الهداية شرح بداية المبتدي
قال : ( ويصح عن جناية العمد والخطأ ) أما الأول فلقوله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ، الآية ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنها نزلت في الصلح عن دم العمد ، وهو بمنزلة النكاح ، حتى أن ما صلح مسمى فيه صلح هاهنا إذ كل واحد منهما مبادلة المال بغير المال إلا أن عند فساد التسمية هنا يصار إلى الدية ؛ لأنها موجب الدم . ولو صالح على خمر لا يجب شيء ؛ لأنه لا يجب بمطلق العفو . [ ص: 416 ] وفي النكاح يجب مهر المثل في الفصلين ؛ لأنه الموجب الأصلي ، ويجب مع السكوت عنه حكما ، ويدخل في إطلاق جواب الكتاب الجناية في النفس وما دونها ، وهذا بخلاف الصلح عن حق الشفعة على مال حيث لا يصح ؛ لأنه حق التملك ، ولا حق في المحل قبل التملك .
وأما القصاص فملك المحل في حق الفعل فيصح الاعتياض عنه ، وإذا لم يصح الصلح تبطل الشفعة ؛ لأنها تبطل بالإعراض والسكوت ، والكفالة بالنفس بمنزلة حق الشفعة حتى لا يجب المال بالصلح عنه ، غير أن في بطلان الكفالة روايتين على ما عرف في موضعه . [ ص: 417 ] وأما الثاني وهو جناية الخطأ فلأن موجبها المال ، فيصير بمنزلة البيع ، إلا أنه لا تصح الزيادة على قدر الدية ؛ لأنه مقدر شرعا ، فلا يجوز إبطاله فترد الزيادة ، بخلاف الصلح عن القصاص حيث تجوز الزيادة على قدر الدية ؛ لأن القصاص ليس بمال وإنما يتقوم بالعقد ، وهذا إذا صالح على أحد مقادير الدية ، أما إذا صالح على غير ذلك جاز لأنه مبادلة بها ، إلا أنه يشترط القبض في المجلس كي لا يكون افتراقا عن دين بدين . ولو قضى القاضي بأحد مقاديرها فصالح على جنس آخر منها بالزيادة جاز ؛ لأنه تعين الحق بالقضاء فكان مبادلة ، بخلاف الصلح ابتداء ؛ لأن تراضيهما على بعض المقادير بمنزلة القضاء في حق التعيين فلا تجوز الزيادة على ما تعين .
[ ص: 418 ] قال : ( ولا يجوز عن دعوى حد ) لأنه حق الله تعالى لا حقه ، ولا يجوز الاعتياض عن حق غيره ، ولهذا لا يجوز الاعتياض إذا ادعت المرأة نسب ولدها ؛ لأنه حق الولد لا حقها ، وكذا لا يجوز الصلح عما أشرعه إلى طريق العامة ؛ لأنه حق العامة فلا يجوز أن يصالح واحد على الانفراد عنه ؛ ويدخل في إطلاق الجواب حد القذف ؛ لأن المغلب فيه حق الشرع .
قال : ( وإذا ادعى رجل على امرأة نكاحا وهي تجحد فصالحته على مال بذلته حتى يترك الدعوى جاز ، وكان في معنى الخلع ) ؛ لأنه أمكن تصحيحه خلعا في جانبه بناء على زعمه ، وفي جانبها بدلا للمال لدفع الخصومة . قالوا : ولا يحل له أن يأخذ فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان مبطلا في دعواه .


