الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اسْتَعَنْتُ بِاللَّهِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْأَجَلُّ السَّيِّدُ عَلَمُ الْهُدَى، شَمْسُ الْإِسْلَامِ، عِمَادُ الدِّينِ، إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، نُورُ الشَّرِيعَةِ، قُدْوَةُ الْفَرِيقَيْنِ: أَبُو الْحَسَنِ عَلِيِّ ابْنِ مُحَمَّدٍ الطَّبَرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَكْرَمْنَا بِتَنْزِيلِهِ، وَشَرَّفَنَا بِمَعْرِفَةِ تَأْوِيلِهِ، وَشَفَى صُدُورَنَا بِوَاضِحِ بَيَانِهِ، وَهَدَانَا مِنْ ظُلَمِ الضَّلَالَةِ، وَعِمَايَةِ الْجَهَالَةِ بِهِ، وَجَعَلَهُ مِيزَانَ قِسْطٍ لَا يَحِيفُ عَنِ الْحَقِّ غَرْبَ لِسَانِهِ، وَضَوْءَ هُدًى لَا يُجْتَنَى مِنَ الشِّهَابِ نُورُ بُرْهَانِهِ، وَعِلْمَ نَجَاةٍ لَا يَضِلُّ مَنْ أَمَّ قَصْدَ سُنَّتِهِ، وَلَا تَنَالُ أَيْدِي الْهَلَكَاتِ مَنْ تَعَلَّقَ بِعُرْوَةِ عِصْمَتِهِ.. نَحْمَدُهُ عَلَى فُنُونِ بَلَائِهِ، وَضُرُوبِ آلَائِهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَنْ يَعْتَصِمُ بِحَبْلِهِ، وَيَأْوِي فِي الشُّبَهَاتِ إِلَى حِرْزِ عَدَلِهِ، وَأَشْهَدَ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَنَبِيُّهُ، أَرْسَلَهُ بِبَيَانٍ أَوْضَحَهُ، وَلِسَانٍ أَفْصَحَهُ، وَشَرْعٍ شَرَحَهُ، وَدِينٍ فَسَّحَهُ، فَلَمْ يَدَعْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَسَادًا إِلَّا أَصْلَحَهُ، وَلَا عِنَادًا إِلَّا زَحْزَحَهُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مَا هَلَّلَ مَلَكٌ وَسَبَّحَهُ، وَعَلَى مَنْ نَصَرَهُ وَصَحْبَهُ.. وَبَعْدُ: فَإِنِّي لَمَّا تَأَمَّلْتُ مَذَاهِبَ الْقُدَمَاءِ الْمُعْتَبَرِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ وَاخْتَبَرْتُ مَذَاهِبَهُمْ وَآرَاءَهُمْ، وَلَحَظْتُ مَطَالِبَهُمْ وَأَبْحَاثَهُمْ، رَأَيْتُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ أَسَدَّهَا وَأَقُومَهَا، وَأَرْشَدَهَا وَأَحْكَمَهَا، حَتَّى كَانَ نَظَرُهُ فِي كِبَرِ آرَائِهِ، وَمُعْظَمِ أَبْحَاثِهِ، يَتَرَقَّى عَنْ حَدِّ الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ، إِلَى دَرَجَةِ الْحَقِّ وَالْيَقِينِ. وَلَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ سَبَبًا أَقْوَى، وَأَوْضَحَ وَأَوْفَى، مِنْ تَطْبِيقِهِ مَذْهَبَهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، الَّذِي: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ .. وَأَنَّهُ أُتِيحَ لَهُ دَرْكُ غَوَامِضِ مَعَانِيهِ، وَالْغَوْصُ عَلَى تَيَّارِ بَحْرِهِ لِاسْتِخْرَاجِ مَا فِيهِ، وَأَنَّ اللَّهَ فَتَحَ عَلَيْهِ مِنْ أَبْوَابِهِ، وَيَسَّرَ عَلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِهِ، وَرَفَعَ لَهُ مِنْ حِجَابِهِ، مَا لَمْ يُسَهِّلْ لِمَنْ سِوَاهُ، وَلَمْ يَتَأَتَّ لِمَنْ عَدَاهُ، فَكَانَ عَلَى مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فِي قَوْلِهِ: وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا . وَلَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ كَذَلِكَ، أَرَدْتُ أَنْ أُصَنِّفَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ كِتَابًا أَشْرَحُ فِيهِ مَا انْتَزَعَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مِنْ أَخْذِ الدَّلَائِلِ فِي غَوَامِضِ الْمَسَائِلِ، وَضَمَمْتُ إِلَيْهِ مَا نَسَجْتُهُ عَلَى مِنْوَالِهِ، وَاحْتَذَيْتُ فِيهِ عَلَى مِثَالِهِ، عَلَى قَدْرِ طَاقَتِي وَجَهْدِي، وَمَبْلَغِ وُسْعِي وَجَدِّي، وَرَأَيْتُ بَعْضَ مَنْ عَجَزَ عَنْ إِدْرَاكِ مُسْتَلَكَاتِهِ فَهْمُهُ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى أَغْرَاضِ مَعَانِيهِ سَهْمُهُ، جَعَلَ عَجْزَهُ عَنْ فَهْمِ مَعَانِيهِ، سَبَبًا لِلْقَدْحِ فِي مَعَالِيهِ. وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الدُّرَّ دُرٌّ بِرَغْمِ مَنْ جَهِلَهُ، وَأَنَّ آفَتَهُ مِنْ قُصُورِ فَهْمِهِ; وَقِلَّةِ عِلْمِهِ، وَمَا يَضُرُّ الشَّمْسَ قُصُورُ الْأَعْمَى عَنْ إِدْرَاكِهَا، وَالْحَقَائِقُ عَجَزَ الْبَلِيدُ عَنْ لِحَاقِهَا.. وَلَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ هَذَا الْكِتَابِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْعَجَبِ الْعُجَابِ، إِلَّا مَنْ وَفَرَ حَظُّهُ مِنْ عُلُومِ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ، وَتَبَحَّرَ فِي الْفُرُوعِ وَالْأُصُولِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَى مُطَالَعَةِ هَذِهِ الْفُصُولِ بِمُسْكَةٍ صَحِيحَةٍ، وَقَرِيحَةٍ نَقِيَّةٍ غَيْرِ قَرِيحَةٍ. وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْإِعْجَابِ بِالْإِبْدَاعِ، وَالْمَيْلِ بِالْهَوَى إِلَى بَعْضِ الْآرَاءِ فِي مَظَانِّ النِّزَاعِ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَجْعَلَ مَجَامِعَ مَسَاعِينَا، وَجُلَّ مَتَاعِبِنَا فِي طَلَبِ مَرْضَاتِهِ، إِنَّهُ وَلِيٌّ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ، فَأَقُولُ: لَمَّا رَأَيْتُ أَقَاوِيلَ الْمُفَسِّرِينَ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ مُتَجَاوِزَةً حَدَّ الْبَيَانِ، آخِذَةً بِطَرَفَيِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، جَرَرْتُ فِي سَرْحِهَا هَذِهِ الْفُصُولَ، الْمُتَضَمِّنَةَ مِنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى شِفَاءَ كُلِّ عَلِيلٍ، مَعَ انْتِخَابِي فِيهَا قَصْدَ السَّبِيلِ، وَتَوَقِّي التَّعْلِيلِ وَالتَّطْوِيلِ ...

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية