الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      بَعْدَ ذَلِكَ يَعْرِضُ السِّيَاقُ مَوْكِبَ الْإِيمَانِ الْجَلِيلِ ، يَقُودُهُ ذَلِكَ الرَّهْطُ الْكَرِيمُ مِنَ الرُّسُلِ : مِنْ نُوحِ إِلَى إِبْرَاهِيمَ إِلَى خَاتَمِ النَّبِيِّينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - يَعْرِضُ السِّيَاقُ هَذَا الْمَوْكِبَ مُمْتَدًّا مَوْصُولًا - وَبِخَاصَّةٍ مُنْذُ إِبْرَاهِيمَ وَبَنِيهِ مِنَ النَّبِيِّينَ - وَلَا يُرَاعِي التَّسَلْسُلَ التَّارِيخِيَّ فِي هَذَا الْعَرْضِ - كَمَا يُلَاحَظُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى - لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا هُوَ الْمَوْكِبُ بِجُمْلَتِهِ ، لَا تَسَلْسُلُهُ التَّارِيخِيُّ : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ . . وَفِي الْآيَاتِ ذِكْرٌ لِسَبْعَةَ عَشَرَ نَبِيًّا رَسُولًا - غَيْرَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ - وَإِشَارَةٌ إِلَى آخَرِينَ مِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ . . وَالتَّعْقِيبَاتُ عَلَى هَذَا الْمَوْكِبِ : وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ .. وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ .. وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . . . . وَكُلُّهَا تَعْقِيبَاتٌ تُقَرِّرُ إِحْسَانَ هَذَا الرَّهْطِ الْكَرِيمِ وَاصْطِفَاءَهُ مِنَ اللَّهِ ، وَهِدَايَتَهُ إِلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ . وَذِكْرُ هَذَا الرَّهْطِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ ، وَاسْتِعْرَاضُ هَذَا الْمَوْكِبِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، كُلُّهُ تَمْهِيدٌ لِلتَّقْرِيرَاتِ الَّتِي تَلِيهِ : ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . . وَهَذَا تَقْرِيرٌ لِيَنَابِيعِ الْهُدَى فِي هَذِهِ الْأَرْضِ . فَهُدَى اللَّهِ لِلْبَشَرِ يَتَمَثَّلُ فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ . وَيَنْحَصِرُ الْمُسْتَيْقَنُ مِنْهُ ، وَالَّذِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ ، فِي هَذَا الْمَصْدَرِ الْوَاحِدِ ، الَّذِي يُقَرِّرُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهُ هُوَ هُدَى اللَّهِ ; وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يَخْتَارُ مِنْ عِبَادِهِ . . وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْعِبَادَ الْمَهْدِيِّينَ حَادُوا عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ ، وَتَوْحِيدِ الْمَصْدَرِ الَّذِي يَسْتَمِدُّونَ مِنْهُ هُدَاهُ ، وَأَشْرَكُوا بِاللَّهِ فِي الِاعْتِقَادِ أَوِ الْعِبَادَةِ أَوِ التَّلَقِّي ، فَإِنَّ مَصِيرَهُمْ أَنْ يُحْبِطَ عَنْهُمْ عَمَلَهُمْ : أَيْ أَنْ يَذْهَبُ ضَيَاعًا ، وَيَهْلَكُ كَمَا تَهْلَكُ الدَّابَّةُ الَّتِي تَرْعَى نَبْتًا مَسْمُومًا فَتَنْتَفِخُ ثُمَّ تَمُوتُ . . وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ اللُّغَوِيُّ لِلْحُبُوطِ ! أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ . . وَهَذَا هُوَ التَّقْرِيرُ الثَّانِي . . فَقَرَّرَ فِي الْأَوَّلِ مَصْدَرَ الْهُدَى ، وَقَصَرَهُ عَلَى هُدَى اللَّهِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ . وَقَرَّرَ فِي الثَّانِي أَنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ وَالَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ ، هُمُ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالسُّلْطَانَ وَالنُّبُوَّةَ - "وَالْحُكْمُ " يَجِيءُ بِمَعْنَى الْحِكْمَةِ كَمَا يَجِيءُ بِمَعْنَى السُّلْطَانِ كَذَلِكَ - وَكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ مُحْتَمَلٌ فِي الْآيَةِ . فَهَؤُلَاءِ الرُّسُلُ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَعْضِهِمُ الْكِتَابَ كَالتَّوْرَاةِ مَعَ مُوسَى ، وَالزَّبُورِ مَعَ دَاوُدَ ، وَالْإِنْجِيلِ مَعَ عِيسَى . وَبَعْضُهُمْ آتَاهُ اللَّهُ الْحُكْمَ كَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَكُلُّهُمْ أُوتِيَ السُّلْطَانَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَا مَعَهُ مِنَ الدِّينِ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ ، وَأَنَّ الدِّينَ الَّذِي جَاءُوا بِهِ يَحْمِلُ سُلْطَانَ اللَّهِ عَلَى النُّفُوسِ وَعَلَى الْأُمُورِ . فَمَا أَرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ إِلَّا لِيُطَاعُوا ، وَمَا أَنْزَلَ الْكِتَابَ إِلَّا لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْقِسْطِ ، كَمَا جَاءَ فِي الْآيَاتِ الْأُخْرَى . وَكُلُّهُمْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ وَأُوتِيَ النُّبُوَّةَ . . وَأُولَئِكَ هُمُ الَّذِينَ وَكَلَهُمُ اللَّهُ بِدِينِهِ ، يَحْمِلُونَهُ إِلَى النَّاسِ ، وَيَقُومُونَ عَلَيْهِ ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَحْفَظُونَهُ . . فَإِذَا كَفَرَ بِالْكِتَابِ وَالْحُكْمِ وَالنُّبُوَّةِ مُشْرِكُوالْعَرَبِ : "هَؤُلَاءِ " فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ غَنِيٌّ عَنْهُمْ ; وَهَؤُلَاءِ الرَّهْطُ الْكِرَامُ وَالْمُؤْمِنُونَ بِهِمْ هُمْ حَسْبُ هَذَا الدِّينِ ! . . إِنَّهَا حَقِيقَةٌ قَدِيمَةٌ امْتَدَّتْ شَجَرَتُهَا ، وَمَوْكِبٌ مَوْصُولٌ تَمَاسَكَتْ حَلَقَاتُهُ ; وَدَعْوَةٌ وَاحِدَةٌ حَمَلَهَا رَسُولٌ بَعْدَ رَسُولٍ ; وَآمَنَ بِهَا وَيُؤْمِنُ مَنْ يَقْسِمُ اللَّهُ لَهُ الْهِدَايَةَ ; بِمَا يَعْلَمُهُ مِنَ اسْتِحْقَاقِهِ لِلْهِدَايَةِ ! . . وَهُوَ تَقْرِيرٌ يَسْكُبُ الطُّمَأْنِينَةَ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ ، وَفِي قُلُوبِ الْعُصْبَةِ الْمُسْلِمَةِ - أَيًّا كَانَ عَدَدُهَا - إِنَّ هَذِهِ الْعُصْبَةَ لَيْسَتْ وَحْدَهَا . لَيْسَتْ مَقْطُوعَةً مِنْ شَجَرَةٍ ! إِنَّهَا فَرْعٌ مُنْبَثِقٌ مِنْ شَجَرَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ، وَحَلْقَةٌ فِي مَوْكِبٍ جَلِيلٍ مَوْصُولٍ ، مَوْصُولَةٌ أَسْبَابُهُ بِاللَّهِ وَهُدَاهُ . . إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْفَرْدَ ، فِي أَيِّ أَرْضٍ وَفِي أَيِّ جِيلٍ ، قَوِيٌّ قَوِيٌّ ، وَكَبِيرٌ كَبِيرٌ ، إِنَّهُ مِنْ تِلْكَ الشَّجَرَةِ الْمَتِينَةِ السَّامِقَةِ الضَّارِبَةِ الْجُذُورِ فِي أَعْمَاقِ الْفِطْرَةِ الْبَشَرِيَّةِ وَفِي أَعْمَاقِ التَّارِيخِ الْإِنْسَانِيِّ ، وَعُضْوٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْكِبِ الْكَرِيمِ الْمَوْصُولِ بِاللَّهِ وَهُدَاهُ مُنْذُ أَقْدَمِ الْعُصُورِ . أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ . . وَهُوَ التَّقْرِيرُ الثَّالِثُ . . فَهَؤُلَاءِ الرَّهْطُ الْكِرَامُ الَّذِينَ يَقُودُونَ مَوْكِبَ الْإِيمَانِ ، هُمُ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ . وَهُدَاهُمُ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ الْقُدْوَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ آمَنَ بِهِ . فَهَذَا الْهُدَى وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَسِيرُ عَلَيْهِ . وَهَذَا الْهُدَى وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَحْتَكِمُ إِلَيْهِ ، وَهَذَا الْهُدَى وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَدْعُو إِلَيْهِ وَيُبَشِّرُ بِهِ . . قَائِلًا لِمَنْ يَدْعُوهُمْ : لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ . . لِلْعَالَمِينَ . . لَا يَخْتَصُّ بِهِ قَوْمٌ وَلَا جِنْسٌ وَلَا قَرِيبٌ وَلَا بَعِيدٌ . . إِنَّهُ هُدَى اللَّهِ لِتَذْكِيرِ الْبَشَرِ كَافَّةً . وَمِنْ ثَمَّ فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ يَتَقَاضَاهُ . وَإِنَّمَا أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ! ثُمَّ يَمْضِي السِّيَاقُ يُنَدِّدُ بِمُنْكِرِي النُّبُوَّاتِ وَالرِّسَالَاتِ ، وَيَصِمُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَقْدُرُونَ اللَّهَ قَدْرَهُ ، وَلَا يَعْرِفُونَ حِكْمَةَ اللَّهِ وَرَحْمَتَهُ وَعَدَلَهُ . وَيُقَرِّرُ أَنَّ الرِّسَالَةَ الْأَخِيرَةَ إِنَّمَا تَجْرِي عَلَى سُنَّةِ الرِّسَالَاتِ قَبْلَهَا ; وَأَنَّ الْكِتَابَ الْأَخِيرَ مُصَدِّقٌ لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ . . مِمَّا يَتَّفِقُ مَعَ ظِلِّ الْمَوْكِبِ الَّذِي سَبَقَ عَرْضُهُ وَيَتَنَاسَقُ : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ . . لَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ فِي مَعْرِضِ الْعِنَادِ وَاللَّجَاجِ يَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا مِنَ الْبَشَرِ ; وَلَمْ يُنْزِلْ كِتَابًا يُوحِي بِهِ إِلَى بَشَرٍ . بَيْنَمَا كَانَ إِلَى جِوَارِهِمْ فِي الْجَزِيرَةِ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ ; وَلَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ، وَلَا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِنَّمَا هُمْ كَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ الْقَوْلَ فِي زَحْمَةِ الْعِنَادِ وَاللَّجَاجِ ، لِيُكَذِّبُوا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ يُوَاجِهُهُمُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ بِالتَّنْدِيدِ بِقَوْلَتِهِمْ : مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ; كَمَا يُوَاجِهُهُمْ بِالْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى مِنْ قَبْلُ : وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ . . وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي كَانَ يَقُولُهُ مُشْرِكُو مَكَّةَ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ ، يَقُولُهُ أَمْثَالُهُمْ فِي كُلِّ زَمَانٍ ; وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَهُ الْآنَ ; مِمَّنْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَدْيَانَ مِنْ صُنْعِ الْبَشَرِ ; وَأَنَّهَا تَطَوَّرَتْ وَتَرَقَّتْ بِتَطَوُّرِ الْبَشَرِ وَتَرَقِّيهِمْ . لَا يُفَرِّقُونَ فِي هَذَا بَيْنَ دِيَانَاتٍ هِيَ مِنْ تَصَوُّرَاتِ الْبَشَرِ أَنْفُسِهِمْ ، كَالْوَثَنِيَّاتِ كُلِّهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، تَرْتَقِي وَتَنْحَطُّ بِارْتِقَاءِ أَصْحَابِهَا وَانْحِطَاطِهِمْ ، وَلَكِنَّهَا تَظَلُّ خَارِجَ دِينِ اللَّهِ كُلِّهِ . وَبَيْنَ دِيَانَاتٍ جَاءَ بِهَا الرُّسُلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى أُصُولِهَا الْأُولَى ; جَاءَ بِهَا كُلُّ رَسُولٍ ; فَتَقَبَّلَتْهَا فِئَةٌ وَعَتَتْ عَنْهَا فِئَةٌ ; ثُمَّ وَقَعَ الِانْحِرَافُ عَنْهَا وَالتَّحْرِيفُ فِيهَا ، فَعَادَ النَّاسُ إِلَى جَاهِلِيَّتِهِمْ فِي انْتِظَارِ رَسُولٍ جَدِيدٍ ، بِذَاتِ الدِّينِ الْوَاحِدِ الْمَوْصُولِ . وَهَذَا الْقَوْلُ يَقُولُهُ - قَدِيمًا أَوْ حَدِيثًا - مَنْ لَا يَقْدُرُ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ; وَمَنْ لَا يَعْرِفُ كَرَمَ اللَّهِ وَفَضْلَهُ ، وَرَحْمَتَهُ وَعَدْلَهُ . . إِنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُرْسِلُ مِنَ الْبَشَرِ رَسُولًا وَلَوْ شَاءَ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً ! كَمَا كَانَ الْعَرَبُ يَقُولُونَ . أَوْ يَقُولُونَ : إِنَّ خَالِقَ هَذَا الْكَوْنِ الْهَائِلِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْنِيَ بِالْإِنْسَانِ "الضَّئِيلِ " فِي هَذِهِ الذَّرَّةِ الْفَلَكِيَّةِ الَّتِي اسْمُهَا الْأَرْضُ ! بِحَيْثُ يُرْسِلُ لَهُ الرُّسُلَ ; وَيُنْزِلُ عَلَى الرُّسُلِ الْكُتُبَ لِهِدَايَةِ هَذَا الْمَخْلُوقِ الصَّغِيرِ فِي هَذَا الْكَوْكَبِ الصَّغِيرِ ! وَذَلِكَ كَمَا يَقُولُ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ ! أَوْ يَقُولُونَ : إِنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مِنْ إِلَهٍ وَلَا مِنْ وَحْيٍ وَلَا مِنْ رُسُلٍ . . إِنَّمَا هِيَ أَوْهَامُ النَّاسِ أَوْ خِدَاعُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِاسْمِ الدِّينِ ! كَمَا يَقُولُ الْمَادِّيُّونَ الْمُلْحِدُونَ ! وَكُلُّهُ جَهْلٌ بِقَدَرِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - فَاللَّهُ الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ الْعَادِلُ الرَّحِيمُ ، الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ . . . لَا يَدَعُ هَذَا الْكَائِنَ الْإِنْسَانِيَّ وَحْدَهُ ، وَهُوَ خَلَقَهُ ، وَهُوَ يَعْلَمُ سِرَّهُ وَجَهْرَهُ ، وَطَاقَاتِهِ وَقُوَاهُ ، وَنَقْصَهُ وَضَعْفَهُ ، وَحَاجَتَهُ إِلَى الْمَوَازِينِ الْقِسْطِ الَّتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا بِتَصَوُّرَاتِهِ وَأَفْكَارِهِ ، وَأَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ ، وَأَوْضَاعِهِ وَنِظَامِهِ ، لِيَرَى إِنْ كَانَتْ صَوَابًا وَصَلَاحًا ، أَوْ كَانَتْ خَطَأً وَفَسَادًا . . وَيَعْلَمُ - سُبْحَانَهُ - أَنَّ الْعَقْلَ الَّذِي أَعْطَاهُ لَهُ ، يَتَعَرَّضُ لِضُغُوطٍ كَثِيرَةٍ مِنْ شَهَوَاتِهِ وَنَزَوَاتِهِ وَمَطَامِعِهِ وَرَغَبَاتِهِ ، فَضْلًا عَلَى أَنَّهُ مُوكَّلٌ بِطَاقَاتِ الْأَرْضِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهَا سُلْطَانٌ بِسَبَبِ تَسْخِيرِهَا لَهُ مِنَ اللَّهِ ، وَلَيْسَ مُوَكَّلًا بِتَصَوُّرِ الْوُجُودِ تَصَوُّرًا مُطْلَقًا ، وَلَا بِصِيَاغَةِ الْأُسُسِ الثَّابِتَةِ لِلْحَيَاةِ . فَهَذَا مَجَالُ الْعَقِيدَةِ الَّتِي تَأْتِي لَهُ مِنَ اللَّهِ ; فَتُنْشِئُ لَهُ تَصَوُّرًا سَلِيمًا لِلْوُجُودِ وَالْحَيَاةِ . . وَمِنْ ثَمَّ لَا يَكِلُهُ اللَّهُ إِلَى هَذَا الْعَقْلِ وَحْدَهُ ، وَلَا يَكِلُهُ كَذَلِكَ إِلَى مَا أَوْدَعَ فِطْرَتَهُ مِنْ مَعْرِفَةٍ لَدُنِيَّةٍ بِرَبِّهَا الْحَقِّ ، وَشَوْقٍ إِلَيْهِ ، وَلِيَاذٍ بِهِ فِي الشَّدَائِدِ . . فَهَذِهِ الْفِطْرَةُ قَدْ تَفْسُدُ كَذَلِكَ بِسَبَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهَا مِنْ ضُغُوطٍ دَاخِلِيَّةٍ وَخَارِجِيَّةٍ ، وَبِسَبَبِ الْإِغْوَاءِ وَالِاسْتِهْوَاءِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ شَيَاطِينُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، بِكُلِّ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ أَجْهِزَةِ التَّوْجِيهِ وَالتَّأْثِيرِ . . إِنَّمَا يَكِلُ اللَّهُ النَّاسَ إِلَى وَحْيِهِ وَرُسُلِهِ وَهَدَاهُ وَكُتُبِهِ ، لِيَرُدَّ فِطْرَتَهُمْ إِلَى اسْتِقَامَتِهَا وَصَفَائِهَا ، وَلِيَرُدَّ عُقُولَهُمْ إِلَى صِحَّتِهَا وَسَلَامَتِهَا ، وَلِيَجْلُوَ عَنْهُمْ غَاشِيَةَ التَّضْلِيلِ مِنْ دَاخِلِ أَنْفُسِهِمْ وَمِنْ خَارِجِهَا . . وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِكَرَمِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ ، وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ ، وَحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ . . فَمَا كَانَ لِيَخْلُقَ الْبَشَرَ ، ثُمَّ يَتْرُكُهُمْ سُدًى . . ثُمَّ يُحَاسِبُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَمْ يَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا . . فَتَقْدِيرُ اللَّهِ حَقَّ قَدْرِهِ يَقْتَضِي الِاعْتِقَادَ بِأَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى عِبَادِهِ رُسُلًا يَسْتَنْقِذُونَ فِطْرَتَهُمْ مِنَ الرُّكَامِ ، وَيُسَاعِدُونَ عُقُولَهُمْ عَلَى الْخَلَاصِ مِنَ الضُّغُوطِ ، وَالِانْطِلَاقِ لِلنَّظَرِ الْخَالِصِ وَالتَّدَبُّرِ الْعَمِيقِ . وَأَنَّهُ أَوْحَى إِلَى هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ مَنْهَجَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ ، وَأَنْزَلَ عَلَى بَعْضِهِمْ كُتُبًا تَبْقَى بَعْدَهُمْ فِي قَوْمِهِمْ إِلَى حِينٍ - كَكُتُبِ مُوسَى وَدَاوُدَ وَعِيسَى - أَوْ تَبْقَى إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ كَهَذَا الْقُرْآنِ . وَلَمَّا كَانَتْ رِسَالَةُ مُوسَى مَعْرُوفَةً بَيْنَ الْعَرَبِ فِي الْجَزِيرَةِ ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ مَعْرُوفِينَ هُنَاكَ ، فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أَنْ يُوَاجِهَ الْمُشْرِكِينَ الْمُنْكِرِينَ لِأَصْلِ الرِّسَالَةِ وَالْوَحْيِ بِتِلْكَ الْحَقِيقَةِ : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ . . وَقَدْ عَرَّضْنَا فِي تَقْدِيمِ السُّورَةِ لِلْقَوْلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ ، وَأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا هُمُ الْيَهُودُ . ثُمَّ ذَكَرْنَا هُنَاكَ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا . . وَأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا هُمُ الْمُشْرِكُونَ ، وَهَذَا خَبَرٌ عَنِ الْيَهُودِ بِمَا كَانَ وَاقِعًا مِنْهُمْ مِنْ جَعْلِ التَّوْرَاةِ فِي صَحَائِفَ يَتَلَاعَبُونَ بِهَا ، فَيُبْدُونَ مِنْهَا لِلنَّاسِ مَا يَتَّفِقُ مَعَ خُطَّتِهِمْ فِي التَّضْلِيلِ وَالْخِدَاعِ ، وَالتَّلَاعُبِ بِالْأَحْكَامِ وَالْفَرَائِضِ ; وَيُخْفُونَ مَا لَا يَتَّفِقُ مَعَ هَذِهِ الْخُطَّةِ مِنْ صَحَائِفِ التَّوْرَاةِ ! مِمَّا كَانَ الْعَرَبُ يَعْلَمُونَ بَعْضَهُ وَمَا أَخْبَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ . . فَهَذَا خَبَرٌ عَنِ الْيَهُودِ مُعْتَرِضٌ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ لَا خِطَابًا لَهُمْ . . وَالْآيَةُ عَلَى هَذَا مَكِّيَّةٌ لَا مَدَنِيَّةٌ . . وَنَحْنُ نَخْتَارُ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ : مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ، مِمَّا يَجْعَلُهُ الْيَهُودُ صَحَائِفَ يُخْفُونَ بَعْضَهَا وَيُظْهِرُونَ بَعْضَهَا قَضَاءً لِلِبَانَاتِهِمْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا التَّلَاعُبِ الْكَرِيهِ ! كَذَلِكَ وَاجِهْهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُمْ بِمَا يَقُصُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقَائِقِ وَالْأَخْبَارِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ فَكَانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ أَنْ يَشْكُرُوا فَضْلَ اللَّهِ ، وَلَا يُنْكِرُوا أَصْلَهُ بِإِنْكَارِ أَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ هَذَا الْعِلْمَ عَلَى رَسُولِهِ وَأَوْحَى بِهِ إِلَيْهِ . وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُمْ أَنْ يُجِيبُوا عَلَى ذَلِكَ السُّؤَالِ . إِنَّمَا أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْسِمَ الْقَوْلَ مَعَهُمْ فِي هَذَا الشَّأْنِ ; وَأَلَّا يَجْعَلَهُ مَجَالًا لِجَدَلٍ لَا يُثِيرُهُ إِلَّا اللَّجَاجُ : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ . . قُلِ : اللَّهُ أَنْزَلَهُ . . ثُمَّ لَا تَحْفُلْ جِدَالَهُمْ وَلَجَاجَهُمْ وَمِرَاءَهُمْ ، وَدَعْهُمْ يَخُوضُونَ لَاهِينَ لَاعِبِينَ . وَفِي هَذَا مِنَ التَّهْدِيدِ ، قَدْرَ مَا فِيهِ مِنَ الِاسْتِهَانَةِ ، قَدْرَ مَا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ وَالْجِدِّ ; فَحِينَ يَبْلُغُ الْعَبَثُ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ مِثْلَ ذَلِكَ الْكَلَامِ ، يَحْسُنُ احْتِرَامُ الْقَوْلِ وَحَسْمُ الْجَدَلِ وَتَوْفِيرُ الْكَلَامِ !

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية