الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) الْآيَةُ الْأَوْلَى تَكْمِلَةٌ لِفِقْرَةٍ سَابِقَةٍ فِي السِّيَاقِ - فِي نِهَايَةِ الْجُزْءِ السَّابِعِ - وَمُتَعَلِّقَةٍ بِمَا كَانَ يَقْتَرِحُهُ مُشْرِكُو الْعَرَبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مِنَ الْخَوَارِقِ الَّتِي يُرِيدُونَ أَنْ يَأْتِيَ لَهُمْ بِهَا فَيُصَدِّقُوهُ وَمَا كَانَ مَنْ حَلِفِهِمْ بِاللَّهِ حَلْفًا مُكَرَّرًا مُؤَكَّدًا أَنْ لَوْ جَاءَتْهُمْ هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي يَطْلُبُونَ إِنَّهُمْ لَيُؤْمِنُونَ! مِمَّا جَعَلَ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسَهُمْ يَشْتَهُونَ أَنْ لَوْ يُجِيبُهُمُ اللَّهُ إِلَى مَا يَطْلُبُونَ! وَيَقْتَرِحُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَسْأَلَ رَبَّهُ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي يَقْتَرِحُهَا الْمُقْتَرِحُونَ! وَالْفِقْرَةُ كُلُّهَا جَاءَتْ هَكَذَا: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ . وَلَقَدْ سَبَقَ الْحَدِيثُ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ فِي نِهَايَةِ الْجُزْءِ السَّابِعِ . فَالْآنَ نَتَحَدَّثُ عَنِ الْحَقَائِقِ الْعَامَّةِ الَّتِي تَتَنَاوَلُهَا هَذِهِ النُّصُوصُ ; وَالَّتِي لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهَا هُنَاكَ فِي تَفْسِيرِهَا: وَالْحَقِيقَةُ الْأُولَى: هِيَ أَنَّ الْإِيمَانَ أَوِ الْكُفْرَ. وَالْهُدَى أَوِ الضَّلَالَ ... لَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَرَاهِينِ وَالْأَدِلَّةِ عَلَى الْحَقِّ. فَالْحُقُّ هُوَ بُرْهَانُ ذَاتِهِ. وَلَهُ مِنَ السُّلْطَانِ عَلَى الْقَلْبِ الْبَشَرِيِّ مَا يَجْعَلُهُ يَقْبَلُهُ وَيَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ وَيَرْضَخُ لَهُ.. وَلَكِنَّهَا الْمُعَوِّقَاتُ الْأُخْرَى هِيَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْحَقِّ، وَهَذِهِ الْمُعَوِّقَاتُ يَقُولُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - لِلْمُؤْمِنِينَ بِشَأْنِهَا: وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ (أَيِ الْآيَاتُ وَالْخَوَارِقُ) لَا يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ .. فَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ وَمَنَعَهُمْ مِنَ الْهُدَى، يُمْكِنُ أَنْ يَتَكَرَّرَ وُقُوعُهُ كَذَلِكَ - بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ - فَيَمْنَعُهُمْ مِنَ الْهُدَى كَرَةً أُخْرَى.. إِنَّ مُوحِيَاتِ الْإِيمَانِ كَامِنَةٌ فِي الْقَلْبِ ذَاتِهِ ; وَفِي الْحَقِّ كَذَلِكَ بِذَاتِهِ ; وَلَيْسَتْ مُتَعَلِّقَةً بِعَوَامِلَ خَارِجِيَّةٍ.. فَيَجِبُ أَنْ تَتَّجِهَ الْمُحَاوَلَةُ إِذَنْ إِلَى ذَلِكَ الْقَلْبِ لِعِلَاجِهِ مِنْ آفَاتِهِ وَمِنْ مُعَوِّقَاتِهِ.. وَالْحَقِيقَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ هِيَ الْمَرْجِعُ الْأَخِيرُ فِي أَمْرِ الْهُدَى وَالضَّلَالِ. فَقَدِ اقْتَضَتْ هَذِهِ الْمَشِيئَةُ أَنْ تَبْتَلِيَ الْبَشَرَ بِقَدْرٍ مِنْ حُرِّيَّةِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّوَجُّهِ فِي الِابْتِدَاءِ ; وَجَعَلَ هَذَا الْقَدْرَ مَوْضِعَ ابْتِلَاءٍ لِلْبَشَرِ وَامْتِحَانٍ. فَمَنِ اسْتَخْدَمَهُ فِي الِاتِّجَاهِ الْقَلْبِيِّ إِلَى الْهُدَى وَالتَّطَلُّعِ إِلَيْهِ وَالرَّغْبَةِ فِيهِ - وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ حِينَئِذٍ أَيْنَ هُوَ - فَقَدِ اقْتَضَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ وَيُعِينَهُ وَيَهْدِيَهُ إِلَى سَبِيلِهِ. وَمَنِ اسْتَخْدَمَهُ فِي الرَّغْبَةِ عَنِ الْهُدَى وَالصُّدُودِ عَنْ دَلَائِلِهِ وَمُوحِيَاتِهِ، فَقَدِ اقْتَضَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ أَنْ يُضِلَّهُ وَأَنْ يُبْعِدَهُ عَنِ الطَّرِيقِ وَأَنْ يَدَعَهُ يَتَخَبَّطُ فِي الظُّلُمَاتِ.. وَإِرَادَةُ اللَّهِ وَقَدَرُهُ مُحِيطَانِ بِالْبَشَرِ فِي كُلِّ حَالَةٍ، وَمَرَدُّ الْأَمْرِ كُلٍّهٍ إِلَيْهِ فِي النِّهَايَةِ. وَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ يُشِيرُ إِلَيْهَا السِّيَاقُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ . وَفِي قَوْلِهِ: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ .. كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهَا فِي آيَةٍ سَابِقَةٍ عَلَى هَذِهِ الْفِقْرَةِ فِي سِيَاقِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ .. كَمَا تَتَكَرَّرُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا فِي الْآيَةِ التَّالِيَةِ لِهَذِهِ الْفِقْرَةِ. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ .. فَالْأَمْرُ كُلُّهُ مَرْهُونٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، هُوَ الَّذِي شَاءَ أَلَّا يَهْدِيَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا بِأُسْلُوبِ الْهُدَى ; وَهُوَ الَّذِي شَاءَ أَنْ يَدَعَ لَهُمْ هَذَا الْقَدْرَ مِنَ الِاخْتِيَارِ عَلَى سَبِيلِ الِابْتِلَاءِ ; وَهُوَ الَّذِي يَهْدِيهِمْ إِذَا جَاهَدُوا لِلْهُدَى ; وَهُوَ الَّذِي يُضِلُّهُمْ إِذَا اخْتَارُوا الضَّلَالَ.. بِلَا تَعَارُضٍ - فِي التَّصَوُّرِ الْإِسْلَامِيِّ - بَيْنَ طَلَاقَةِ الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَهَذَا الْمَجَالِ الَّذِي تُرِكَ لِلْبَشَرِ لِابْتِلَائِهِمْ فِيهِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الِاخْتِيَارِ . وَالْحَقِيقَةُ الثَّالِثَةُ: هِيَ أَنَّ الطَّائِعِينَ وَالْعُصَاةَ فِي قَبْضَةِ اللَّهِ سَوَاءً، وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ سَوَاءً. فَهُمْ لَا يَمْلِكُونَ جَمِيعًا أَنْ يُحْدِثُوا شَيْئًا إِلَّا بِقَدَرِ اللَّهِ وِفْقَ مَشِيئَتِهِ الَّتِي جَرَتْ بِتِلْكَ السُّنَنِ فِي تَصْرِيفِ أَمْرِ الْعِبَادِ.. وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُطَابِقُونَ - فِي الْقَدْرِ الْمَتْرُوكِ لَهُمْ لِلِاخْتِيَارِ - بَيْنَ الْخُضُوعِ الْقَهْرِيِّ الْمَفْرُوضِ عَلَيْهِمْ لِسُلْطَانِ اللَّهِ فِي ذَوَاتِ أَنْفُسِهِمْ وَفِي حَرَكَةِ خَلَايَاهُمْ وَفِي طَبَائِعِ تَكْوِينِهِمُ الْعُضْوِيِّ النَّفْسِيِّ ; وَبَيْنَ الْخُضُوعِ الِاخْتِيَارِيِّ الَّذِي يَلْتَزِمُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ بِنَاءً عَلَى الْمَعْرِفَةِ وَالْهُدَى وَالِاخْتِيَارِ. وَبِذَلِكَ يَعِيشُونَ فِي سَلَامٍ مَعَ أَنْفُسِهِمْ ذَاتِهَا، لِأَنَّ الْجَانِبَ الْقَهْرِيَّ فِيهَا وَالْجَانِبَ الِاخْتِيَارِيَّ يَتَّبِعَانِ نَامُوسًا وَاحِدًا وَسُلْطَانًا وَاحِدًا وَحُكُومَةً وَاحِدَةً! فَأَمَّا الْآخَرُونَ فَهُمْ مَقْهُورُونَ عَلَى اتِّبَاعِ نَامُوسِ اللَّهِ الْفِطْرِيِّ الَّذِي يَقْهَرُهُمْ وَلَا يَمْلِكُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهُ فِي تَكْوِينِهِمُ الْجِسْمِيِّ وَحَاجَاتِهِمُ الْفِطْرِيَّةِ، بَيْنَمَا فِي الْجَانِبِ الَّذِي تَرَكَ لَهُمُ الِاخْتِيَارَ فِيهِ هُمْ نَاشِزُونَ عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ الْمُمَثَّلِ فِي مَنْهَجِهِ وَشَرْعِهِ. أَشْقِيَاءُ بِهَذَا الْفِصَامِ فِي شَخْصِيَّتِهِمْ! وَهُمْ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فِي قَبْضَةِ اللَّهِ لَا يُعْجِزُونَهُ فِي شَيْءٍ، وَلَا يُحْدِثُونَ شَيْئًا إِلَّا بِقَدَرِهِ! وَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ الثَّالِثَةُ ذَاتُ أَهَمِّيَّةٍ خَاصَّةٍ فِي الْقَضَايَا الَّتِي يَعْرِضُهَا الشَّطْرُ الْبَاقِي مِنَ السُّورَةِ. فَهِيَ تَتَكَرَّرُ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ فِي صُوَرٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الشَّطْرَ كُلَّهُ - كَمَا بَيَّنَّا مِنْ قَبْلُ - يُوَاجِهُ قَضِيَّةَ الْأُلُوهِيَّةِ وَسُلْطَانَهَا فِي حَيَاةِ الْبَشَرِ وَشَرِيعَتِهُمُ الَّتِي يَعِيشُونَ بِهَا.. وَمِنْ ثَمَّ يَتَّكِئُ السِّيَاقُ عَلَى تَقْرِيرِ أَنَّ السُّلْطَانَ كُلَّهُ لِلَّهِ. حَتَّى فِي كِيَانِ الْعُصَاةِ النَّاشِزِينَ عَنْ مَنْهَجِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ، وَأَنَّهُمْ لَا يُؤْذُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ اللَّهُ. فَهُمْ أَعْجَزُ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي ذَوَاتِهِمْ سُلْطَانٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سُلْطَانٌ! إِنَّمَا هِيَ مَشِيئَةُ اللَّهِ يَكُونُ بِهَا مَا يَشَاءُ فِي الطَّائِعِينَ وَالْعُصَاةِ سَوَاءً. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ .. (يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَا مُحَمَّدُ آيِسْ مِنْ فَلَّاحِ هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ، الْقَائِلِينَ لَكَ: لَئِنْ جِئْتِنَا بِآيَةٍ لِنُؤْمِنُنَّ لَك فَإِنَّنَا لَوْ نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ حَتَّى يَرَوْهَا عِيَانًا وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى بِإِحْيَائِنَا إِيَّاهُمْ حُجَّةً لَكَ، وَدَلَالَةً عَلَى نُبُوَّتِكَ، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّكَ مُحِقٌّ فِيمَا تَقُولُ، وَأَنَّ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ حَقُّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ; وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ فَجَعَلْنَاهُمْ لَكَ قُبُلَاً . مَا آمَنُوا وَلَا صَدَّقُوكَ وَلَا اتَّبَعُوكَ - إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ - وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ .. يَقُولُ: وَلَكِنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَجْهَلُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ. يَحْسَبُونَ أَنَّ الْإِيمَانَ إِلَيْهِمْ، وَالْكُفْرَ بِأَيْدِيهِمْ، مَتَى شَاءُوا آمَنُوا، وَمَتَى شَاءُوا كَفَرُوا. وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، ذَلِكَ بِيَدِي. لَا يُؤْمَنُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ لَهُ فَوَفَّقَتْهُ، وَلَا يَكْفِرُ إِلَّا مَنْ خَذَلَتْهُ عَنِ الرُّشْدِ فَأَضْلَلْتُهُ) . وَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي يُقَرِّرُهُ ابْنُ جَرِيرٍ هُنَا هُوَ الصَّحِيحُ. وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةِ الْإِيضَاحِ - الَّتِي أَسْلَفْنَاهَا - بِاسْتِلْهَامِ مَجْمُوعَةِ النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ عَنِ الْهُدَى وَالضَّلَالَةِ وَمَشِيئَةِ اللَّهِ وَجُهْدِ الْإِنْسَانِ.. إِنَّ الْإِيمَانَ حَدَثٌ وَالضَّلَالَ حَدَثٌ. وَمَا يَقَعُ فِي هَذَا الْوُجُودِ حَدَثٌ إِلَّا بِقَدَرٍ مِنَ اللَّهِ يُنْشِئُهُ: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ . فَأَمَّا السَّنَةُ الَّتِي يَجْرِي عَلَى أَسَاسِهَا ذَلِكَ الْقَدَرُ بِوُقُوعِ إِيمَانِ فَلَانٍ وَضَلَالِ فَلَانٍ، فَهِيَ الَّتِي تُبَيِّنُهَا مَجْمُوعَةُ النُّصُوصِ. وَهِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُبْتَلَىً بِقَدْرٍ مِنَ الِاخْتِيَارِ فِي الِاتِّجَاهِ. فَإِذَا اتَّجَهَ إِلَى الْهُدَى وَجَاهَدَ فِيهِ هَدَاهُ اللَّهُ وَوَقَعَ هُدَاهُ وَتَحَقَّقَ بِقَدَرٍ مِنَ اللَّهِ. وَإِذَا اتَّجَهَ إِلَى الضَّلَالِ وَكَرِهَ الْهُدَى أَضَلَّهُ اللَّهُ. وَوَقَعَ ضَلَالُهُ وَتَحَقَّقَ بِقَدَرٍ مِنَ اللَّهِ.. وَهُوَ عَلَى الْحَالَيْنِ فِي قَبْضَةِ اللَّهِ وَسُلْطَانِهِ. وَحَيَاتُهُ تَجْرِي بِقَدَرِ اللَّهِ وِفْقِ مَشِيئَتِهِ الطَّلِيقَةِ، وَسَنَّتِهِ الَّتِي وَضَعَتْهَا مَشِيئَتُهُ الطَّلِيقَةُ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية