الهداية شرح بداية المبتدي
ورجع المال مضاربة على حاله لبقائه في يده بالعقد السابق ، [ ص: 455 ] وكذا إذا رد بعضه واشترى ببعضه في المصر كان المردود والمشترى في المصر على المضاربة لما قلنا ، ثم شرط الشراء بها هاهنا وهو رواية الجامع الصغير ، وفي كتاب المضاربة ضمنه بنفس الإخراج .
والصحيح أن بالشراء يتقرر الضمان لزوال احتمال الرد إلى المصر الذي عينه ، أما الضمان فوجوبه بنفس الإخراج ، وإنما شرط الشراء للتقرر لا لأصل الوجوب ، وهذا بخلاف ما إذا قال على أن يشتري في سوق الكوفة حيث لا يصح التقييد لأن المصر مع تباين أطرافه كبقعة واحدة فلا يفيد التقييد ، إلا إذا صرح بالنهي بأن قال اعمل في السوق ولا تعمل في غير السوق لأنه صرح بالحجر والولاية إليه [ ص: 456 ] ومعنى التخصيص أن يقول له على أن تعمل كذا أو في مكان كذا ، وكذا إذا قال خذ هذا المال تعمل به في الكوفة لأنه تفسير له ، أو قال فاعمل به في الكوفة لأن الفاء للوصل أو قال خذه بالنصف بالكوفة لأن الباء للإلصاق ، أما إذا قال خذ هذا المال واعمل به بالكوفة فله أن يعمل فيها وفي غيرها لأن الواو للعطف فيصير بمنزلة المشورة ، [ ص: 457 ] ولو قال على أن تشتري من فلان وتبيع منه صح التقييد لأنه مفيد لزيادة الثقة به في المعاملة ، بخلاف ما إذا قال على أن تشتري بها من أهل الكوفة ، أو دفع في الصرف على أن يشتري به من الصيارفة ويبيع منهم فباع بالكوفة من غير أهلها أو من غير الصيارفة جاز ؛ لأن فائدة الأول التقييد بالمكان ، وفائدة الثاني التقييد بالنوع ، وهذا هو المراد عرفا لا فيما وراء ذلك .
قال ( وكذلك إن وقت للمضاربة وقتا بعينه يبطل العقد بمضيه ) لأنه توكيل فيتوقت بما وقته والتوقيت مفيد وأنه تقييد بالزمان فصار كالتقييد بالنوع والمكان .
قال ( وليس للمضارب أن يشتري من يعتق على رب المال لقرابة أو غيرها ) لأن العقد وضع لتحصيل الربح وذلك بالتصرف مرة بعد أخرى ، ولا يتحقق فيه لعتقه ولهذا لا يدخل في المضاربة شراء ما لا يملك بالقبض كشراء الخمر والشراء بالميتة . بخلاف البيع الفاسد لأنه يمكنه بيعه بعد قبضه فيتحقق المقصود .
قال ( ولو فعل صار مشتريا لنفسه دون المضاربة ) لأن الشراء متى وجد نفاذا على المشتري نفذ عليه كالوكيل بالشراء إذا خالف . قال ( فإن كان في المال ربح لم يجز له أن يشتري من يعتق عليه ) لأنه يعتق عليه نصيبه ويفسد نصيب رب المال أو يعتق على الاختلاف المعروف فيمتنع التصرف فلا يحصل المقصود ( وإن اشتراهم ضمن مال المضاربة ) لأنه يصير مشتريا العبد لنفسه فيضمن بالنقد من مال المضاربة [ ص: 458 ] وإن لم يكن في المال ربح جاز أن يشتريهم لأنه لا مانع من التصرف ، إذ لا شركة له فيه ليعتق عليه ( فإن زادت قيمتهم بعد الشراء عتق نصيبه منهم ) لملكه بعض قريبه ( ولم يضمن لرب المال شيئا ) لأنه لا صنع من جهته في زيادة القيمة ولا في ملكه الزيادة ، لأن هذا شيء يثبت من طريق الحكم فصار كما إذا ورثه مع غيره ( ويسعى العبد في قيمة نصيبه منه ) لأنه احتسبت ماليته عنده فيسعى فيه كما في الورثة .
قال ( فإن كان مع المضارب ألف بالنصف فاشترى بها جارية قيمتها ألف فوطئها فجاءت بولد يساوي ألفا فادعاه ثم بلغت قيمة الغلام ألفا وخمسمائة [ ص: 459 ] والمدعي موسر ، فإن شاء رب المال استسعى الغلام في ألف ومائتين وخمسين ، وإن شاء أعتق ) ووجه ذلك أن الدعوة صحيحة في الظاهر حملا على فراش النكاح ، لكنه لم ينفذ لفقد شرطه وهو الملك لعدم ظهور الربح لأن كل واحد منهما : أعني الأم والولد مستحق برأس المال ، كمال المضاربة إذا صار أعيانا كل عين منها يساوي رأس المال لا يظهر الربح كذا هذا ، فإذا زادت قيمة الغلام الآن ظهر الربح فنفذت الدعوة السابقة ، بخلاف ما إذا أعتق الولد ثم ازدادت القيمة .
لأن ذلك إنشاء العتق ، فإذا بطل لعدم الملك لا ينفذ بعد ذلك بحدوث الملك ، أما هذا فإخبار فجاز أن ينفذ عند حدوث الملك كما إذا أقر بحرية عبد غيره ثم اشتراه ، وإذا صحت الدعوة وثبت النسب عتق الولد لقيام ملكه في بعضه ، ولا يضمن لرب المال شيئا من قيمة الولد لأن عتقه ثبت بالنسب والملك والملك آخرهما فيضاف إليه ولا صنع له فيه ، وهذا ضمان إعتاق فلا بد من التعدي ولم يوجد ( وله أن يستسعي الغلام ) لأنه احتبست ماليته عنده ، وله أن يعتق لأن المستسعى كالمكاتب عند أبي حنيفة ، [ ص: 460 ] ويستسعيه في ألف ومائتين وخمسين ، لأن الألف مستحق برأس المال والخمسمائة ربح والربح بينهما فلهذا يسعى له في هذا المقدار .
ثم إذا قبض رب المال الألف له أن يضمن المدعي نصف قيمة الأم لأن الألف المأخوذ لما استحق برأس المال لكونه مقدما في الاستيفاء ظهر أن الجارية كلها ربح فيكون بينهما ، وقد تقدمت دعوة صحيحة لاحتمال الفراش الثابت بالنكاح وتوقف نفاذها لفقد الملك ، فإذا ظهر الملك نفذت تلك الدعوة وصارت الجارية أم ولد له ويضمن نصيب رب المال لأن هذا ضمان تملك وضمان التملك لا يستدعي صنعا كما إذا استولد جارية بالنكاح ثم ملكها هو وغيره وراثة يضمن نصيب شريكه كذا هذا ؛ بخلاف ضمان الولد على ما مر .


