الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رفضت حضور مناسبة عائلية فغضب مني والدي وهددني بقطع المصاريف!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حصل خلافٌ بيني أنا ووالدي، والسبب أنه كان البارحة فرحُ أحد الأقارب، وقلت لأبي: لا أريد الذهاب، وهو متمسكٌ برأيه ولا بد من الذهاب، حتى حصل خلافٌ بيننا ولم أذهب، ولكن والدي غضب مني وظن أنني لا أسمع كلامه وتكبرت عليه، ووصل الحوار إلى طريقٍ مسدودٍ، وقال لي: اصرف على نفسك، وادفع مصاريف جامعتك، وليس لي أي علاقةٍ بك.

للعلم أنا شخصٌ متحفظٌ جدًّا، وكنت محتفظًا بمبلغٍ دون علم أحدٍ به نظرًا لهذا الحال، فهل لو تركت البيت وذهبت إلى سكني القريب من الجامعة وقطعت البيت تمامًا إلى أن يشاء الله، هل علي إثمٌ؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ سعيد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أخي الكريم، أسأل الله تعالى أن يصلح ما بينك وبين والدك، ويشرح صدريكما، ويرزقك الحكمة وحسن البر.

أخي الفاضل، اعلم أن للأب حقًا عظيمًا، وأن برّه لا يقتصر على موافقته حين توافق رغبتك، بل يظهر أيضًا في الصبر عليه، ومداراته، واحتمال بعض ما تكرهه ابتغاء مرضاة الله تعالى، ولا سيما إن كان كبير السن، أو سريع التأثر، قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، وقال سبحانه: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]، وفي المقابل، للابن حقوق أيضًا؛ من أهمها الرعاية والنفقة بحسب أحكامها الشرعية والاستطاعة، والإحسان في المعاملة، ومراعاة حاجته إلى الدراسة والاستقرار، لكن قد لا يفهم الوالد دائمًا رغبات ابنه، أو طريقته في التفكير، وهنا يأتي دور الصبر والحوار، لا الهجر والقطيعة، لذا أنصحك بالآتي:

• لا تتخذ قرار مغادرة البيت وقطع التواصل وأنت غاضب؛ فقد يكون الخلاف على مناسبة عائلية عابرًا، بينما آثار القطيعة قد تطول.

• بادر إلى مصالحة والدك، واعتذر عن أي حدة في كلامك، أو تقصير في مراعاة خاطره، حتى إن كنت ترى أن عدم رغبتك في حضور الفرح كان له ما يبرره.

• ابحث عن حل وسط في المواقف المشابهة؛ فربما تحضر المناسبة وقتًا قصيرًا إكرامًا لوالدك وصلةً للرحم، ثم تستأذنه في الانصراف، وليس كل تنازل عن رغبتك ضعفًا؛ فقد يكون بابًا من أبواب البر تؤجر عليه.

• إن كان والدك كبير السن، فزد في مراعاة مشاعره، واختر الوقت المناسب للحوار، وتجنب مجادلته أمام الآخرين، أو الإصرار على كسب كل نقاش، أحيانًا تكون المداراة، وحسن اختيار الكلمات أنفع من كثرة الحجج.

• إذا احتجت إلى السكن قرب الجامعة من أجل دراستك، فلا بأس في الأصل بذلك مع حفظ البر والتواصل، لكن لا تجعل السكن وسيلة لمعاقبة والدك، أو قطع العلاقة به.

أما قوله: اصرف على نفسك، فلا تتعجل في فهمه على أنه قرار نهائي صدر عن رضا وتروٍّ؛ فقد يكون كلام غضب. حاول أن تعود إلى الحوار بعد هدوء النفوس، وأن تتفق معه على مصاريف الجامعة والسكن بصورة واضحة. وأما تفاصيل النفقة الواجبة على الابن الجامعي، فتتوقف على حال الابن واحتياجه وقدرة الأب، فلا يصح الجزم بها دون معرفة التفاصيل.

وأحب أن أذكرك بأمر مهم: ليس مطلوبًا أن تنتصر لنفسك في كل موقف، ولا أن تحصل على كل ما تراه حقًا بالطريقة التي تريدها وفي الوقت الذي تريد، قد تأتي على نفسك في بعض الأمور المباحة، وتتنازل عن رغبة شخصية، محتسبًا ذلك من البر والإحسان، وهذا من مكارم الأخلاق.

أسأل الله تعالى أن يلين قلب والدك لك، ويعينك على بره والإحسان إليه، ويبارك في دراستك ومستقبلك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً