المهذب
قال المصنف - رحمه الله تعالى ( فإن كانت فريضة لزمه تعيين النية فينوي الظهر أو العصر لتتميز عن غيرها وهل تلزمه نية الفرض ؟ فيه وجهان ، قال أبو إسحاق يلزمه لتتميز عن ظهر الصبي ، وظهر من صلى وحده ، ثم أدرك جماعة فصلاها معهم ، وقال أبو علي بن أبي هريرة يكفيه نية للظهر والعصر ; لأن الظهر والعصر لا يكونان في حق هذا إلا فرضا ولا يلزمه أن ينوي الأداء أو القضاء ، ومن أصحابنا من قال : يلزمه نية القضاء ، والأول هو المنصوص ، فإن قال فيمن صلى يوم الغيم بالاجتهاد فوافق ما بعد الوقت : أنه يجزيه ، وإن كان عنده أنه يصليها في الوقت ، وقال في الأسير : إذا اشتبهت عليه الشهور فصام يوما بالاجتهاد فوافق رمضان أو ما بعده أنه يجزيه ، وإن كان عنده أنه يصوم في شهر رمضان ) .
المجموع
( الشرح ) إذا أراد فريضة وجب قصد أمرين بلا خلاف :
( أحدهما ) فعل الصلاة تمتاز عن سائر الأفعال ولا يكفي إحضار نفس الصلاة بالبال غافلا عن الفعل .
( والثاني ) تعيين الصلاة المأتي بها هل هي ظهر أم عصر أو غيرهما ، فلو نوى فريضة الوقت فوجهان حكاهما الرافعي :
أحدهما يجزيه ; لأنها هي [ ص: 244 ] الظهر مثلا .
وأصحهما لا يجزيه ; لأن الفائتة التي يتذكرها تشاركها في كونها فريضة الوقت ، ولو نوى في غير الجمعة الجمعة بدلا عن الظهر لم تصح صلاته ، هذا هو الصواب الذي قطع به الأصحاب ، وحكى الرافعي وجها أنها تصح ويحصل له الظهر ، وهو غلط ظاهر . ولا تصح الجمعة بنية مطلق الظهر ، ولا تصح بنية الظهر المقصورة إن قلنا : إنها صلاة بحيالها ، وإن قلنا إنها ظهر مقصورة صحت .
واختلفوا في اشتراط أمور :
( أحدها ) الفريضة وفيها الوجهان اللذان حكاهما المصنف ، الأصح عند الأكثرين اشتراطها ، سواء كانت قضاء أم أداء ، وممن صححه الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب والبغوي . قال الرافعي وسواء كان الناوي بالغا أو صبيا وهذا ضعيف ، والصواب أن الصبي لا يشترط في حقه نية الفريضة ، وكيف ينوي الفريضة ، وصلاته لا تقع فرضا ؟ وقد صرح بهذا صاحب الشامل وغيره ( الثاني ) الإضافة إلى الله تعالى بأن يقول : لله أو فريضة الله ، ولا يشترط ذلك على أصح الوجهين ، وقد سبق بيانهما في باب نية الوضوء ، وحكى إمام الحرمين الاشتراط عن صاحب التلخيص وغيره ( الثالث ) القضاء والأداء وفيهما أربعة أوجه ، أصحها : لا يشترطان لما ذكره المصنف .
والثاني : يشترطان ، وهذا القائل يجيب عن نص الشافعي في المصلي في الغيم أو الأسير بأنهما معذوران ، والثالث : يشترط نية القضاء دون الأداء ، حكاه المصنف وغيره ; لأن الأداء يتميز بالوقت بخلاف القضاء ، والرابع إن كان عليه فائتة اشترط نية الأداء وإلا فلا ، وبه قطع صاحب الحاوي أما إذا كان عليه فائتة أو فوائت فلا خلاف أنه لا يشترط أن ينوي ظهر يوم الخميس مثلا بل يكفيه نية الظهر ، والظهر الفائتة إذا اشترطنا نية القضاء . قال القاضي أبو الطيب وصاحب الشامل وغيرهما : لو ظن أن وقت الصلاة قد خرج فصلاها بنية القضاء فبان أنه باق أجزأه بلا خلاف ، وقد نص الشافعي على أنه لو صلى يوم الغيم بنية الأداء وهو يظن بقاء الوقت فبان وقوع الصلاة خارج الوقت أجزأته ، واستدلوا به على أن نية القضاء ليست بشرط ، هذا كلام الأصحاب في المسألة قال الرافعي الأصح أنه لا يشترط نية القضاء والأداء ، بل يصح الأداء بنية القضاء وعكسه هذا [ ص: 245 ] كلامهم . قال الرافعي لك أن تقول : الخلاف في اشتراط نية الأداء في الأداء ونية القضاء في القضاء ظاهر أما الخلاف في صحة القضاء بنية الأداء وعكسه فليس بظاهر ; لأنه إن جرت هذه النية على لسانه أو في قلبه ولم يقصد حقيقة معناها فينبغي أن تصح بلا خلاف ، وإن قصد معناها فينبغي أن لا تصح بلا خلاف لتلاعبه ، هذا كلام الرافعي وهذا الإلزام الذي ذكره حكمه صحيح . وقد صرح الأصحاب بأن من نوى الأداء إلى وقت القضاء عالما بالحال لم تصح صلاته بلا خلاف ، ممن نقله إمام الحرمين في مواقيت الصلاة ، ولكن ليس هو مراد الأصحاب بقولهم : القضاء بنية الأداء وعكسه بل مرادهم من نوى ذلك وهو جاهل الوقت لغيم ونحوه كما في الصورتين السابقتين عن القاضي أبي الطيب ونص الشافعي والله أعلم .
( الرابع ) نية استقبال القبلة وعدد الركعات ليس بشرط على المذهب ، وبه قطع الجمهور ، وفيه وجه أنه يشترط وهو غلط صريح لكن لو نوى الظهر خمسا أو ثلاثا لا تنعقد صلاته لتقصيره .
( فرع ) قال البندنيجي وصاحب الحاوي : العبادات ثلاثة أضرب :
( أحدها ) يفتقر إلى نية الفعل دون الوجوب والتعيين وهو الحج والعمرة والطهارة ; لأنه لو نوى نفلا في هذه المواضع وقع عن الواجب .
( والثاني ) يفتقر إلى نية الفعل والوجوب دون التعيين ، وهو الزكاة والكفارة .
( والثالث ) يفتقر إلى نية الفعل والوجوب والتعيين وهو الصلاة والصيام ، وفي نية الوجوب وجهان .


