الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                                            ( 2386 ) مَسْأَلَةٌ : قَالَ : ( فَإِنْ وَطِئَ الْمُحْرِمُ فِي الْفَرْجِ فَأَنْزَلَ ، أَوْ لَمْ يُنْزِلْ ، فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُمَا ، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ ) أَمَّا فَسَادُ الْحَجِّ بِالْجِمَاعِ فِي الْفَرْجِ ، فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ لَا يَفْسُدُ بِإِتْيَانِ شَيْءٍ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ إلَّا الْجِمَاعَ . وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ ، فَقَالَ : إنِّي وَقَعْت بِامْرَأَتِي ، وَنَحْنُ مُحْرِمَانِ . فَقَالَ : أَفْسَدْت حَجَّك ، انْطَلِقْ أَنْتَ وَأَهْلُك مَعَ النَّاسِ ، فَاقْضُوا مَا يَقْضُونَ ، وَحِلَّ إذَا حَلُّوا ، فَإِذَا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَاحْجُجْ أَنْتَ وَامْرَأَتُك ، وَاهْدِيَا هَدْيًا ، فَإِنْ لَمْ تَجِدَا ، فَصُومَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعْتُمْ . وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو . لَمْ نَعْلَمْ لَهُمْ فِي عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا . رَوَى حَدِيثَهُمْ الْأَثْرَمُ فِي ( سُنَنِهِ ) ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَيَتَفَرَّقَانِ ) مِنْ حَيْثُ يُحْرِمَانِ ، حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَعْلَى شَيْءٍ رُوِيَ فِي مَنْ وَطِئَ فِي حَجِّهِ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَعَطَاءٌ ، وَالنَّخَعِيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِسْحَاقُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْوُقُوفِ وَبَعْدَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ ، وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَهُ لَمْ يَفْسُدْ ; لِقَوْلِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْحَجُّ عَرَفَةَ } . وَلِأَنَّهُ مَعْنًى يَأْمَنُ بِهِ الْفَوَاتَ ، فَأَمِنَ بِهِ الْفَسَادَ ، كَالتَّحَلُّلِ . وَلَنَا ، أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَيْنَا قَوْلَهُمْ ، مُطْلَقٌ فِي مَنْ وَاقَعَ مُحْرِمًا ، وَلِأَنَّهُ جِمَاعٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا ، فَأَفْسَدَهُ ، كَمَا قَبْلَ الْوُقُوفِ . وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { الْحَجُّ عَرَفَةَ } يَعْنِي : مُعْظَمُهُ . أَوْ أَنَّهُ رُكْنٌ مُتَأَكِّدٌ فِيهِ . وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَمْنِ الْفَوَاتِ أَمْنُ الْفَسَادِ ، بِدَلِيلِ الْعُمْرَةِ . إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُجَامِعِ بَدَنَةٌ . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٍ ، وَطَاوُسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَمَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي ثَوْرٍ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ : عَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَشَاةٌ . وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : إنْ جَامَعَ قَبْلَ الْوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ ، وَعَلَيْهِ شَاةٌ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ، وَحَجُّهُ صَحِيحٌ ; لِأَنَّهُ قَبْلَ الْوُقُوف مَعْنًى يُوجِبُ الْقَضَاءَ ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ بَدَنَةٌ ، كَالْفَوَاتِ . وَلَنَا ، أَنَّهُ جِمَاعٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا ، فَوَجَبَتْ بِهِ الْبَدَنَةُ ، كَبَعْدِ الْوُقُوفِ ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَبَعْدَهُ . وَأَمَّا الْفَوَاتُ فَهُوَ مُفَارِقٌ لِلْجِمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ ، وَلِذَلِكَ لَا يُوجِبُونَ فِيهِ الشَّاةَ ، بِخِلَافِ الْجِمَاعِ . وَإِذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مُكْرَهَةً عَلَى الْجِمَاعِ ، فَلَا هَدْيَ عَلَيْهَا ، وَلَا عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يُهْدِيَ عَنْهَا . نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ; لِأَنَّهُ جِمَاعٌ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، فَلَمْ تَجِبْ بِهِ حَالَ الْإِكْرَاهِ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ ، كَمَا فِي الصِّيَامِ . وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ ، وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ . وَعَنْ أَحْمَدَ ، رِوَايَةٌ أُخْرَى : أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُهْدِيَ عَنْهَا . وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ ، وَمَالِكٍ ; لِأَنَّ إفْسَادَ الْحَجَّ وُجِدَ مِنْهُ فِي حَقِّهِمَا ، فَكَانَ عَلَيْهِ لِإِفْسَادِهِ حَجَّهَا هَدْيٌ ، قِيَاسًا عَلَى حَجِّهِ ، وَعَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ عَلَيْهَا ; لِأَنَّ فَسَادَ الْحَجَّ ثَبَتَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا ، فَكَانَ الْهَدْيُ عَلَيْهَا ، كَمَا لَوْ طَاوَعَتْ . وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْهَدْيَ عَلَيْهَا ، يَتَحَمَّلُهُ الزَّوْجُ عَنْهَا ، فَلَا يَكُونُ رِوَايَةً ثَالِثَةً . فَأَمَّا حَالَ الْمُطَاوَعَةِ ، فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَدَنَةٌ . هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَالنَّخَعِيِّ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَمَالِكٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَحَمَّادٍ ; لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : اهْدِ نَاقَةً ، وَلْتُهْدِ نَاقَةً . لِأَنَّهَا أَحَدُ الْمُتَجَامِعَيْنِ مِنْ غَيْرِ إكْرَاهٍ ، فَلَزِمَتْهَا بَدَنَةٌ كَالرَّجُلِ . وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ : أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُمَا هَدْيٌ وَاحِدٌ . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّهُ جِمَاعٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يُوجِبْ أَكْثَرَ مِنْ بَدَنَةٍ ، كَحَالَةِ الْإِكْرَاهِ ، وَالنَّائِمَةُ كَالْمُكْرَهَةِ فِي هَذَا . وَأَمَّا فَسَادُ الْحَجِّ ، فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ حَالِ الْإِكْرَاهِ وَالْمُطَاوَعَةِ . لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا .

                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                            الخدمات العلمية