الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                        أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ يَعْنِي أَلَمْ تَعْلَمْ. وَهُمْ أُلُوفٌ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَعْنِي مُؤْتَلِفِي الْقُلُوبِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زِيَادٍ. وَالثَّانِي: يَعْنِي أُلُوفًا فِي الْعَدَدِ. وَاخْتَلَفَ قَائِلُو هَذَا فِي عَدَدِهِمْ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقَاوِيلَ: أَحَدُهَا: كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَالثَّانِي: كَانُوا ثَمَانِيَةَ آلَافٍ. وَالثَّالِثُ: كَانُوا بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا ، وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ. وَالرَّابِعُ: كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَالْأُلُوفُ تُسْتَعْمَلُ فِيمَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ آلَافٍ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: حَذَرَ الْمَوْتِ وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ فَرُّوا مِنَ الطَّاعُونِ ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ ، وَقَالُوا: نَأْتِي أَرْضًا لَيْسَ بِهَا مَوْتٌ ، فَخَرَجُوا ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِأَرْضِ كَذَا ، قَالَ اللَّهُ لَهُمْ: مُوتُوا فَمَاتُوا ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُمْ ، فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ. الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ فَرُّوا مِنَ الْجِهَادِ ، وَهَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَالضَّحَّاكِ. فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَعْنِي فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ ، كَمَا يُقَالُ: قَالَتِ السَّمَاءُ فَمَطَرَتْ ، لِأَنَّ الْقَوْلَ مُقَدِّمَةُ الْأَفْعَالِ ، فَعَبَّرَ بِهِ عَنْهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ قَوْلًا سَمِعَتْهُ الْمَلَائِكَةُ. ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِنَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ كَانَ اسْمُهُ شَمْعُونَ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَأَنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِمْ إِلَى أَنْ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ سَبْعَةُ أَيَّامٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ: رَائِحَةُ الْمَوْتِ تُوجَدُ فِي وَلَدِ ذَلِكَ السِّبْطِ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ الْجِهَادُ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وَالثَّانِي: أَبْوَابُ الْبِرِّ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَإِذَا جُوزِيتَ قَرْضًا فَاجْزِهِ إِنَّمَا يَجْزِي الْفَتَى لَيْسَ الْجَمَلُ قَالَ الْحَسَنُ: وَقَدْ جَهِلَتِ الْيَهُودُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يَسْتَقْرِضُ مِنَّا ، فَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، وَهُوَ فَقِيرٌ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آلِ عِمْرَانَ: 181] . قَوْلُهُ تَعَالَى: فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ. وَالثَّانِي: لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ ، وَهُوَ قَوْلُ السُّدِّيِّ. وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَعْنِي فِي الرِّزْقِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ زَيْدٍ . وَالثَّانِي: يَقْبِضُ الصَّدَقَاتِ وَيَبْسُطُ الْجَزَاءَ ، وَهُوَ قَوْلُ الزَّجَّاجِ.

                                                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية