الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تحدث في بيتنا أشياء غريبة ونسمع أصواتا، فما سبب ذلك وكيف نتقيه؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كانت تحدث دائمًا أشياء غريبة في بيتنا، وكذلك في أي بيت نذهب إليه، فمثلًا، نسمع أصواتًا غريبة في الليل، ويسمع أبي خطوات شخص يمشي، وعندما يستيقظ لا يرى أحدًا، ومؤخرًا أصبحنا نلاحظ أن بعض الأشياء تختفي من مكانها وتظهر في مكان آخر، مع أن أحدًا من أفراد العائلة لم يحركها.

كما أصبحنا نحلم بكوابيس عن مخلوقات خبيثة، مثل الجن والشياطين، ونراهم في أحلامنا يفعلون أشياء سيئة جدًا، بل مروعة أحيانًا، فما سبب ذلك؟ وما طرق الوقاية؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ غنى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، ومن خلال ما ذكرتِه في استشارتكِ، نذكر لك بعض الوصايا والأسس الإيمانية المهمة التي تعينكِ -بإذن الله تعالى- على التعامل مع ما تمرين به.

▪ أولًا: كوني متيقنة أن ما يصيب العبد إنما هو وفق ما قضاه الله وقدره عليه، وأن ما قضاه الله فيه خير للعبد، وإن كان ظاهره خلاف ذلك، قال تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، وقال ﷺ: «قَدَّرَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ».

ولما خلق الله القلم قال له: «اكْتُبْ»، قال: وما أكتب؟ قال: «اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، وقال ﷺ: «كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ، حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ»، والكيس: الفطنة.

▪ ثانيًا: شدة الابتلاء دليل على محبة الله للعبد، والجزاء يكون على قدر البلاء، فإن عظم البلاء عظم الجزاء، يقول ﷺ: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ»، فعليكِ بالرضا بقضاء الله وقدره، وحذارِ من التسخط، وإلا فالجزاء من جنس العمل.

▪ ثالثًا: عليكِ أن تنظري لمن هم أشد بلاء منكِ، فذلك حري ألا تتسخطي على قضاء الله وقدره، كما أن النظر في النعم يكون إلى من هو أدون منا، فكذلك البلاء ننظر إلى من هو أشد ابتلاء.

▪ رابعًا: كوني على يقين أن ما أصابكِ لم يكن ليخطئكِ، وما أخطأكِ لم يكن ليصيبكِ، قال ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا».

أختي الكريمة، بناءً على التقييم الدقيق للأعراض التي ذكرتِها من سماع الأصوات، واختفاء الأشياء، وتكرار الكوابيس المفزعة، فإن السبب الغالب والمباشر لهذه الظواهر هو تسلط وتلاعب من الجن -عُمَّار البيت- أو الشياطين، وهذا النوع من الأذى يقع لعدة أسباب، منها الغفلة عن ذكر الله في البيوت، أو خلوها من الطاعات.

والكوابيس هي من ترويع الشيطان ليحزن ابن آدم، لقوله ﷺ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالرُّؤْيَا السَّوْءُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، لَا تَضُرُّهُ» رواه البخاري.

وللوقاية والعلاج الجذري، وتطهير بيتكم من هذا الأذى، إليكِ هذه الخطوات الشرعية العملية المدعمة بالأدلة، والتي تكفيكم هم هؤلاء المتلاعبين بإذن الله:

▪ تطهير البيت بسورة البقرة: فهي السلاح الأمضى لطرد الشياطين من المنازل، قال رسول الله ﷺ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» رواه مسلم، والأفضل أن تُقرأ بصوت مسموع في البيت كل ثلاثة أيام.

▪ التسمية عند الأفعال اليومية: وهذا يمنع الجن من مشاركتكم أو تحريك أشيائكم، فقد قال رسول الله ﷺ: «إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ...» رواه مسلم، وقال أيضًا: «أَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا...» رواه مسلم.

▪ رفع الأذان عند الشعور بالخوف أو سماع الأصوات: فصوت الأذان يطرد الشياطين ويفزعهم، لقوله ﷺ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ» رواه البخاري ومسلم.

▪ التحصن بآية الكرسي قبل النوم: وهي الوقاية التامة من الكوابيس والجاثوم، فقد صح في البخاري أن من قرأها عند نومه: «لَمْ يَزَلْ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ».

▪ إزالة موانع دخول الملائكة: كالتماثيل والصور ذوات الأرواح المعلقة، والموسيقى، لقوله ﷺ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» (متفق عليه)، فإذا دخلت الملائكة هربت الشياطين.

ولأنكِ وأسرتكِ في كرب وحيرة وضيق، وعجزتم عن إيجاد الحل، أوصيكم بما يلي:

▪ أولًا: لزوم الاستغفار والإكثار من الصلاة على النبي ﷺ، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».

▪ ثانيًا: الإكثار من التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، وسؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، ومنها أن يرفع عنكِ البلاء، مع تحين أوقات الإجابة، كما بين الأذان والإقامة، للحديث: «الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ» وأثناء السجود، للحديث: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ، فَإِنَّهُ قَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ»، ومعنى قمن: أي حري أن يستجاب لكم، وفي الثلث الأخير من الليل، لحديث: «يَنْزِلُ رَبُّنَا فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُنَادِي: هَلْ مِنْ دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ...».

▪ ثالثًا: الإكثار من دعاء ذي النون: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فما دعا به أحد في شيء إلا استجاب الله له، يقول رسول الله ﷺ: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ».

▪ رابعًا: عليكِ بدعاء الكرب، وهو: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ»، فما دعا به أحد إلا نفّس الله كربه وفرج همه.

أخيرًا أختي الفاضلة، لا تجعلي الخوف ممَّا يحدث يسيطر عليكِ أو يشغلكِ عن حياتكِ وعباداتكِ، بل استعيني بالله تعالى، وحافظي على أذكاركِ وصلاتكِ، وأكثري من قراءة القرآن، وكوني على يقين بأن الله خير حافظًا، وتوكلي عليه، ومن توكل على الله فهو حسبه.

نسأل الله تعالى أن يحفظكِ وأسرتكِ وبيتكم من كل سوء، وأن يصرف عنكم كيد الشيطان وشره، وأن يملأ بيتكم سكينة وطمأنينة، ويجعل لكم من كل ضيق فرجًا، ومن كل هم مخرجًا، ونسعد بتواصلكِ.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً