الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

[ ص: 413 ] ( فصل )

( والصلح جائز عن دعوى الأموال   ) لأنه في معنى البيع ، على ما مر . قال : ( والمنافع ؛ لأنها تملك بعقد الإجارة فكذا بالصلح ) [ ص: 414 ] [ ص: 415 ] والأصل فيه أن الصلح يجب حمله على أقرب العقود إليه وأشبهها به احتيالا لتصحيح تصرف العاقد ما أمكن

التالي السابق


فتح القدير

[ ص: 413 ]

( فصل )

لما فرغ من مقدمات الصلح ، وشرائطه وأنواعه شرع في بيان ما يجوز عنه الصلح وما لا يجوز . ( قوله : والصلح جائز عن دعوى الأموال ) هذا لفظ القدوري في مختصره .

قال المصنف في تعليله : ( لأنه في معنى البيع على ما مر ، أقول : هاهنا شيء ، وهو أن قول القدوري : والصلح جائز عن دعوى الأموال مطلق يتناول الصلح عن مال بمال والصلح عن مال بمنفعة ، فإن أجري على إطلاقه ، كما هو الظاهر لم يتم تعليل المصنف بقوله : لأنه في معنى البيع على ما مر ؛ لظهور أن الصلح عن مال بمنفعة ليس في معنى البيع ، بل هو في معنى الإجارة ، كما صرح به فيما مر ، وإن قيد بما كان عن مال بمال ، كما فعله صاحب العناية لزم أن لا يندرج ما كان عن مال بمنفعة في هذا الفصل مع أنه معقود لبيان أنواع ما يجوز عنه الصلح وما لا يجوز ، فكان تقصيرا من المقيد بلا ضرورة ، لا يقال : إنما ترك ذلك النوع في هذا الفصل بناء على كونه معلوما فيما مر . لأنا نقول : ينتقض ذلك بما كان عن مال بمال ؛ فإنه أيضا كان معلوما فيما مر .

( قوله : والمنافع ) بالجر عطف على الأموال وعن دعوى المنافع ، وهو من تمام لفظ القدوري .

قال المصنف : في تعليله : ( لأنها تملك بعقد الإجارة ، فكذا بالصلح ) .

أقول : لقائل أن يقول : يشكل هذا التعليل بما ذكره شيخ الإسلام علاء الدين الإسبيجابي [ ص: 414 ]

في شرح الكافي للحاكم الشهيد في باب الصلح في الوصايا ؛ حيث قال : وإذا أوصى الرجل لرجل بخدمة عبده سنة وهو يخرج من ثلثه فصالحه الوارث من خدمته على دراهم أو على سكنى بيت ، أو على خدمة عبد آخر ، أو على ركوب دابة ، أو على لبس ثوب شهرا فهو جائز والقياس أن لا يجوز ؛ لأن الموصى له بمنزلة المستعير والمستعير لا يقدر على تمليك المنفعة من أحد ببدل ، ولهذا لو آجر منهم لا يصح ، إلا أنا نقول : لأن هذا ليس بتمليك إياهم ببدل ، بل هو إسقاط حقه الذي وجب له بعقد الوصية ببدل ، ولفظة الصلح لفظة تحتمل التمليك وتحتمل الإسقاط ، فإن لم يمكن تصحيحه تمليكا أمكن تصحيحه إسقاطا فصححناه إسقاطا ، وهو حق معتبر يوازي الملك فاحتمل التقويم بالشرط ، إلى هنا كلامه .

فإن الموصى له إذا لم يقدر على تمليك المنفعة الموصى بها من أحد لم يصح تعليل جواز الصلح عن تلك المنفعة بأن المنافع تملك بعقد الإجارة فكذا بالصلح ، ثم أقول : يمكن أن يقال : إن الموصى له وإن لم يقدر على تمليكه المنفعة الموصى بها حقيقة إلا أنه يقدر على تمليكها حكما من حيث إنه يقدر على إسقاطها ببدل ، وقد أشار إليه الإمام الإسبيجابي بقوله : وهو حق معتبر يوازي الملك فاحتمل التقويم ، فمعنى تعليل المصنف أن جنس المنافع يملك حقيقة بعقد الإجارة ، كما إذا آجر ملكه ، فكذا يملك حكما بالصلح ، كما إذا صالح عن المنفعة الموصى بها ، فعلى هذا يحصل التوفيق بين كلامي الشيخين .

قال الإمام النسفي في الكافي : الصلح جائز عن دعوى المنافع بأن ادعى في دار سكنى سنة وصية من رب الدار ، فجحده أو أقر به فصالحه الوارث على شيء جاز ؛ لأنه جاز أخذ العوض عنها بالإجارة فكذا بالصلح ، انتهى . وقال بعض الفضلاء بعد نقل هذا : ونقل ما ذكره الإمام الإسبيجابى في شرح الكافي للحاكم الشهيد على ما مر ، وأنت خبير بما بين ما نقل من الإسبيجابي والكافي من المخالفة ، ولعل في جواز الإجارة روايتين ، فليتأمل ، انتهى .

أقول : المخالفة بينهما في الفهم لا في المفهم ؛ لأن مراد صاحب الكافي هو أنه جاز أخذ العوض عن جنس المنافع بالإجارة ، كما إذا آجر ملكه ، فكذا جاز أخذ العوض بالصلح ، كما إذا صالح عن المنفعة الموصى بها كسكنى دار سنة مثلا ، وليس مراده أنه كما جاز أخذ العوض عن منفعة معينة ، هي سكنى دار مثلا وصية من رب الدار بالإجارة ، كذلك جاز أخذ العوض عن تلك المنفعة بالصلح عنها حتى تلزم المخالفة ، ثم أقول : بقي هاهنا كلام ، وهو أن ما ذكره الإمام الإسبيجابي في شرح الكافي من أنه إذا أوصى الرجل لرجل بخدمة عبد سنة وهو يخرج من ثلثه فصالحه الوارث من خدمته على دراهم أو على سكنى بيت أو على خدمة عبد آخر أو على ركوب دابة أو على لبس ثوب شهرا فهو جائز ، وما ذكره صاحب النهاية نقلا عن المغني من أنه إذا أوصى الرجل لرجل [ ص: 415 ]

بخدمة عبد سنة وهو يخرج من ثلث ماله فصالحه الوارث من الخدمة على دراهم جاز ، وكذلك لو صالحه على خدمة عبد آخر يجوز أيضا ، وكذلك لو صالحه على ركوب دابة شهرا ، ولبس ثوب شهرا فهو جائز ، انتهى مخالف لما ذكر في كثير من الكتب المعتبرة ؛ فإن مدلولهما جواز الصلح عن المنفعة وإن اتحد جنس المنفعتين من حيث جوز فيهما مصالحة الوارث عن خدمة عبد على خدمة عبد آخر ، والمصرح به في كثير من المعتبرات عدم جواز الصلح عند اتحاد جنس المنفعة .

قال في البدائع : فإن كان المنفعتان من جنسين مختلفين ، كما إذا صالح من سكنى دار على خدمة عبد يجوز بالإجماع ، وإن كانتا من جنس واحد لا يجوز عندنا ، وموضع المسألة كتاب الإجارات ، وإذا اعتبر الصلح على المنافع إجارة يصح بما يصح به الإجارات ، ويفسد بما يفسد به ، انتهى .

وقال في التبيين : إنما يجوز عن المنافع على المنفعة إذا كانتا مختلفتي الجنس ، وإن كانتا متفقتين بأن يصالح عن السكنى على السكنى ، أو عن الزراعة على الزراعة فلا يجوز ؛ لأنه لا يجوز استئجار المنفعة بجنسها فكذا الصلح . وعند اختلاف الجنس يجوز استئجارها بالمنفعة فكذا الصلح ، انتهى إلى غير ذلك من المعتبرات ، فتدبر .

( قوله : والأصل فيه أن الصلح يجب حمله على أقرب العقود إليه وأشبهها به احتيالا لتصحيح تصرف العاقل ما أمكن ) .

أقول : لقائل أن يقول : قد يقع الصلح على مجرد ترك الدعوى من الجانبين ويجوز ، كما صرحوا به ، فإمكان حمل مثله على شيء من العقود غير ظاهر سيما إذا وقع على ترك دعوى جناية العمد من الجانبين ، فتأمل .




الخدمات العلمية