السؤال
ما الحكم الشرعي في التعامل مع الزوج المتسلّط، كثير الشتم، وسبّ الدين، وقذف المحصنات؛ عن طريق اتّهام زوجته بالباطل، وأنه قد زارها أحد أقاربها الرجال منذ 36 عامًا، ويهدّدها أنه سيخبر الجيران، وقال هذا الكلام لأبنائه؛ لكى يكرهوا والدتهم، ولم يقتنعوا؟ وتقدّم بطلب الزواج من أخت زوجته الأرملة، ويفتعل المشاكل، ويحلف بالطلاق، ويمشي أهل بيته جميعًا من البيت؛ بحجة أنه بيته، ثم يلفّ على الجميع حتى ترجع زوجته.
ولديه شراهة جنسية، وزوجته في الخمسينيات من العمر، ويتّجه لكل ما نهى الله عنه، ويحلّل ما حرم الله، فما حكم الشرع في تعامل زوجته معه؟
الإجابــة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فما نُسب إلى الزوج موبقات ومنكرات عظيمة، وبعضها يتعلق بأحكام شديدة الخطورة؛ ولذلك ينبغي التفريق بين بيان حكم الأقوال والأفعال من حيث الأصل، وبين الحكم على شخص معين وما يترتب على ذلك في نكاحه.
فسبّ دين الله كفر، كما أن استحلال ما المحرم القطعي المعلوم من الدين بالضرورة كفر، ولكن الحكم على شخص معين بالكفر أو الردة، ثم ترتيب آثار ذلك على عقد النكاح، أمر بالغ الخطورة، ولا ينبغي أن يُبنى على نقل مختصر أو رواية أحد طرفي النزاع دون التحقق من حقيقة اللفظ الذي صدر منه، والمراد به، والظروف المحيطة به، وما يعتبره أهل العلم من الشروط والموانع في الحكم على المعيّن.
ولهذا، فإن مثل هذا الزوج ينبغي عرض حاله بتفاصيلها على جهة شرعية موثوقة أو المحكمة المختصة بالأحوال الشخصية؛ لسماع الطرفين والتحقق مما صدر، وبيان الحكم الشرعي وما يترتب عليه في عقد الزواج. ولا يصح أن يُحسم أمر بقاء النكاح أو زواله اعتمادًا على وصف مختصر للواقعة.
وأما اتهام الزوج زوجته في عِرضها بغير بينة، فهو من أشد الأمور خطرًا، وقد شددت الشريعة في أمر القذف وصيانة الأعراض. وإذا كان الاتهام متعلقًا بالزنا أو بما في معناه، فله أحكامه الشرعية الخاصة، وهو إحدى السبع الموبقات، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اجتنبوا السبع الموبقات، وعدَّ منهن... قذف المحصنات المؤمنات الغافلات.
ولا يجوز اتخاذ الأعراض وسيلة للإيذاء أو التشهير أو الضغط في النزاعات الزوجية.
كما أن محاولة إفساد علاقة الأبناء بأمهم، أو تحميلهم تفاصيل الخلاف الزوجي بقصد تأليبهم عليها، تتنافى مع ما ينبغي أن تقوم عليه الأسرة من حفظ الحقوق وتجنب الإضرار بالأبناء. والخلاف بين الزوجين ينبغي ألا يتحول إلى وسيلة لقطع صلة الأبناء بأحد والديهم أو دفعهم إلى العقوق.
وأما تقدمه للزواج من أخت زوجته وهي لا تزال في عصمته، فلا يجوز له أن يعقد عليها ما دامت أختها زوجة له؛ لأن الله تعالى حرّم الجمع بين الأختين، فقال سبحانه: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء: 23] وانظري الفتوى: 14024 .
وأما كثرة الحلف بالطلاق، فالطلاق لم يشرع ليكون وسيلة للتهديد وإدارة الخلافات الأسرية. وإذا صدر منه حلف أو تعليق للطلاق، فإن الحكم في وقوع الطلاق يختلف باختلاف اللفظ والنية والصورة، فينبغي السؤال عن كل واقعة بعينها والرجوع لأهل العلم الموثوقين، ولا يُكتفى فيها بحكم عام.
وأما تعامل الزوجة معه، فإنها غير مطالبة شرعًا بقبول الظلم أو السب أو القذف أو الإيذاء المستمر. والأصل أن تسعى، إن أمكن وكان في ذلك مصلحة، إلى معالجة الأمر بالنصح والاستعانة بمن له تأثير عليه من أهل الخير والحكمة، ويمكن الاستعانة بالحَكَمَين من الأسرتين؛ امتثالًا لقوله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا [النساء: 35].
فإن استمر الضرر وتعذر الإصلاح، فللزوجة أن تلجأ إلى الجهات الشرعية والقضائية المختصة لحفظ حقوقها والنظر فيما يناسب حالها من وسائل رفع الضرر أو إنهاء العلاقة الزوجية وفق الإجراءات الشرعية والنظامية.
والله أعلم.