الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال : ( ويصح عن جناية العمد والخطأ   ) أما الأول فلقوله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ، الآية ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنها نزلت في الصلح عن دم العمد ، وهو بمنزلة النكاح ، حتى أن ما صلح مسمى فيه صلح هاهنا إذ كل واحد منهما مبادلة المال بغير المال إلا أن عند فساد التسمية هنا يصار إلى الدية ؛ لأنها موجب الدم . ولو صالح على خمر  لا يجب شيء ؛ لأنه لا يجب بمطلق العفو . [ ص: 416 ] وفي النكاح يجب مهر المثل في الفصلين ؛ لأنه الموجب الأصلي ، ويجب مع السكوت عنه حكما ، ويدخل في إطلاق جواب الكتاب الجناية في النفس وما دونها ، وهذا بخلاف الصلح عن حق الشفعة على مال حيث لا يصح ؛ لأنه حق التملك ، ولا حق في المحل قبل التملك .

وأما القصاص فملك المحل في حق الفعل فيصح الاعتياض عنه ، وإذا لم يصح الصلح تبطل الشفعة ؛ لأنها تبطل بالإعراض والسكوت ، والكفالة بالنفس بمنزلة حق الشفعة حتى لا يجب المال بالصلح عنه ، غير أن في بطلان الكفالة روايتين على ما عرف في موضعه . [ ص: 417 ] وأما الثاني وهو جناية الخطأ فلأن موجبها المال ، فيصير بمنزلة البيع ، إلا أنه لا تصح الزيادة على قدر الدية ؛ لأنه مقدر شرعا ، فلا يجوز إبطاله فترد الزيادة ، بخلاف الصلح عن القصاص حيث تجوز الزيادة على قدر الدية ؛ لأن القصاص ليس بمال وإنما يتقوم بالعقد ، وهذا إذا صالح على أحد مقادير الدية ، أما إذا صالح على غير ذلك جاز لأنه مبادلة بها ، إلا أنه يشترط القبض في المجلس كي لا يكون افتراقا عن دين بدين . ولو قضى القاضي بأحد مقاديرها فصالح على جنس آخر منها بالزيادة جاز ؛ لأنه تعين الحق بالقضاء فكان مبادلة ، بخلاف الصلح ابتداء ؛ لأن تراضيهما على بعض المقادير بمنزلة القضاء في حق التعيين فلا تجوز الزيادة على ما تعين .

[ ص: 418 ] قال : ( ولا يجوز عن دعوى حد   ) لأنه حق الله تعالى لا حقه ، ولا يجوز الاعتياض عن حق غيره ، ولهذا لا يجوز الاعتياض إذا ادعت المرأة نسب ولدها ؛ لأنه حق الولد لا حقها ، وكذا لا يجوز الصلح عما أشرعه إلى طريق العامة ؛ لأنه حق العامة فلا يجوز أن يصالح واحد على الانفراد عنه ؛ ويدخل في إطلاق الجواب حد القذف ؛ لأن المغلب فيه حق الشرع .

قال : ( وإذا ادعى رجل على امرأة نكاحا وهي تجحد فصالحته على مال  بذلته حتى يترك الدعوى جاز ، وكان في معنى الخلع ) ؛ لأنه أمكن تصحيحه خلعا في جانبه بناء على زعمه ، وفي جانبها بدلا للمال لدفع الخصومة . قالوا : ولا يحل له أن يأخذ فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان مبطلا في دعواه .

التالي السابق


فتح القدير

( قوله : وهو بمنزلة النكاح حتى أن ما صلح مسمى فيه صلح هاهنا ؛ إذ كل واحد منهما مبادلة المال بغير المال ) [ ص: 416 ]

قال الشراح في شرح قوله : إن ما صالح مسمى فيه صلح هاهنا ، ولا ينعكس هذا ، أي : لا يقال : كل ما يصلح بدلا في الصلح يصلح مسمى في النكاح ؛ فإن هذا العكس غير لازم ولا ملتزم ؛ لأن الصلح عن دم العمد على أقل من عشرة دراهم صحيح ، وإن لم يصلح ما دون العشرة صداقا ، ولأنه لو صالح من عليه القصاص على أن يعفو عن قصاص له على آخر جاز ، وإن لم يصلح العفو عن القصاص صداقا ؛ لأن كون الصداق مالا منصوص عليه بقوله تعالى : أن تبتغوا بأموالكم ، وبدل الصلح في القصاص ليس كذلك ، فيكتفى بكون العوض فيه متقوما ، والقصاص متقوم حتى صلح المال عوضا عنه ، فيجوز أن يقع عوضا عن قصاص آخر ، انتهى كلامهم .

أقول : هنا إشكال وهو أنه إذا صح أن يكون بدل الصلح في جناية العمد ما ليس بمال كالعفو عن القصاص لزم أن لا يصح قول المصنف ؛ إذ كل واحد منهما مبادلة المال بغير المال ؛ لأن الصلح عن جناية العمد في صورة أن صالح من صالح من عليه القصاص على العفو عن قصاص له على آخر ليس بمبادلة المال بغير المال بل هو هناك مبادلة غير المال بغير المال ، كما لا يخفى .

وقال الشراح تفريعا على قول المصنف : حتى أن ما صلح مسمى فيه صلح هاهنا ، فلو صالح عن دم العمد على سكنى دار أو خدمة عبد سنة جاز ؛ لأن المنفعة المعلومة صلحت صداقا فكذا بدلا في الصلح ، ولو صالحه على ذلك أبدا [ ص: 417 ] أو على ما في بطن أمته أو على غلة نخله سنين معلومة لم يجز ؛ لأنه لم يصلح صداقا ، فكذا بدلا في الصلح ، انتهى .

أقول : فيه بحث ؛ لأن تعليلهم عدم جواز الصلح عن دم العمد على الأشياء المذكورة بقولهم : لأنه لم يصلح صداقا ، فكذا بدلا في الصلح ، ينافي قولهم بأن العكس هاهنا غير لازم ولا ملتزم ؛ فإن صحة التعليل بما ذكروا يبتنى على لزوم العكس والتزامه . فالصواب تعليل عدم جواز الصلح في تلك الصور بجهالة المصالح عليه من غير تعرض ؛ لئلا يصلح صداقا فإن جهالته تفسد الصلح فيما احتيج فيه إلى التسليم والتسلم ، كما تقرر فيما مر .

وقال بعض الفضلاء في حاشيته عن قول صاحب العناية : ولا يتوهم لزوم العكس ؛ فإنه غير لازم ولا ملتزم ، لكن قال في المحيط : إذا صالحه على وصيف عن دم العمد فهو جائز ، والأصل في جنس شرع المسائل أن ما صلح مهرا في النكاح صلح بدلا في الصلح عن دم العمد وما لا فلا ، والوصيف يصلح مهرا في النكاح ويصرف مطلقه إلى الوسط فكذا يصلح بدلا في الصلح عن دم العمد ، ومطلقه ينصرف إلى الوسط ، انتهى .

والمقصود قوله : وما لا فلا ، فليتأمل ، فإن فيه مخالفة أخرى لقوله عند فساد التسمية : يصار إلى الدية ، إلى هنا كلام ذلك البعض .

أقول : لا مخالفة فيه لقوله عند فساد التسمية : يصار إلى الدية ؛ إذ لا فساد في التسمية فيما قاله صاحب المحيط ؛ لأن فساد التسمية بجهالة فاحشة وليس في الوصيف جهالة فاحشة سيما إذا انصرف مطلقه إلى الوسط ، كما صرح به ، ولهذا يصلح مهرا في النكاح ، وهذا أمر لا سترة به .

( قوله : وأما الثاني وهو جناية الخطأ فلأن موجبها المال ، فيصير بمنزلة البيع ) .

أقول : فيه شيء وهو أنهم صرحوا بأن الصلح إذا كان على جنس ما استحقه [ ص: 418 ]

المدعى عليه لم يحمل على المعاوضة وإنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه ، وسيأتي ذلك في الكتاب أيضا في باب الصلح في الدين .

ولا يخفى أن الصلح عن جناية الخطأ إذا كان على أحد مقادير الدية مطلقا قبل أن يقضي القاضي بأحد منها بعينه أو كان على جنس ما قضى القاضي به بعد أن قضى بأحد مقاديرها بعينه كان من ذلك القبيل فلم يتم إطلاق قوله : فيصير بمنزلة البيع ، فتأمل .




الخدمات العلمية