطلوب للإنسان، ولذا ننصحكَ أن تعتني بالأمرين معًا.

وفي كيفية الدراسة نقول -أيها الحبيب-: ما دمتَ في بلدٍ يكثر فيه العلماء من المذهب الشافعي؛ فنصيحتنا لكَ أن تدرس على أيديهم، وتحاول الانتفاع بفقههم؛ فإنهم سيكونون أكثر قدرةً على إفادتكَ، والإجابة عن إشكالياتكَ، وإعانتكَ على تحصيل صغار العلم ثم كباره، وإن كان الدراسة عن بُعدٍ أيضًا وسماع الدروس والحلقات من العلماء فيه نفعٌ كبيرٌ؛ ولكنه ليس كنفع المجالسة للعالم والأخذ منه مباشرةً.

وأمَّا ما يتعلق بالعقائد؛ فإذا كنتَ تعلم أن المشايخ الذين في بلدكَ يتبعون مذهب الأشاعرة في العقيدة وفيهم تصوف؛ فمعرفتكَ هذه قد اختصرت لكَ الطريق، فينبغي أن تأخذ عنهم ما تنتفع به أنتَ من الفقه، وأمَّا مسائل العقائد والسلوك؛ فما دمتَ تعلم أنهم فيها على خطأ، فإن حذركَ من هذا الخطأ سيكون سهلًا يسيرًا، فلا يَضرُّكَ إذا سمعتَ مسألةً عارضةً أثناء دروس الفقه، مع ما تتمكن منه اليوم من معرفة العقيدة الصحيحة، بدراستها على أهلها من أهل العلم.

فبإمكانكَ أن تدرس العقائد التي تراها أنتَ أنها صوابٌ، وهي عقيدة سلف هذه الأمة، والعلماء الذين يشرحون هذه الكتب كثيرون -ولله الحمد-، والمواد العلمية المسجلة لدراسة هذه الكتب كثيرةٌ أيضًا، ومن أشهر المواقع التي ستنتفع بها -بلا شك- في دروسٍ علميةٍ مرتبةٍ وفق منهجيةٍ سهلةٍ للطالب: موقع الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى-.

فبإمكانكَ أن تدرس كتب أصول الإيمان عبر هذه القناة، وتستفيد من علماء بلدكَ فيما هم متقنون له من الفقه الشافعي، وبهذا تصل -بإذن الله تعالى- إلى تحصيل ما ينفعكَ في المجالين.

لا تتردد -أيها الحبيب- في اختيار أي المذهبين: الحنبلي أو الشافعي؛ فكلاهما من المذاهب المعتمدة لدى الأمة، المقبولة التي أطبقت الأمة على اتباعها، ولكن دراستكَ لمذهب بلدكَ أحسن، وأسهل، وأيسر، ولأن موافقة عموم الناس في بعض المسائل بقصد التأليف وجمع الكلمة أفضل من المخالفة ولو كان بقصد تطبيق السُّنَّة.

ومن أشهر العلماء الذين نادوا بهذا المبدأ: شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-؛ فقد قال في مجموع الفتاوى: «يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ بِتَرْكِ هَذِهِ الْمُسْتَحَبَّاتِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ التَّأْلِيفِ فِي الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ فِعْلِ مِثْلِ هَذَا، كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ تَغْيِيرَ بِنَاءِ الْبَيْتِ لِمَا فِي إِبْقَائِهِ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ».

فهذا أحد كبار أئمة الحنابلة، شيخ الإسلام ابن تيمية، يُقرِّر هذه القاعدة النفيسة التي ينبغي لنا أن نحرص على العمل بها والتأدب بها، فلا نعمد إلى مخالفة العامة وتفريق كلمتهم بالتزامنا لبعض السُّنن التي ينكرونها ولا يعرفونها، بل ينبغي التدرج بهم حتى نصل إلى مرحلةٍ نطبق فيها السُّنَّة ونحفظ فيها اجتماع الكلمة.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقكَ لكل خيرٍ، وأن يُيَسِّر لكَ أسباب العلم، وينفعكَ بما تتعلم.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً